الصقر والأفعى

في كل شأن من شؤون حياتنا، صقرٌ وأفعى. وفي كل لحظة نحرص على أن لا يفتك هذا بذاك.
الجمعة 2020/10/16
من يفتك بالآخر

تدور تلك الحلقة الأبدية التي يكاد فيها الصقر يعض فيها الأفعى بينما توشك الأفعى أن تعضّ الصقر، في دوامة تخلط الفكر والعواطف، القوة والحكمة، السلطة والمعرفة، الخير والشر في آن معا. والحقيقة أن الصقر لا يعمل إن لم تشتغل الأفعى، واليوم بات الإنسان قادرا أكثر على فهم ارتباط الآليات ببعضها البعض. وهو ما فعله نيتشه حين ركّز على استعادة هذا الرمز البصري القادم من عمق التاريخ.

لكن الرمز لا يقول الحكاية كلّها. فهو يجمّد الصورة قبل أن يقع الحدث. وهذا ما يستوجب التنبّه إلى أن لا ينجز كلٌّ من تلك الثنائيات مهمته إلى نهايتها.

هل تظن أنك يمكنك أن تتملّص من الفكرة؟ لا تحلم بهذا. في كل شأن من شؤون حياتنا، صقرٌ وأفعى. وفي كل لحظة نحرص على أن لا يفتك هذا بذاك. مع شركاء العمر ومع أطفالنا وجيراننا، وفي العمل والصداقات والإبداع والآداب والخلق والابتكار التكنولوجي والبحث العلمي والمختبرات الطبية. وفي السياسة بالطبع. فالصقر صقر والأفعى أفعى. ومن لا يرى ذلك فليفحص عينيه ألف مرة.

أما الأبعاد الاجتماعية، فتتفرزن فيها القيم وفقا للمنطق ذاته. والعرب قالت قديما “وهل ينهض البازيُّ بغير جناحه؟“. ومنذ نشأتنا الأولى ونحن نسمعهم يقولون أيضا ”من لا يعرف الصقر يشويه“. نعم لكن السؤال قبل ذلك؛ كيف مَكّن الصقرُ ذلك الجاهلَ الأحمقَ من نفسه حتى أمسك به وشواه؟ لو لم يتصرّف كدجاجة لما التقطوه وظنوه كذلك. فلعلها غلطة الشاطر التي تعدّ بألف غلطة.

يتعاظم هذا المنطق حتى يصل إلى الظواهر الكبرى، فنحن لا نراقب ما يجري حولنا، ولا ندرك حجم تأثيره علينا. وقد قرأت مؤخرا أن المحيطات المرعبة الهائجة، قد أخذت تستقر أكثر وأكثر، ولم تعد تشكّل التهديد ذاته الذي عرفناه عنها على مر الزمان. ولكن هذا ليس خبرا سعيدا. لماذا؟ نُقل عن مايكل مان أستاذ علوم المناخ في جامعة بنسلفانيا أنه كتب في مجلة ”نيوزويك“ عن فريق من علماء المناخ يحذّر من أن ذوبان الجليد بفعل الاحتباس الحراري قد تسبب بارتفاع مستوى سطح البحار، فأصبحت المياه السطحية أكثر دفئا وأقل أكسجينا.

وهذا يعني أن الحياة البحرية باتت مهدّدة بسبب ارتفاع حمضية البحار، وأن المحيط سيخلو من أنواع عديدة من الكائنات البحرية مع نهاية القرن الحالي.

الأخطر من ذلك، أن المحيط، الأفعى، سيمتص ثاني أكسيد الكربون، الذي نحتاجه من أجل الغلاف النباتي الأخضر الذي نعيش منه على الأرض، ولكنه سيدفنه هذه المرة في أعماقه ويحرمنا منه. فتخيّل ما الذي سيصيب الإنسان، الصقر آنذاك حين لا يجد عرقا أخضر حوله!

24
مقالات ذات صلة