الرواية التاريخية: كذب تاريخي أم حقيقة مرويّة

حين يكتب الروائيون عن التاريخ فإنهم يقصدون الحاضر.
الجمعة 2020/06/05
التاريخ جزء من الحاضر (لوحة للفنانة جلناز فتحي)

في الرواية التاريخية جمعٌ بين جنس أدبي هو الرواية وعلم من العلوم الإنسانية هو التاريخ، يقوم الأول على الخيال، ويقوم الثاني على حقائق ووقائع موثّقة. فإلى أيّ مدى يتواشج العنصران ليصبح التاريخ مسرودا، وما مدى صدقية التاريخ إذا خالطه الخيال؟

عندما نقرأ رواية ما، لا ننتظر أن يقدّم لنا مؤلفها أدلة عمّا روى، حسبه أن يكون عمله مقنِعا، ولكننا لا نقف الموقف نفسه من المؤرخ لأنه يسرد أحداثا وقعت فعلا، ويتحدّث عن أعلام وُجدوا حقّا، فعمله يقتضي إعادة سرد تلك الأحداث وإحياء أبطالها، وإقناعنا، من خلال جهاز وثائقي ألمّ بعناصره ومفرداته، بصدقية سرديته.

أي أن ما يرويه له مرجعيةٌ واقعية يؤكدها أرشيف سابق أو لاحق للخطاب الذي ينهض به، ولو أن تلك المرجعية دثرت إلى الأبد، وأن الأحداث صارت في عداد الماضي، وأبطالها قضوا نحبهم، وربما تركوا آثارا يستنطقها المؤرخ من بعدهم، ولكن التاريخ، كالرواية، تدور سردياته حول الغياب. فالروائي يحرك الدّمى والمؤرخ يحرك الجثث، وكلاهما يتحدث عما ليس له وجود ماديّ، إلا ما ندر.

أما الرواية التاريخية، التي تدين بتأسيسها لوالتر سكوت برواية “ويفرلي” عام 1814، فإن تطورها وتصوراتها المتعاقبة لم تكن بمعزل عن تطور التاريخ الذي تشكل في حقل مستقل، ووسّع اهتماماته وحدّد غاياته وضبط طرائق كتابته. وكلما نحا التاريخ إلى العلم ازداد تأكيد الرواية التاريخية على حاجتها إلى السرد، وبذلك أمكن لهواة التاريخ أن يجدوا ضالتهم في الرواية التاريخية بوصفها تهيئة مغرية للأحداث والوقائع، وإعادة تشكيل لحقبةٍ ما على نحو يجعلها حية وقريبة من مقتضيات الكتابة الروائية.

الشخصيات المتقاطعة

يشترط والتر سكوت ألا تكون الشخصية التاريخية هي الشخصية المحورية
يشترط والتر سكوت ألا تكون الشخصية التاريخية هي الشخصية المحورية

إن الرواية التاريخية تستدعي الماضي، وتعيد خلق أجواء فترة ولّت وانقضت، فتقدّم عالما متجذرا في التاريخ، حيث تتقاطع مصائر الشخصيات المتخيلة مع شخصيات تاريخية، داخل إطار تُعاد تهيئتُه بدقّة، فتمتزج الأجواء والأماكن والمشاهد الموصوفة بما اتسمت به حقبة من حقب التاريخ من أحداث سياسية وعسكرية وبنى اجتماعية ومواجهات أيديولوجية. وتعتمد، شأن الرواية المتخيلة، على حبكة درامية وتوتر وانفراج ووصف وحوار، ولكنها تختلف عنها من جهة تحديد الفترة الزمنية، وترتيب الأحداث وفق خيط رابط وإجلاء معنى يقبل الدلالة والتأويل.

ويشترط والتر سكوت ألا تكون الشخصية التاريخية هي الشخصية المحورية، بل يسند ذلك الدور إلى شخصية متخيلة محايدة تسمح بوضع المصير الفردي والمصير الجماعي في وضع مواجهة، ويستحسن ألا يكون البطل طرفا في نزاعات الشخصيات التاريخية، بل يمكن أن يكون فردا غمرا من الغوغاء، وفي ذلك قطيعة مع أبطال الملاحم.

فلئن كان للبطل الملحمي آلهة تحميه، يتلقى الأحداث بسلبية، ويعول عليها للخروج من مآزقه، فإن البطل الروائي يغامر وحده متحديا العالم وأخطاره، ويواجه مواقف تنحت شخصيته وتزيده معرفة بذاته، ليخلق ما أسماه لوكاتش رواية تاريخية وواقعية في الوقت نفسه.

ولكن النقاد يميزون بين الرواية التاريخية كجنس سردي يستند إلى التاريخ، ويتصرف فيه كاتبه كما يهوى على غرار فلوبير في “صالمبو” وألكسندر دوما في معظم رواياته من “الفرسان الثلاثة” و”الملكة مارغو” إلى “قلادة الملكة” و”خمسة وأربعون”، وحتى فيكتور هوغو في “أحدب نوتردام” وبلزاك في “الشوان”؛ وبين التاريخ المروي الذي يسرد الأحداث التاريخية وحياة أعلام حقيقيين بأسلوب حكائي طريف يشدّ القراء، ولكنه يضفي تحويرات على الشخصيات والعقليات لجعلها قريبة من متلقّيها، فيشوّه الحقائق بتبسيطها حينا، وتهويلها حينا، وجعلها أكثر فتنة وجاذبية في أحيان أخرى. فالتاريخ، بخلاف السرد الأدبي، يتضمن بالضرورة تفسيرا، فكل تأكيد يبرر، وكل حدث يفسّر ويُربط بنتائجه حسب مبدأ السببية.

فكيف يمكن التوفيق بين الحقيقة أو أرجحية حدوثها تاريخيا وبين الغاية الروائية؟ ثم ما هي الحقيقة التاريخية التي تسعى إليها مثل هذه الروايات؟ هل هي حقيقة الشخصيات أم حقيقة الأحداث أم حقيقة معنى التاريخ؟

السرد والتاريخ

والتر سكوت يستحسن ألا يكون البطل طرفا في نزاعات الشخصيات التاريخية (لوحة: بهرام حاجو)
والتر سكوت يستحسن ألا يكون البطل طرفا في نزاعات الشخصيات التاريخية(لوحة: بهرام حاجو)

خلافا لألفريد دو فينيي الذي يعتقد أن العظماء هم الذين يصنعون التاريخ، يرى والتر سكوت أن القوى الهيكلية والصراعات الاجتماعية والوطنية هي التي تصنعه. أما بلزاك فهو ينافس في سلسلة روايته الضخمة “الكوميديا الإنسانية” دفترَ الحالة المدنية، بالتوثيق روائيّا للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والمعمارية، ويرصد مصائر البشر في عالم لا يني يتغير.

التاريخ بنية تحتية للروياة التاريخية
التاريخ بنية تحتية للروياة التاريخية

وأما ألكسندر دوما فهو يتبارى مع التاريخ كي يجد له معنى من خلال مراكمة الأعمال التي توهم القراء بحقيقة ما يروي. وإذا كان لويس أراغون يصف الرواية بالكذب الصادق، فإن دوما يعتبرها صدقا كاذبا. أي أن الرواية لديه تضع الأحداث التاريخية الكبرى إطارا لها، وتصنع داخله أحداثا صغرى وشخصيات من عامة الشعب، كما فعل التونسي البشير خريف في رواية “برق الليل”.

لقد ذهب جورج لوكاتش في كتابه “الرواية التاريخية” إلى اعتبار التاريخ بنية تحتية لهذا الجنس، فهو الذي يكيّفه، ويجعله في علاقة مضاعفة مع الواقع التاريخي، إذا سلمنا جدلا بأنه مدوّن بموضوعية، فهو من ناحية ينقل تقريرا أمينا في روحه وتفاصيله، ومن ناحية أخرى يربط الصلة بالحاضر، الذي هو أيضا جزء من التاريخ.

 بيد أن المؤرخ باتريك بوشرون يعتقد أن المؤرخين يخطئون حين يقيّمون عملا سرديّا من جهة حقيقة الأحداث المرويّة وحدها، والأجدر بهم أن يسائلوا بأكثر عمقا أصداء النص في علاقته بواقع الذاكرة المعاصرة.

فالنظر إلى الرواية كتجميع لوثائق يقلل من شأنها، ولا يسمح باستخلاص وجاهتها ولا قيمتها كمرآة لعصرنا، لأن الرواية التاريخية القيّمة في نهاية المطاف لا تحدّثنا عن الماضي بقدر ما تحدثنا عن أنفسنا في زمننا الحاضر، فهي رهينة علاقة مؤلفها بمرحلته ومجتمعه، والحاضر هو الأقدر على جعلنا نفهم الماضي ونهتم به.

 وهو ما تؤكده مارغريت يورسنار، صاحبة “مذكرات أدريان” عندما اقترحت معالجةَ هذا الجنس معالجةً تقوم على الإيمان بأن التاريخ “مدرسة حرّيةٍ” يسمح بالتأمل النظري في الإنسان في علاقته مع عصره ومستجداته.

يقول لوكاتش “من دون علاقة محسوسة بالحاضر، يغدو تصور التاريخ مستحيلا، بيد أن تلك العلاقة التاريخية لا تعني الإيهام بالأحداث المعاصرة، وإنما إحياء الماضي بوصفه ما قبل التاريخ الراهن، ومنح حياة شاعرية لقوى تاريخية واجتماعية وإنسانية أوجدت، عبر مسار تطور طويل، الحياة التي نحياها اليوم”.

إنّ كل حكي، تأريخا كان أم تخييلا، هو إنجاز فعل، وكل سرد هو نتاج عمل، أي أننا ننجز التاريخ كما ننجز عملا أدبيا. والحكي ليس مجرد تسجيل لوقائع، وإنما هو عرض ونظر وتأويل، كذلك الرواية التاريخية وإن تسربلت بإهاب السرد التخييلي الصّرف.

15