العجز التجاري التونسي يتحدى قيود الإغلاق

14 في المئة نسبة ارتفاع العجز منذ بداية العام.
السبت 2021/07/24
معالجة الاختلال التجاري ضرورية

تعكس أحدث المؤشرات السلبية حول نشاط الاقتصاد التونسي وخاصة اتساع العجز في الميزان التجاري منذ بداية 2021 أن السياسات المرتبكة للحكومة لتحفيز مؤشرات النمو لم تطفئ آثار تداعيات الجائحة التي ظهرت بوضوح على مظاهر حياة الناس.

تونس - كشفت القفزة الجديدة في العجز التجاري التونسي عن فشل السياسات الحكومية في تعزيز الصادرات بوتيرة تنافس ارتفاع الواردات، في وقت تتصاعد فيه الانتقادات لبطء معالجة الأزمات المتراكمة في ظل التجاذبات السياسية.

وأظهرت بيانات المعهد التونسي للإحصاء صعود العجز التجاري خلال النصف الأول من العام الجاري بنسبة 14.1 في المئة أي بمقدار 933.7 مليون دينار (333.4 مليون دولار) على أساس سنوي.

وفي المجمل بلغ عجز الميزان التجاري حوالي 7.5 مليار دينار (2.69 مليار دولار)، صعودا من 6.6 مليار دينار (2.35 مليار دولار) بمقارنة سنوية.

ويأتي هذا الارتفاع مدفوعا بزيادة الواردات من الخارج أكثر من الزيادة المسجلة في قطاع الصادرات خلال فترة النصف الأول من 2021.

والمفاجئ أنه رغم زيادة الصادرات بنسبة 25.5 في المئة لتصل إلى 22.8 مليار دينار (8.15 مليارات دولار)، صعدت في المقابل الواردات بنسبة 22.4 في المئة خلال الفترة ذاتها، لتبلغ ثلاثين مليار دينار (10.8 مليار دولار).

ويعطي اتساع العجز منذ بداية العام رغم بطء حركة التجارة العالمية بسبب انعكاسات قيود الإغلاق جراء الجائحة على مجمل النشاط الاقتصادي دليلا على غياب الرؤية الاستراتيجية من قبل حكومة هشام المشيشي التي تواجه انتقادات بسبب سوء إدارتها للأزمات.

معز الجودي: تراجع الإنتاج بسبب الوباء انعكس على مستوى الصادرات

ولا تزال تداعيات الجائحة ترمي بظلالها على الاقتصاد التونسي الضعيف أصلا، حيث زاد توقف نشاط المؤسسات ومواقع الإنتاج وحالة العطالة الاقتصادية التي تشهدها البلاد منذ قرابة عام ونصف من تدهور مجمل النشاط الاقتصادي.

وربط خبراء تحدثت معهم “العرب” تضاعف العجز التجاري في تونس بتداعيات الجائحة، وتواصل تعطل أو بطء وتيرة نشاط العديد من القطاعات الاستراتيجية على غرار الفوسفات، فضلا عن ضعف سياسات الدولة بخصوص الاقتصاد.

وقال الخبير الاقتصادي معز الجودي الذي يرأس الجمعية التونسية للحوكمة إن “العجز التجاري في سنة 2020 تقلص بحكم الأزمة الصحية بسبب قلة التنقل وغيرها، لكنه تقريبا تضاعف في الفترة الأخيرة ليصل إلى أكثر من 14 في المئة”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أنه “عند عودة الحركة عالميا بدأت واردات تونس تعود، وإجمالا العجز التجاري يرتفع منذ العام 2011 لأن الواردات في ارتفاع، مقابل نقص الاستثمار والانتاج على غرار الفوسفات والطاقة”.

وتشير التقديرات الرسمية إلى تراجع إنتاج الفوسفات من نحو 8 ملايين إلى مليوني طن تقريبا، أما النفط فتقهقر من 114 ألف برميل يوميا إلى ما بين 37 و40 ألف برميل يوميا، أي تراجع إلى أكثر من النصف.

ويؤكد الجودي أن هناك تراجعا في الإنتاج المحلي والصادرات الصناعية الغذائية والميكانيكية، فضلا عن مطالب النقابات وتقلص نشاط الخدمات اللوجستية على غرار ميناء رادس الحيوي الذي تكدست فيه السلع لأشهر وهو ما يعطل التصدير والتوريد.

واعتبر أن تراجع سعر صرف الدينار أمام سلة العملات الرئيسية كان له تأثير في العجز التجاري، مما يرفّع في تكاليف التوريد، فضلا عن السياسات الخاطئة للدولة وضعفها المتواصل، حيث ارتفع العجز التجاري مع تركيا مع غياب اتفاق تجاري واضح المعالم مع الصين.

وسجلت تونس خلال شهري يناير وفبراير 2021 عجزاً تجارياً مع الصين بنحو 322 مليون دولار وتركيا بحوالي 145 مليون دولار.

في المقابل تحولت العلاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي من مرحلة التبادل إلى التوريد والاستهلاك، فمنذ توقيع اتفاق التجارة الحرة عام 1995، والتي تلتها مرحلة سيطر عليها الاتجاه نحو استيراد السلع الجاهزة والاستغناء عن التصنيع والانتاج المحلي ما أدى إلى تقهقر التصدير.

وبلغت نسبة العجز التجاري مع الاتحاد الأوروبي 50 في المئة خلال العام الماضي من إجمالي عجز الميزان التجاري، وهو ما يساوي 5.2 مليار دولار.

وتواجه الحكومة ضغوطا كبيرة من الأوساط الاقتصادية من أجل مراجعة سياساتها والتعجيل في إيجاد الحلول عبر دعم السياسات الاقتصادية المشجعة على النمو والإنتاج بهدف زيادة حجم الصادرات، علاوة عن الحدّ من تراجع قيمة الدينار.

وأكد أستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي في تصريح لـ”العرب”، أن “هناك تدهورا في الميزان التجاري، ما يعني تراجعا كبيرا للصادرات مقابل ارتفاع حجم الواردات لأن اقتصادنا مرتبط بالخارج والمصانع والمؤسسات في تونس لا تشتغل إلا بالمواد الأولية والطاقة”.

وأضاف “الصادرات التونسية متأتية أساسا من السياحة المتوقفة عن النشاط الآن فضلا عن توقف إنتاج الفوسفات، وبالتالي تفاقم العجز بسبب ضغوطات على مستوى الواردات وناتج أساسا من تراجع الصادرات”.

رضا الشكندالي: شلل السياحة وبطء إنتاج الفوسفات فاقما نسبة العجز التجاري

وتظهر الإحصائيات الرسمية أن إيرادات القطاع السياحي تراجعت منذ بداية العام وحتى العاشر من يوليو الجاري بواقع 25.3 في المئة على أساس سنوي لتبلغ 312.9 مليون دولار فقط.

أما القطاع الزراعي والصناعات المرتبطة به فقد باتت مؤشراته سلبية بسبب انكماش النشاط حيث حقق نسبة نمو سالبة بواقع 6.7 في المئة.

وفي استعراض الحلول الممكنة لمعالجة هذا العجز والتقليص فيه تدريجيا، يرى الشكندالي أن هناك حلولا عاجلة وهي بيد الحكومة التي يجب عليها إعادة نشاط الفوسفات والسياحة عبر تحسين إدارة الأزمة الصحية.

وليس ذلك فحسب، بل يعتقد أنه من الضروري العمل بجدية على دعم السياسات الاقتصادية التي تشجع على النمو والإنتاج والتصدير، والحدّ من تراجع قيمة العملة المحلية.

وحملت تصنيفات وكالات الائتمان الدولية في طياتها الكثير من علامات التشاؤم خاصة مع استمرار التجاذبات السياسية وعدم التركيز على الخروج من هذا الوضع الكارثي سريعا.

وكانت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني قد خفضت في مايو الماضي تصنيف تونس طويل الأجل لمصدر العملات الأجنبية، من “بي” إلى “بي سالب” مع نظرة مستقبلية سلبية.

ودخلت تونس قبل ثلاثة أشهر في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي بهدف الحصول على قرض جديد بقيمة 4 مليارات دولار، مقابل التعهد بتنفيذ برنامج اقتصادي يتضمن إصلاحات أساسية من بينها إلغاء الدعم وتقليص فاتورة الرواتب.

وتقدر حاجة تونس إلى التمويلات بنحو 6.7 مليار دولار متوقعة في موازنة العام الحالي، ويمكن أن تصل إلى 8.2 مليار دولار نتيجة عدة عوامل من بينها ارتفاع سعر النفط الخام في الأسواق الدولية.

11