العراقي شاكر لعيبي يبحث في تاريخ الفن عبر لسان العرب

الفن لمحة مهمة عن التاريخ، يربط بين الحالة المزاجية والمعتقدات لعصر ما.
السبت 2021/08/07
منمنمات الواسطي فن بقي مجهولا

عمان – هناك الكثير مما يمكن الحديث عنه وتناوله في التسلسل الزمني لتاريخ الفن البشري، تاريخ عريق بدأ منذ أكثر من ثلاثين ألف عام، ويأخذنا عبر سلسلة من الحركات والأساليب والفترات التي تعكس الوقت الذي تم خلاله إنشاء كل قطعة فنية.

ويعد الفن لمحة مهمة عن التاريخ لأنه غالبًا ما يروي لنا القصص، ويربط بين الحالة المزاجية والمعتقدات لعصر ما، ويسمح لنا بالتواصل مع الأشخاص الذين سبقونا. من العصور القديمة إلى غاية العصور القريبة، حيث يؤثر الفن بتاريخه على المستقبل بما يبقى منه مقاوما للزمن ومتناقَلا من جيل إلى آخر.

من المهم الاطلاع على تاريخ الفن، وفي هذا الصدد اختار الشاعر والباحث العراقي شاكر لعيبي مدخلا مبتكرا لاستكشاف خفايا الفن التاريخية، في كتاب بعنوان “تاريخ الفن حسب لسان العرب”.

يُقصد بلسان العرب في هذا العمل شيئان: معجم ابن منظور الشهير وعموم الكلام العربي، فالأول قد أوفى رصد مفردات اللغة العربية، وأحيانا فصولها وأصولها واشتقاقاتها وانحرافات استخدامها، وكله ذلك قد يضيء عَرَضا ممارسة فنية أو ظواهر الفن وأحيانا تاريخه في نطاق الجغرافيا والثقافة العربيتين.

تأريخ العرب لفنهم ظل مجهولا وملتبسا وقليل الشأن حتى أننا لا نعرف شيئا عن حياة رسّاميهم الكبار

ونأخذ كل من هذين المثالين، الأول، تداوُل التماثيل ثلاثية الأبعاد في الجزيرة العربية (كانت تسمى الأصنام)، وثانياً طبيعة التعاطي مع الألوان ومجمل الظواهر اللونية والتنقيب عن سبب إطلاق تسميات مخصوصة عليها. فاللسان يعرف جيدا أن عليه الحديث عن الطائر النسر لكن أيضا عن التمثال النسر المعبود ما قبل الإسلامي.

لكن اللسان العربي هو أيضا حديث المؤلفين الآخرين غير ابن منظور عن المادة نفسها. هنا يتعدى الأمر المعجم إلى المعرفة في شأن مخصوص هو الفن.

لكن التوقف أمام المعجم واللغويين والمؤلفين بمختلف أصناف العلوم، يتطلب حذرا ووعياً نقدياً، وليس التسليم بالمواد المعروضة.

أما تاريخ الفن فهي مادة معروفة، لها هي نفسها تأريخ محدد تطورت عبره حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم. وهي مادة منسية في ثقافتنا وقتا طويلا جدا. بل إن الكتابة عما نسميه الفن لم تجد طيلة عصور من يشتغل بها إلا في ما يتعلق بفن الخط، وأحيانا قليلة ونادرة فن الخزف. لذلك ظل تأريخنا الفني مجهولا، ملتبسا، قليل الشأن، حتى أننا لا نعرف شيئا مثلا عن حياة رسّام من الرسامين حتى لو وقّع أعماله ووضع اسمه كالواسطي والمئات من غيره من النحاتين والخزافين والصاغة والنحاسين وغيرهم.

هذا بالطبع ناهيك عن غياب المؤلفات المكرسة بل الملاحظات عن طريقة وتقنيات الصناعة الفنية العالية كما البسيطة. وعلينا البحث مُداوَرة كي نجد ذلك وشبه ذلك.

 وبسبب هذا الغياب في التدوين للفن العربي بذل المؤلف مجهودا استثنائيا لمعرفة الكثير من التفاصيل الخفية في علاقة بهذا الفن مثل سبب تعدد ألوان الصلصال المفخور ومن أي أنواع الطين تطلع ألوان الخزف الذي نشاهده في المتاحف.

وكان على لعيبي الذهاب بعيدا في مصنفات الرحّالة الذين تكلموا ولو بالنزر اليسير عن ذلك، أو إلى كتب الطلسمات والأعمال السحرية المتأخرة التي تناولت لسبب مختلف كليا هذا الأمر.

رغم ذلك يقول لعيبي “نعتقد أن استخدامات اللغة يمكن أن تحيلنا بطريقتها، لو أحسنا إدراك اشتقاقاتها وربطناها بمعطيات تأريخية وأنثروبولوجية متوفرة، إلى ما نبحث عنه”.

الصورة

ومرّ تاريخ الفنّ العربي بكثير من المراحل التاريخيّة، منذ ما قبل القرن السابع ميلاديا، تاريخ بدايات الإسلام، إلى غاية اليوم، وقد تطور هذا الفنّ خاصة في فترة الحكم الأموي، وذلك بسبب إدخال مفاهيم جديدة، وقد كان واضحا في بناء مسجد قبّة الصخرة بمدينة القدس، والذي يُعدّ من أهمّ المباني في الفنّ العربي والإسلامي.

أما في العصر العباسي فقد تجلّى الفنّ العربي في بناء العواصم، وذلك في بناء المدينة على شكل مدور، وبناء المسجد في وسطها، وصنع الأثاث من الجص الذي ساهم في نقش الزخارف وغيرها.

وتمثَّل هذا الفن من القرن التاسع إلى القرن الخامس عشر في المغرب وإسبانيا بالفنّ المعماري الخاص بهما بأشكال الأقواس النصف دائريّة والمستوحاة من النماذج القوطيّة والرومانيّة، وقد ظهر ذلك في بناء الجامع الكبير بمدينة قرطبة، ومسجد باب الردوم، ومدينة الزهراء، وقصر الحمراء، كما استعملوا العاج في صنع الصناديق، وعلب المجوهرات المنقوشة، كما صنعت التماثيل الثلاثيّة الأبعاد، وصنعت الأقمشة الحريريّة كما يُعتبر منبر مسجد الكتبية مثالا على ذلك، وامتلكت البلاد ثقافة واسعة، مثل الجامعات الكبرى التي قامت بتعليم الفلسفة والعلوم المتنوعة.

ونجد فنّ العمارة الإسلاميّة بالمغرب واضحا في بناء المساجد، ولكن تم تدمير عدد كبير من الآثار والتحف الإسلامية بسبب ما مرّ به المغرب من حروب ودمار للفنّ الإسلامي؛ أما في سوريا ومصر فكانت الدولتان تحت حُكم السلالة الفاطميّة التي أعطت في هذا العصر أهميّة كبيرة لفنّ العمارة.

 ويبقى الفن العربي عريقا عراقة الحضارة التي بنيت على أسسه، ولكنه رغم ذلك مهمل ويحتاج إلى البحث أكثر فيه، حتى من خلال المعاجم واللغة.

ويذكر أن كتاب “تاريخ الفن حسب لسان العرب” صدر أخيرا عن دار خطوط وظلال في عمان وصمم له الغلاف مدير الدار الفنان الأردني محمد العامري.

13