الرواية العربية لها خصوصيتها وهي لا تقل دهشة عن غيرها

الروائي اليمني عمار باطويل: أجواء الشعر الشعبي قادتني إلى الرواية ومنحتني طاقة الخيال مبكرا.
الثلاثاء 2020/05/12
اليمن أرض الحكايات (لوحة للفنان مظهر نزار)

من النادر أن يقر روائي بتأثير الشعر في كتاباته، وتأثير الشعر لا يتوقف عند حدود اللغة والصياغة، وإنما أيضا يذهب أبعد إلى طريقة نسج الخيال والتكثيف وفتح الآفاق. الكاتب اليمني عمار باطويل يقر بعلاقة السرد الوثيقة بالشعر. وحول هذه العلاقة وحول الرواية اليمنية كان لـ”العرب” هذا الحوار مع باطويل.

عدن - في أجواء عابقة بالتراث والأدب والفنون الشعبية المتنوعة في محافظة حضرموت اليمنية، نشأ الروائي عمار باطويل وتكونت ذاكرته الثقافية، وتشكلت الملامح الأولى لتجربته الأدبية التي تمخضت حتى الآن عن ثلاث روايات تدور أحداثها في ذات الطقوس التي رسمت ذاكرته الثقافية.

وعن البيئة التي نشأ فيها يقول باطويل لـ”العرب” “وجدت نفسي في بيئة تقول الشعر وتحب الشعر، وخاصة شعر ‘الزامل‘، وكنت في صغري أحضر جلسات ‘الدان‘ التي تقام في الأعراس. فكل هذه الأجواء الشعرية أحاطت بي منذ طفولتي فكبر معنى الشعر في قلبي الذي قادني إلى الرواية، وأيضا كنت أسمع جدتي وهي تقول الشعر، وتناجي أخوالها الذين هاجروا إلى أفريقيا أن يعودوا ولكن للأسف لم يعودوا إلى اليوم”.

ويقول باطويل إن الشعر الشعبي منحه طاقة الخيال مبكرا، وساهم في بلورة أعماله الروائية، وخاصة في رواية “عقرون 94” عندما كان الرقص الشعبي يشعل قلوب العاشقين وتسمع أصوات النساء والرجال وهم يرقصون للحياة. ويضيف “من الشعر الشعبي اكتشفت العوالم وانطلقت من بيئتي الدوعنية الحضرمية نحو الوطن العربي الكبير”.

بيئة شعرية

عمار باطويل: أنا أتكئ على إرث حضرمي قديم من حكايات ولغة تنتمي إلى هذا المكان الأسطوري
عمار باطويل: أنا أتكئ على إرث حضرمي قديم من حكايات ولغة تنتمي إلى هذا المكان الأسطوري

 عن الأجواء التي تدور فيها أعماله الروائية، ومدى تأثرها بالبيئة الحضرمية يقول باطويل “تدور أعمالي حول ‘المهمشين‘ داخل أوطانهم سياسيا واجتماعيا، هذا التهميش الذي تصاحبه هجرة رجال حضرموت الذين يرتكون خلفهم الأرض والنساء وحيدات وأيضا أطفالهم، وهو مشهد مؤلم مازال يهز كياني، وهذه الصور المؤلمة تحضر في أعمالي كلها وتجدها أكثر في أصوات الشخصيات النسائية في رواية ‘طريق مولى مطر'”.

ويؤكد باطويل أن للهجرة دورا كبيرا في حالة التهميش داخل الوطن، التي تصل إلى أكثر لحظاتها قتامة عندما تتجلى في معاناة الأطفال جراء هجرة آبائهم القسرية، مضيفا “أعمالي الروائية تدور في هضبة وأودية حضرموت وهي أمكنة غنية بالأحداث، وتدور حولها أساطير وحكايات لا تنتهي وأنا أجد نفسي محظوظا بأني أنتمي إلى تلك البقعة الجغرافية”.

 نشأ عمار باطويل في بيئة يغلب عليها الشعر، ولكن الرواية كانت ومازالت حاضرة بقوة فيها، حيث ينحدر أحمد عبيدالله السقاف صاحب أول رواية يمنية صدرت في عام 1928 لأديب حضرمي مهاجر في إندونيسيا، مرورا بتجربة الأديب العربي علي أحمد باكثير الذي ينحدر من نفس البيئة، وصولا إلى أصوات روائية مخلصة لفن السرد ظهرت في الستينات والسبعينات مثل عبدالله سالم باوزير وصالح باعامر.

 وعن تصدر الشعر في حضرموت على سائر أنواع الأدب الأخرى، وكيف استطاع جيل الشباب من الروائيين الحضارم أن يشق طريقه الأدبي، يقول باطويل “مازال الشعر يتصدر المشهد الثقافي والأدبي في حضرموت ولكن هناك جيل من الشباب يطرق باب الرواية والقصة مثل الروائي حسين السقاف صاحب رواية ‘قصة إرهابي‘، وهذه الرواية لم تأخذ مساحة من النقد، وأيضا الشاب سالم بن سليم وخالد لحمدي وهناك من كتب القصة مثل أحمد الحبشي، ووجدان الشاذلي وهؤلاء من جيل الشباب وهناك أصوات نسائية سردية واعدة إذا استمرت ستكون لها مكانتها الأدبية في حضرموت مثل سارة العجيلي، وعائشة الجعيدي، وشروق الرمادي وسعاد سواد، ووهيبة خالد وغيرهن، وما يقلقني أن تسكت بعض هذه الأقلام المشاريع الوهمية في حضرموت من جمعيات خيرية وغيرها تحاول أن تجذب الشباب حولها مستغلة الوضع الاقتصادي على حساب المواهب الواعدة”.

بالرغم من الأثر الذي تركه التصوف على التجربة الشعرية في حضرموت، إلا أن عمار باطويل يقلل من أي تأثير صوفي على الرواية، ويقول “القصيدة الصوفية الحضرمية لها مكانة كبيرة في حضرموت ولكن لا أجد الأثر الصوفي في الرواية الحضرمية ولكن بعض النقاد يشير إلى هذا الأثر موجود إلى حد ما في روايتي ‘طريق مولى مطر‘”.

وعلى ذات منوال تأثير التصوف في تجربته الأدبية والأدب اليمني عموما، يرى باطويل أن تأثير الهجرة لم يكن واضح المعالم في الأدب اليمني، باستثناء تجارب شهيرة مثل رواية “يموتون غرباء” للروائي محمد عبدالولي بالرغم من آلام ومعاناة الهجرة الفعلية التي يكابدها اليمنيون، والتي مازالت تستحق أن يتم تصويرها في نصوص أدبية تعكس معاناة الإنسان اليمني خارج وطنه، ويشير باطويل في حديثه لـ”العرب” إلى أن روايته “سالمين” تطرقت للهجرة الحضرمية إلى الحجاز.

الرواية والحرب

الشعر الشعبي ساهم في بلورة أعمال باطويل الروائية
الشعر الشعبي ساهم في بلورة أعمال باطويل الروائية

 ألقت الحرب بظلالها الثقيلة على كل مناحي الحياة في اليمن، ونال الأدباء والكتاب نصيب الأدب من هذه المعاناة التي أثرت كثيرا على الواقع الأدبي اليمني الذي لم يخل من خدوش وآثار الحرب والصراعات السياسية، وعن ذلك يقول باطويل “للحروب وبكل تأكيد آثارها الكارثية على مجمل الحياة عموما وعلى الأدب خصوصا، فنجد أن الحرب أثرت في حياة الكثير من الكتَّاب والبعض من هؤلاء قد هاجر خارج وطنه والبعض باع مكتبته لكي يسد جوع أطفاله، والبعض آثر الصمت المميت. وبرغم هذا الألم نجد الرواية اليمنية كتبت ومازالت تكتب في ظل الحرب وهذا يعطينا مؤشرا أن الرواية لا تسكت أيام السلم أو أيام الحرب”.

وعن رؤيته لمستقبل الرواية العربية عموما، في ظل الصراعات يضيف “الرواية العربية لها خصوصيتها وهي لا تقل عظمة ودهشة عن الرواية في الدول غير العربية. ونحن لا نحتاج للغرب مثلا أن يعرفنا على الرواية العربية فالبعض من بني جلدتنا للأسف لا يعترف بك كروائي إلا عندما يتحدث عنك الغرب. وهذه نظرة قاصرة. فأنا عشقت نجيب محفوظ، ومحمد زفزاف، وحنا مينه وغيرهم من كتَّاب العرب الكبار لأن هؤلاء يحركون وجداني وإنسانيتي وهذا أعظم وأجمل ما في العمل الروائي. ومستقبل الرواية العربية مستقبل زاهر لأننا أمة تحب القصص وقد تمثل ووجد القص في القرآن الكريم والكتب السماوية الأخرى ولهذا نجد أن الرواية طغت على القصة ولأسباب يعرفها النقاد أكثر مني”.

ويختتم الروائي اليمني عمار باطويل حديثه لـ”العرب” بالإجابة على سؤال حول مشاريعه الأدبية القادمة، حيث يقول “أنا الآن مشتت الفكر، فكلما كتبت نصا أتركه وأكتب نصا تختلف فكرته عن النص الأول، ففي شهر أكتوبر لعام 2019 كتبت نصا يحمل فكرة كارثة قرية صغيرة قابعة في هضبة حضرموت، فتشرب الأودية وكل القرى ماعدا هذه القبيلة التي تسكن القرية وأيضا يصيب هذه القبيلة التي تسكن القرية مرض غريب يفتك بها”.

ويتابع “لم أتوقع وقتئذ كارثة كورونا. فتركت هذا النص الكارثي عن القرية المنكوبة، وذهبت بعدها إلى كتابة نصوص ربما تكون ثلاثية لرواية ‘سالمين‘ ولكن بعد فايروس كورونا الذي هز العالم سوف ترسو أفكاري لكتابة النص الأول عن الكارثة التي حلت بالقرية وربما سيكون عملا مميزا لأنني سوف أتكئ على إرث حضرمي قديم من حكايات ومن لغة تنتمي لهذا المكان الأسطوري المرتبط بالشجر والجبال والبحار والوطن والغربة”.

15