الشعبوية تعمّق الأزمة السياسية والاقتصادية في تونس

فاضل عبدالكافي: أزمة البلاد نتاج لطغيان السياسة الشعبوية.
الأربعاء 2021/05/19
طبقة سياسية تُراكم غضب الشارع

أرجعت أوساط سياسية تونسية الأزمة التي ترزح تحت وطأتها البلاد إلى الشعبوية التي تعتمد عليها العديد من الأطراف وذلك في وقت تتكثف فيه الدعوات إلى الحوار الوطني لحلحلة الأزمة خاصة أنها تتزامن مع أزمة صحية حادة ناجمة عن تفشي فايروس كورونا.

تونس - لا تزال الأزمة السياسية في تونس مستمرة رغم مرور العديد من الأشهر عن القطيعة التي آلت إليها الأمور بين رأسي السلطة التنفيذية (الرئيس قيس سعيّد ورئيس الحكومة هشام المشيشي).

وفيما تكثفت الدعوات للذهاب إلى حوار وطني يُنهي الأزمة الحالية عزت أوساط سياسية أسبابها إلى تنامي الشعبوية في البلد الذي يعرف انتقالا ديمقراطيا هشا. وأفاد رئيس حزب آفاق تونس  فاضل عبدالكافي أنّ الساحة السياسية في البلاد تتسم بطغيان السياسة الشعبوية والشعارات الفضفاضة، وفي المقابل زادت البطالة والفقر المدقع وتضرّرت كلّ القطاعات في ظلّ ارتفاع وتيرة الإضرابات، وفق قوله.

واعتبر عبدالكافي أنّه “وعلى الرّغم من وجود مقوّمات النجاح في تونس، إلاّ أنّ هذه البلاد ظلّت تعيش على وقع الأزمات منذ عشر سنوات”، متوقّعا تعمّق الأزمة الصحية الناجمة عن تفشي فايروس كورونا والتي ستساهم مستقبلا في زيادة غلق العديد من المؤسسات وإفلاسها.

وأوضح في تصريح لإذاعة محلية أنّ “العائلة الوسطية التي يُمكنها العمل على إنقاذ تونس تتكوّن من الأشخاص الوطنيين المعتدلين الذين يؤمنون بالثورة وبالدولة الوطنية والديمقراطية وتتكوّن من الأشخاص الذين يؤمنون بالعدل الاجتماعي”، مضيفا أنّ “آفاق تونس منفتح على هذه الشخصيات لأنّه حزب معتدل ووسطي يؤمن بمدنية الدولة وسيعمل على تقديم مشروعه الانتخابي لجمع العديد من التونسيين حول هذا الحزب للنجاح في الانتخابات المقبلة”.

منذر ثابت: الشعبوية قادت إلى الكارثة الاقتصادية والسياسية في تونس
منذر ثابت: الشعبوية قادت إلى الكارثة الاقتصادية والسياسية في تونس

ويرى مراقبون أن ظهور الشعبوية في تونس ليس وليد اللحظة، بل اقترن بثورة الـ14 من يناير 2011 عندما شهدت البلاد حالة من الانفتاح السياسي إثر الإطاحة بنظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي حيث عملت الأحزاب السياسية على استعمال كل الأساليب لاستمالة الناخبين.

وأكد المحلل السياسي منذر ثابت في تصريح لـ”العرب” أن “الشعبوية ليست بالمعطى الجديد بل ظهرت منذ 2011 من خلال العديد من الشعارات السفسطائية لمغالطة الرأي العام”.

وأضاف “كنّا نعتقد على المستوى الاقتصادي أن رحيل النظام السابق سيغيّر الوضع لكن هذه الشعارات ليس لها أيّ دور، والشعبوية تجسدت في وعود وهمية بالثراء والتقدم والحرية، في حين أن السياسة كانت تشترط برامج ورؤى جديدة”.

وأردف “هي داء حقيقي مضرّ بالاقتصاد والحياة الديمقراطية باعتبارها تعتمد على التمجيد وتأليه الشخصيات”، قائلا “هناك أزمة حكم وأزمة حوكمة بسبب غياب المنهج العلمي في إدارة الشأن العام وتأزم هيكلي للجهاز السياسي”.

واعتبر ثابت أن “أصل الأزمة سياسي بالأساس والشعبوية التي قدمت الشعب على أنه إلاه جديد وحركت نوازعه في علاقة بالمال والثراء، وما وعد به الخطاب الشعبوي تبيّن أنه خلاف لذلك بل تفاقمت نسب الفقر والبطالة، وإن كان النظام السابق قد سرق الدولة، فإن النظام الحالي خرّب كل شيء”.

وتابع “الدولة ليست مدرسة لتعلّم أساليب الحكم، وفي مرحلة ما قال راشد الغنوشي (رئيس حركة النهضة والبرلمان) إن وزراء النهضة يتعلمون، ما يعني قيادة الدولة في إطار بيداغوجي وهذا نتيجة للشعبويات على اختلاف ألوانها منذ 2011”.

وبرأي ثابت فإن “الشعبوية المتآلفة في السنوات العشر الأخيرة قادت إلى هذه الكارثة الاقتصادية والاجتماعية بعد أن مهّدت لها سياسيا بنظام هجين ولقيط، ولا يمكن هيكليا أن ينتج إلا الأزمة الدائمة”.

ونخرت الشعبوية مكونات الجهاز السياسي بسلطاته المختلفة، وأضحى البرلمان مسرحا للصراعات والمناكفات بين الاسلاميين والعلمانيين في معادلة قسّمت التونسيين وتجاوزت أولوياته وفقا لمراقبين.

Thumbnail

وأفاد المحلل السياسي باسل الترجمان أن “الخطاب الشعبوي والفشل الذي تعيشه البلاد هما نتيجة الخطاب السياسي لرئيس الحكومة هشام المشيشي الذي أدى إلى هذه الأزمة، فضلا عن فشله في التفاوض مع المانحين الدوليين”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، “تصريح فاضل عبدالكافي نفسه يأتي في إطار التحضير لتغيير في المشهد الحكومي، حيث يمكن أن يكون بديلا للمشّيشي ويقدم نفسه على هذا الأساس”.

وتابع “مختلف الأطراف اليوم تواجه أزمة بسبب فشلها في تحقيق وعودها، وجلّها كذبت في تحقيق وعودها وفقدت مصداقيتها، على غرار الجناح المتطرف لحركة النهضة (ائتلاف الكرامة)، وهي أصلا أتت لتعميق الأزمة”.

واستطرد الترجمان” نحن في الهاوية اليوم، والحزام السياسي للحكومة لا يملك أيّ دور، والمشيشي لا أرى أنه قادر على إيجاد الحلول”.

وبات البرلمان التونسي مشلولا بسبب العراك السياسي المتواصل على الصلاحيات والأدوار، وارتفع منسوب العنف من بعض الأطراف السياسية.

وحقق ائتلاف الكرامة اختراقا في الانتخابات الأخيرة حوّله إلى قوة فاعلة في المشهد بفضل خطاب سياسي طغت عليه “النزعة المتطرفة” من خلال توعد فرنسا التي اعتبر أن نفوذها القوي يعكس الهيمنة على تونس.

ونجح في استمالة الناخبين من خلال تعهده باسترجاع “الثروات المنهوبة” وغير ذلك من الوعود التي يرى فيها بعض التونسيين خلاصا من مشهد طغت عليه الحسابات السياسية على مطالب التنمية وتحسين الأوضاع المعيشية.

ولكن بعد وصولهم إلى البرلمان تغير الخطاب وعاد نواب ائتلاف الكرامة يجترون عبارات التكفير والتحريض التي من شأنها أن تنزلق بتونس مجددا نحو مربع الفوضى.

وتعرف تونس أزمة سياسية حادة فجرها صراع الصلاحيات بين الرئيس قيس سعيد ورئيس البرلمان راشد الغنوشي الذي يرأس حركة النهضة الإسلامية أيضًا، وعمق هذه الأزمة التعديل الوزاري الذي أجراه رئيس الحكومة هشام المشيشي قبل أشهر ورفضه الرئيس سعيد.

4