السوري إبراهيم حميد يشكّل من الألوان الترابية فراته المشتهى

لوحات التشكيلي السوري إبراهيم حميد تُشبع التوقعات المثارة في الحلم واليقظة.
السبت 2021/08/21
صور إنسانية فراتية

يصون الفنان التشكيلي السوري إبراهيم حميد رؤاه الفنية من خلال إحياء النظرة التشكيلية المتعلقة بالتنوّع الفني والبيئي وموارد الطبيعة المرتبطة بالجمال، مستلهما في ذلك مفرداته التشكيلية ذات الحضارة والرموز والموروثات البيئية والثقافية، سواء في نظرته لقيم الجمال والآثار النابعة من مغزى تراثي أو لجمالية المرأة عبر التاريخ منذ الكهوف وحتى عصرنا الحالي.

“هي عشتار سيدة الفرات/ هي أمي التي غادرتني/ هي حبيبتي تداعب وجهي/ في التراب والضباب”، كلمات قالها الفنان السوري إبراهيم حميد في لوحته “عشتار سيدة الفرات”، بل هي لوحة أخرى رسمها بالأحرف، لوحة لا تقتصر على مواجهته لتلك الحالات التي تسهم في حجم حركيتها، بل تنطلق من ذلك الجزء الكبير الذي له أثره المديد في الانتشار العمقي/ العمودي في أروقة الذات وما تحمله من ذهنية تزأر حنينا لتلك الأشياء التي تضفي على ملامحه صورا إنسانية فراتية والتي باتت تتمثل في أعماله على نحو كثيف.

وهو في ذلك يتخطى مجموعة الحالات بقيمها الظرفية، دافعا عجلة تجربته وفقا لتتابع حركي وفضاء مفتوح غير مكتف بتلك الخيارات القائمة على التسجيل الخطي والشكلي، فهو يضيف مفرداته الخاصة لاستكشاف فضاءات تشكيلية جديدة، جامعا بين الأسطورة والواقع، بين المسائل الشكلية وبين رؤاه الخاصة، مصطبغا بشيء من الرمزية والخيالية، معبرا بقوة مشاهده التعبيرية، آخذا بها نحو أبعاد جديدة بعناصر تصويرية تكرّس اهتماماته بحقول جديدة لا يتعذّر الحرث فيها بوسائله التقنية والتي بها يواجه هواجسه البصرية وفق عمليات الإدراك البصري في أقصى تسجيلاتها.

وهذا يعني أن العملية الإبداعية لديه تكتسب إحدى خصائصها الجمالية المرجوة من خلال تلك المواجهة، وحميد يولي ذلك ما تستحقه من اهتمام.

مشاعر متناقضة

إبراهيم حميد يضيف مفرداته الخاصة لاستكشاف فضاءات تشكيلية جديدة

إبراهيم حميد فنان مدفوع بثقة رصينة في التعامل مع المكان، فهو الذي يزوّده بخرائط معرفية بها يمضي إلى أنهاره المتدفقة، ويعوم فيها ليجرّها إلى خرائطه تلك بشمولية تصوّراته ومناحيها المختلفة، دون أن يتخطّى تلك العلاقات الداخلية بين مختلف سطوح اللوحة، محتفظا بتلك التناغمات الغنائية التي تلد من حشرجاته اللونية، برموزها التراثية وبانتماءاتها الترابية.

كل ذلك يبرز في لوحاته دون أن يتخلى عن البعد الثالث أو ما يسمى المدى الفضائي، مستخدما اللون القاتم منطلقا نحو الاختزال الذي يحوّل عمله الفني لا إلى مجرد مفاهيم متجانسة فحسب، بل إلى بنية تأليفية لا تكون الأفكار فيها العنصر الأساسي والأهم، وإنما التحوّلات الشكلية في مجالاتها الأساسية وما تخضع للتأويل وإعادة البناء هي التي ترتسم بأبجديته هو، وتكتسب حضورا ذا دلالات وإشارات يمكن قراءتها مهما كانت مبهمة.

قلت وأعيد، الفنان السوري مدفوع بثقة رصينة في التعامل مع المكان دون أن تعيق رؤاه تلك الجغرافية المتموجة ارتفاعا أو انخفاضا، المغلقة جزئيا، المفتوحة من أكثر جوانبها المرتبطة بالدعوة على استكشافاتها، ولهذا هو غارق في فراته وباديته، في وجوهه الترابية التي تضفي عليها إيقاعات سائدة في التاريخ، بنغماتها الصغيرة أو الكبيرة، بأشكالها المنزاحة لتلك التآلفات النغمية.

هو غارق في التوقعات اللحنية التي تنبثق من هول ألوانه وأحزانها، بنبضها المتسارع في استجاباته المناسبة للنقرة الإيقاعية لفرشاته، فحميد وبعمليات مفاجئة تبدو هي الآلية الجديدة التي منها تنطلق معظم أشكاله، يتتبّع المراكز النغمية بعملياتها التي يقوم المتلقي معه بالاستماع إليها.

نعم، يقوم حميد بإشباع التوقعات المثارة في داخل عمله محقّقا متعة جمالية يعيشها ويعيش معه متلقيه أيضا، لكل فسحة منها أهميتها وهذا ما يسرّ متلقيه محرّكا فيه مشاعر المتعة أو الألم تبعا لما ستؤول إليه إشاراته من تأويل، فالأمر متعلق بالتمثيل الداخلي الخاص لكل منهما المتلقي والعمل الفني معا، وحينها قد يبدأ نوعا من التناغم بينهما.

اللوحات تسرد حكايات الأجداد بسيرهم وعجاجهم، بمشاهدهم المملوءة بالرغبات والحياة التي تحدث في اليقظة وفي الحلم

والفاصل فيه هو الحكم الجمالي وتلك الإحالات التي تتضمّن إحساسا ما بالارتياح والرضا والنابع من الشعور الخاص، وهو إزاء الشيء/ العمل الفني، والمرء في حرم اللوحة يتملكه خشوع وحال من التأمل، قد تزداد مشاعر البهجة والحب، أو مشاعر الخوف والرعب تبعا لما يحدث بين الاتجاهين العملي والجمالي (المتلقي واللوحة)، وتبعا للطقس الذي يحوم في مسافاتهما، إن كان ضبابا كثيفا أو كان حزينا داكنا مزمنا، أو كان متنوّعا مصحوبا بالابتهاج.

فحميد يمكن أن يحدّد الطريقة الخاصة بذلك، وقد يستخدم أسلوبا مفتوحا غير متوتّر لتوثيق الصلة بمفرداته مهما كانت درجة انبعاثها، ويتركها تتوالى بحركيتها في هدوء منها ينبعث ويسترسل ما يريده الفنان في مستوياتها الخاصة، وما يحب أن يفعله معتمدا على الرؤية الحسية الموجودة بداخله والتي لا يمكنه الاستغناء عنها.

فنان التراب

“وجوه فراتية”، “الراهب”، “الفرات العظيم”، “وشيج البنفسج”، “على الجانب الآخر من النهر”، “طفلة من فرات”، “فتاة فرات”، “وجوه في النهر”، “الميدوسا وشقيقاتها”، “دهشة فراتية”.. عناوين لأعمال إبراهيم حميد تكاد توجز بنيات التخييل الشعوري واللاشعوري لديه، وتحيلنا بدورنا ومن خلال الوسائل الخاصة إلى مشاهده المتخيلة والمتماثلة إلى حدّ ما مع حلمه إلى الاستجابة لها كقراء لدراساته وتفسيرها، وربما إلى إعادة إنتاجها موضوعيا.

فهو يسرد حكايات الأجداد بسيرهم وعجاجهم، بمشاهدهم المملوءة بالرغبات والطاقات والحياة التي تحدث في اليقظة أو في الحلم، بمشاهدهم ذات العلاقات الخاصة المندفعة بهويتهم في الطين والحزن الدفين، وما الإسناد على الفرات الذي يمارسه حميد إلاّ هروبا باتجاههم فيغرق أحدهما في الآخر هم والنهر، ويبدأ خريرهما بالتدفّق والجريان مشكلين مجرى واحدا يضمهما متعة ومعنى، ويكون هذا التعبير أشبه بالهروب بهما نحو الأمام بمثابة الحل الوسط بين الرغبة الحرة، والوجع العميق الجذور.

شخصيات من طين تشي بحزن دفين

دلالات وإشارات معاصرة بمفردات أسطورية

 

14