الروائي محسن الغمري: على الرواية أن تتماس مع واقع المجتمع وعوالم السياسة

المشهد الثقافي المصري مرتبك منذ فترة ولم يستقر حتى الآن.
الخميس 2021/11/25
الفن مرآة المجتمع

يكتب الروائي المصري محسن الغمري انطلاقا من رؤية تبحث في آفاق واقع مصر وما يعتمل داخله من حيوات شديدة الخصوصية الإنسانية ومن أحداث متلاحقة تدفع الإنسان ويدفعها في ما يشبه الصراعات التي لا تنتهي، وهو ما برع الكاتب في رصده بدقة. حول هذه التجربة وانتقالاتها وما تحمله من رؤى وأفكار وقضايا كان لـ”العرب” هذا الحوار مع الكاتب.

بدأ محسن الغمري قاصا من خلال مجموعتين قصصيتين أولاهما “القفز فوق السحاب” وثانيتهما “فاطمة وبلانش”، ومع انطلاق ثورة يناير 2011 كانت أولى رواياته “ربما ذات يوم” التي كتبها عام 2010 مؤكدا فيها حتمية إسقاط النظام.

ثم انطلاقا من معايشته لمجال الطيران المدني بدءا من العمل كمضيف وانتهاء بتولي منصب مدير عام بقطاع الضيافة كانت روايته “حكاية قبل الموت” التي ربما الرواية الوحيدة التي تناولت قصة إسقاط طائرة مصر للطيران في الأطلنطي، والتي أشيع عنها انتحار طيارها بالطائرة ومن عليها، ثم كانت رواية “وثبات طويلة عالية” ورواية “أفندينا” الصادرتان عن مؤسسة أروقة.

بداية يقول الغمري “بدأت الكتابة منذ وقت كنت لا أعي فيه معنى الكتابة، ميل فطري في سن صغيرة دفعني إلى الإمساك بقلم الرصاص، وعلى ورقة من كراس مدرسي كتبت بأسلوب طفل حالم قصة أسرة فرقها العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وشاء القدر أن يجمع شمل أفراد الأسرة بعد أن شاء لمصر تخطي عقبة هذا العدوان”.

ويضيف “أكملت الكتابة من وقت لآخر بما تفيض به قريحتي، لكني لم أفكر أبدا في نشر ما أكتب، بل لم أكن أعرف كيف يمكن ذلك، كيف يكون هناك كتاب يخط على غلافه اسمي، إلى أن جمعتني الظروف بأحد الأساتذة المتخصصين في الأدب، فأطلعته على ما ظننته يوما أنه لا يستحق الذكر، لكن المفاجأة التي أصابتني بدهشة فرحة تشكلت في إعجاب هذا الأستاذ بما عرضته عليه، بل إنه طالبني بالنشر، وهذا هو ما جاء متأخرا”.

ويتابع “يبدو أن القدر أراد لي أن أبدأ خطوة النشر تلك، بعد أن تكون خبرتي اكتملت أو كادت؛ جعبتي تمتلئ بنتاج حصيلة تجاربي الحياتية، فعملي بشركة الطيران المصرية ضمن أفراد الركب الطائر أتاح لي فرصة التعرف على الكثير من الحضارات المتباينة والثقافات الكثيرة والمغايرة، وعندئذ بدأت الكتابة للنشر”.

الرواية معمار يُشيّد تسكنه شخصيات كثيرة وأحداث مركبة، ويحتاج إلى كاتب مثل مهندس ماهر للحفاظ على تماسكه

يقول الغمري “ربما كانت كتابتي للقصة القصيرة إرهاصا لكتابة الرواية فيما بعد، وقد جاءت أول مجموعة قصصية لي ‘القفز فوق السحاب’ عام 2005، وكانت جل أفكار قصصها مستقاة من تجارب القفز (العمل فوق السحاب). كتبت القصة القصيرة بالرغم من الرغبة الدفينة التي كانت تعتمل بصدري وتدفعني إلى كتابة الرواية، لكني آنذاك كنت بالفعل أخاف دخول التجربة، فالرواية معمار يشيّد، تسكنه شخصيات كثيرة وأحداث مركبة، الأمر إذن يحتاج إلى مهندس (كاتب) ماهر للحفاظ على توازنه وتماسكه”.

ويتابع “ثم جاء عام 2008 وقت أن صدر إبداعي الثاني في شكل مجموعة قصص قصيرة، تحت اسـم ‘فاطمة وبلانش’ وقد صادفت تلك المجموعة حظا من النجاح لم أتوقعه، إذ حصلت على جائزة اتحاد كتاب مصر عن القصة القصيرة عام 2012، وهنا استشعرت جرأة لا تأتيني كثيرا، أكسبتني تلك الجائزة الرمزية وجعلتني أقرر خوض تجربة كتابة الرواية”.

الرواية معمار

من مهارات الكاتب أن ينقل القارئ إلى طبيعة الزمن الذي يكتب في أجوائه
من مهارات الكاتب أن ينقل القارئ إلى طبيعة الزمن الذي يكتب في أجوائه

يذكر الكاتب كيف جاءت روايته التالية “ربما ذات يوم” في أول عام 2011، وحين صدرت الرواية التي كان قد دفع بها إلى الناشر قبيل نهاية عام 2010 -وكغيره من الكثير من المصريين- كان صدره يغلي من سوء أحوال العباد والبلاد التي ضربها الفساد والمحسوبية بشدة حتى نهبت أراضي البلاد وأموال المعاشات نهارا جهارا، وعندما بدأت فكرة توريث الحكم تزدهر وتجد من البعض القبول ومن البعض التطبيل والتشجيع غضب غضبا شديدا وتساءل: هل نحن شعب جبل على العبودية منذ المصريين القدماء؟ هل نحن شعب خانع لا يثور مهما فُعل بنا؟

عندئذ أمسك بسوط على شكل قلم وراح يجلد المصري الذي بداخله عله يصرخ ويثور مناديا بسقوط النظام، وهي آخر جملة أنهى بها الرواية، والتي إن ضم إليها أمنية “ربما ذات يوم يسقط النظام” تعيش بقلب المصري، ضاق ذرعا وقتذاك باستبداد الحاكم وأعوانه.

وحول رواية “حكاية قبل الموت” وهي الرواية -ربما- الوحيدة التي تناولت قصة إسقاط طائرة مصر للطيران في الأطلنطي، والتي أشيع عنها انتحار طيارها بالطائرة ومن عليها، يوضح الغمري “عملي في الطيران استغرق رحلة حياتي العملية بالكامل، فبعد تخرجي من الجامعة وأداء خدمتي العسكرية بدأت العمل مضيفا جويا، وتوليت مع الوقت منصب مدير عام في تلك المهنة، التي تمتاز بأنها مهنة بلا مكاتب ودواوين، لكنها مهنة تجعلك تقضي العمر المهني على جناح طائرة، ومن هنا فأنا زميل وصديق لكل أفراد طاقم رحلة 990 والتي أسقطت في فجر يوم الحادي والثلاثين من أكتوبر 1999”.

ويتابع “أشيع آنذاك أن مساعد الطيار قد قام بالانتحار بإسقاط الطائرة ومن عليها، وهو اتهام سخيف غير منطقي وغير مقبول ممن يعرفون طبائع هؤلاء عن قرب، وأيضا ممن يعرفون مؤامرات وجرائم الاغتيال التي تشتهر بها أجهزة مخابرات العالم، التي تتخذ القتل وسيلة سهلة للتخلص من أي خصم عنيد، ولقد عرف للجميع في ما بعد السبب وراء هذه التصفية للطائرة ومن كانوا على متنها من صفوة الضباط والعلماء المصريين. واستشعرت واجبي تجاه هؤلاء الشهداء من زملاء العمل ومن معهم، قلت لنفسي من يملك القلم والخيال إضافة إلى المعلومة والدراية بهذا الفضاء أكثر مني؟ لا بد أن أكتب وأسجل الحادثة تمجيدا لروح هؤلاء جميعا، وجاءت رواية ‘حكاية قبل الموت’ التي صدرت عام 2017 عن دار دلتا للنشر، ثم عادت وصدرت عن مؤسسة أروقة”.

في روايته الجديدة “أفندينا”، الصادرة عن مؤسسة أروقة، يعود الغمري إلى التاريخ من خلال حكم عباس حلمي الأول، والتآمر عليه وقتله. هل كانت العودة إلى التاريخ هروبا من مواجهة الواقع فأسقطت عليه هذه الفترة التاريخية؟

 يقول “قبل كتابتي لـ’أفندينا’ كتبت رواية باسم ‘وثبات طويلة عالية’ صدرت عام 2019، وهي رواية اجتماعية رومانسية، وقعت أحداثها بين القاهرة ودبي وصنعاء وبحر العرب جنوب اليمن، أما الحدث الأهم فيها فكان لقاء دارت تفاصيله على جناح الطائرة. بعد ذلك وما إن استقر الرأي على كتابة شخصية الوالي عباس حلمي الأول حتى بدأت الإعداد والحشد لما سوف تحتاج إليه الرواية من وثائق ومعلومات، كانت بالفعل ضئيلة وغير متاحة، والمتاح مشوه، وأظنه تشويها مقصودا، استغرق ذلك وقتا وزمنا طويلا قرابة عام ونصف العام، للتحضير والتسجيل وجمع ما استطعت الوصول إليه حول حياة هذا الوالي منذ استقرار جده واليا على مصر في 1805 حتى أظهر للقارئ البيئة والظروف التي ولد وتربى فيها عباس حلمي الأول“.

ويضيف “قمت بتتبع الأحداث الجسام في حياته من لحظة ميلاده حتى إنفاذ مؤامرة اغتياله على يد البعض من غلمانه تنفيذا لمؤامرة أسرية ترأستها عمته نازلي هانم، لتولية أخيها غير الشقيق محمد السعيد باشا، الذي كان لينا إلى أبعد الحدود في تنفيذ طلباتها، وتحقيق رغبة باقي أفراد أسرة محمد علي في الاستيلاء على تركة محمد علي التي رآها عباس حقا لمصر. كتابتي عن عباس لم تكن هروبا من الواقع، بل كانت محاولة لكشف المستور والحديث عن المسكوت عنه من تاريخ بلدنا، وهذا واجب على كل من يستطيع تجاه أجيال جديدة للاستفادة من درس التاريخ”.

الإبداع والواقع

 الأدب راصد لكل ما يمر بالمجتمع من موجات زمنية قد تأخذه إلى قمة تلك الحقبة أو تسحبه إلى قاعها
 الأدب راصد لكل ما يمر بالمجتمع من موجات زمنية قد تأخذه إلى قمة تلك الحقبة أو تسحبه إلى قاعها

إلى جانب القصة والرواية يشارك الغمري في ورش ومنتديات كتابة السيناريو لأعمال الدراما السينمائية والتلفزيونية، ويمارس فن التصوير الضوئي (الفوتوغرافي). وشارك في الكثير من المعارض المحلية، وهنا يؤكد أن ذلك كله يأتي انطلاقا من حبه وعشقه لكتابة الصورة، فن السيناريو هو فن الدمج أو المزج بين الصورة والكلمة، بين ما تراه العين وتسمعه الأذن، فن يحتاج إلى ملكة الكتابة وإلى عين بصيرة خبيرة مبدعة، قادرة على خلق مشاهد حية مرئية ومسموعة.

ويلفت إلى أن “الصورة الفوتوغرافية هي تثبيت للحظة على جدار الزمن، وهي تحتاج إلى عين دربة لها منظور خاص، وتعرف كيف تظهر ما تراه أمام عينيها، ممارستي لفن التصوير الضوئي الفوتوغرافي عن عشق، التصوير ليس هو ما تضغط فيه على زر فتنطبع لديك لقطة، التصوير هو إبراز للجمال من وسط كومة قش أو تل من الزبالة”.

ويتابع “بالطبع هذا خدمني كثيرا عند الكتابة، فالمشهدية من وصف للمكان ولأشخاص فيه من ملابسهم وأساليب سكونهم وحركتهم، بل ومن روائحهم أو نبرات أصواتهم، كل تلك العناصر تحتاج إلى عين ترى الكلمات في شكل صور، فمن مهارات الكاتب أن ينقل القارئ إلى طبيعة المكان والشخصيات والزمن الذي يكتب في أجوائه، يدخله إلى المكان ويقابله بشخصيات كانت في خياله قبل الورق، فن التصوير بالضوء يتشابه مع فن التصوير بالكلمة مع اختلاف الوسائل”.

ويرى الغمري أنه انطلاقا من كون الفن مرآة للمجتمع فإن الرواية تتماس مع مجريات المجتمع والسياسة؛ السياسة أحد العناصر المؤثرة بشدة في المجتمع، خصوصا في شقها الداخلي، فهي الراسمة للإطار العام للمجتمع من كل جوانبه الاقتصادية والثقافية، وعليه فإن السياسة لها تأثير مباشر على حياة كل شخص في المجتمع، ثم إن الأدب هو أحد العناصر الهامة المكونة للفن الذي يعد مرآة وعين راصدة لكل فعل سياسي وكل رد فعل مجتمعي تجاهه.

الأدب، في رأيه، راصد ومسجل لكل ما يمر بالمجتمع من موجات زمنية، قد تأخذ المجتمع إلى قمة تلك الحقبة الزمنية أو تسحبه إلى قاعها، كما أن الرواية هي أحد أشكال الفنون الإبداعية. وبما أن الفن هو القوة الناعمة المؤثرة -ربما بشكل غير مباشرـ  في المجتمع فإن الرواية إذن تلعب دورا في تشكيل هذا المجتمع وثقافته؛ فقد تأخذ بيد المجتمع صوب النجاح، وقد يكون العكس، لذا فالأدب غالبا ما يكون انعكاسا لسياسة تقود المجتمع، إلا في ما هو قليل من سباحة ضد التيار.

ويؤكد على أن النقد هام جدا لتسليط الضوء على كل فعل فني – أدبي. ويتحدث هنا عن النقد الأكاديمي، القادر على إبراز إيجابيات وسلبيات كل ما يأخذ صفة الإبداع، “لكن يبدو أن المنتج الأدبي يفوق في غزارته قدرة المهتمين بأمر النقد، فقد تخرج إلينا أعمال تحتاج إلى رصدها نقديا -بغض النظر عن جودتها- ليعرف تأثيرها من عدمه على المتناول لها، لكنها لا تجد من يبرزها، فتضيع جودتها إن كانت، وتذوب سمومها في المجتمع دونما إدراك لخطورتها، النقد بجانب قدرته على إعلاء قيمة الجمال قادر أيضا على حماية المجتمع من سموم بعض منتج يدرج تحت اسم الإبداع، وهذه وجهة نظري: النقد قد يكون مصفاة للتفريق بين الغث والسمين”.

ويظن الغمري أن “المشهد الثقافي مرتبك منذ فترة ولم يستقر حتى اللحظة الآنية؛ فالتداخل الحادث من قوى تحاول فرض سيطرتها بشكل أو بآخر على كل منتج ثقافي دون علم أو دراية، والإصرار على جعل كل منتج ثقافي هو مجرد سلعة خاضعة لنظرية المكسب والخسارة، يدفعان بالمشهد إلى منطقة مضطربة مرتبكة، سيكون ضررها أعظم من أي مكسب يتوقعونه منها، وقد تؤدي إلى نتائج سلبية غير منظورة في حينها، لذا أرجو أن ينتبهوا لذلك ويتركوا كل شيء لأهله، ربما يجعلون يدهم يدا داعمة مساندة لا يد وصاية متسلطة، وأقول امنحوا الحرية كاملة للإبداع والمبدعين”.

14