السلطة تتكئ على العشائر لقمع الاحتجاجات في العراق

السلطات العراقية تسعى إلى وضع المتظاهرين في مواجهة مع العشائر وإخراجهم من معادلة التأثير السياسي بعد تسببها في الإطاحة بحكومة عادل عبدالمهدي.
الخميس 2020/01/16
تصعيد ينذر بالأسوأ

التقط رئيس الحكومة العراقية المستقيل عادل عبدالمهدي، إشارات الأحزاب والميليشيات الموالية لإيران التي لمحت لإمكانية إرجاعه لرئاسة الوزراء على رأس حكومة جديدة، بالتحرك ميدانيا من أجل إيجاد صيغة ما تلبي مطالبها بقمع الاحتجاجات بعد أن فشل حادث مقتل قاسم سليماني في تحويل وجهة التظاهرات. ووجد عبدالمهدي، الباحث عن ظهير مجتمعي يشرعن من خلاله تحركاته، ضالته في العشائر العراقية.

بغداد- نشأ في مدن الوسط والجنوب في العراق، التي تشهد احتجاجات واسعة ضد الطبقة الحاكمة منذ مطلع أكتوبر الماضي، تحالف جديد بين العشائر وممثلي السلطة، يستهدف تحويل عناصر في الحشد الشعبي إلى قوة محلية مختصة بفض التظاهرات، بذريعة الحفاظ على السلم الأهلي وإعادة الحياة إلى طبيعتها.

وقال نشطاء في مدينة الكوت جنوب العاصمة العراقية، إن زعماء عدد من العشائر الكبيرة أجروا لقاءات مكثفة خلال الأيام القليلة الماضية، مع نظرائهم في مدن أخرى وممثلين عن حكومة رئيس الوزراء المستقيل عادل عبدالمهدي وقادة في قوات الحشد الشعبي، لبحث سبل احتواء حركة الاحتجاجات التي تجددت بقوة منذ مقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في غارة أميركية بمطار بغداد الشهر الجاري.

وكشفت مصادر مطلعة أن الحكومة عرضت حزمة كبيرة من المغريات على شيوخ عشائر لكي ينضموا إلى جهودها في احتواء حركة الاحتجاج، داعية إياهم إلى الاستفادة من سلاح الحشد الشعبي في تنظيم مجموعات تحمل عناوين جديدة، يمكنها مواجهة المتظاهرين بصفتها قوة أهلية تجسد مصالح المتضررين من استمرار التظاهرات.

وتغذي الحكومة العراقية والميليشيات المرتبطة بها فرضية أن الإضراب الطلابي في وسط وجنوب العراق استجابة لدعوة المتظاهرين يضر بالعملية التعليمية، كما أن استمرار الاحتجاجات يهدد استمرار رواتب الموظفين.

وبدا أن حركة الاحتجاج فقدت الكثير من زخمها بعد مقتل سليماني، حيث وجد دعاتها أنفسهم في مواجهة غضب إيراني قاتل واتهامات جاهزة بالتبعية للولايات المتحدة.

لكن الرد كان مزلزلا في الجمعة التي أعقبت مقتل سليماني، حيث ملأ المتظاهرون الساحات في بغداد والمحافظات ونددوا بإيران والولايات المتحدة على حد سواء.

ويقول نشطاء إن السلطات اتخذت قرارا بإخراج التظاهرات من معادلة التأثير السياسي، بعد تسببها في الإطاحة بحكومة عبدالمهدي، وعدم قدرة الطبقة السياسية الحاكمة على تحمل ضربة جديدة.

ويبدو أن أبسط وسائل إنهاء حركة الاحتجاج يتمثل في وضع المتظاهرين في مواجهة مع العشائر، التي يملك الآلاف من أبنائها السلاح لأنهم مقاتلون في قوات الحشد الشعبي.

وبدأ أن تكتيك الحكومة ينجح، إذ صدرت مواقف تتضمن تهديدات مبطنة للمتظاهرين من قبل بعض شيوخ العشائر، معززة بإشارات عن تناغم موقفها مع موقف المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني.

وقالت عشائر “الدلفية” المنتشرة في الوسط والجنوب، إن “التظاهر حق لجميع المواطنين ولكن يجب أن يكون بسلمية تامة وعقلانية راجحة وليس بالطرق التي نراها اليوم بالحرق وقطع الطرق وغلق المدارس والدوائر والمتضرر منها فقط هو المواطن البسيط”، مشيرة إلى أن “الأمر بدأ يخرج عن السيطرة وهذا ما لا يقبله أي مواطن محب لبلده”.

وحذرت هذه العشيرة، من “الفتنة التي تجري في الوقت الراهن وعدم الانجرار وراء أعمال التخريب والحرق كونها تتنافى والأعراف العشائرية والوطنية والدينية”، معلنة أن “من يحاول العبث بأمن بلدنا” سيلقى جزاءه، فيما شددت على ضرورة التعاون “التام مع القوات الأمنية لبسط الأمن وعودة الحياة الطبيعية”.

من جهتها، طالبت عشيرة “المكاصيص”، وهي إحدى العشائر التي تقول إن نسبها ينحدر من النبي محمد، “المتظاهرين الشرفاء السلميين” بحصر تظاهراتهم “داخل ساحات التظاهر فقط، حتى تكون سلمية ونحن من الداعمين لها إن كانت كذلك”، وفيما أكدت رفضها “أي أعمال تحدث خارجها من الاعتداء على أبنائنا وإخوتنا من القوات الأمنية والشرطة”، ذكرت أن “هؤلاء هم أهلنا وأولادنا وأخوتنا لا نفرق بينهم، فأي قطرة دم تسقط فهي تسقط منا جميعا”.

ويعد هذا الحديث عن “الدم” نوعا من التلويح بالثأر في المجتمع العشائري، وهو متغير يدخل للمرة الأولى على مشهد التظاهرات في العراق.

492 قتيلا ونحو 23 ألف مصاب ضحايا الاحتجاجات في العراق منذ انطلاقها

وطالبت “المكاصيص” بفتح “المدارس والمعاهد والجامعات، لكي لا تضيع أي فرصه للتعليم على أولادنا الطلبة وخسارة السنة الدراسية هذه”، مؤكدة أنها ستقف “بالضد وبحزم عال من هذه الممارسات لبعض الأفراد”.

وكشفت هذه العشيرة التي يرتبط المئات من أبنائها بقوات الجيش ومختلف الأجهزة الأمنية والحشد الشعبي عن مساعيها نحو “تشكيل لواء السادة المكاصيص من أجل حفظ الأمن والسلم”، مشيرة إلى أن “المقاتلين الأشداء لا تلومهم بالله لومة لائم”.

كذلك أعلنت عشيرتا “الدريع” و”المياح” أنهما وجهتا أبناءهما برفع خيم الاعتصام من الساحات التي نصبت فيها، وتشكيل أفواج مسلحة بذريعة “إسناد القوات الأمنية وحفظ السلم الأهلي”.

وأفاد علي البياتي عضو المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق الأربعاء بأن أجمالي ضحايا الاحتجاجات في العراق منذ انطلاقها وحتى الآن بلغ 492 قتيلا ونحو 23 ألف مصاب.

وقال البياتي إن “عدد القتلى بلغ492 فيما بلغ عدد الإصابات حدود 23 ألف مصاب وأن عدد المعتقلين تجاوز 2900 معتقل منهم 93 فقط قيد الاحتجاز حاليا”.

وأضاف أن “عدد المفقودين بلغ 58 مفقودا في حين بلغت حالات الاغتيال التي تطال الناشطين والمتظاهرين والإعلاميين 37 حالة”.

وكانت الاحتجاجات في العراق انطلقت في الأول من أكتوبر الماضي في بغداد وتسع محافظات جنوبي العراق ومازالت متواصلة للمطالبة بإصلاح العملية السياسية وتشكيل حكومة جديدة وإجراء انتخابات مبكرة في البلاد لمواجهة حالات الفساد المستشري في البلاد ومعالجة البطالة.

3