الرقص وسيلة شعرية للتحرر من الحاضر

الراقصة والمخرجة الإسبانية ماريا ريبوت في عرض باريسي يختصر الرقص إلى علاماته الأولى.
الأحد 2019/09/29
ذاكرة العنف والرعب

باريس - يَحتفي مهرجان الخريف المسرحيّ في باريس بالإسبانيّة ماريا ريبوت، الراقصة ومصممة الرقصات والمخرجة المسرحيّة والسينمائيّة، فريبوت التي بدأت نشاطها الفنيّ منذ منتصف الثمانينات مازالت حتى الآن تنتج وتؤدي في عروضها، دامجة بين أشكال الرقص الكلاسيكيّ (البالية ورقص الصالونات) وبين الحركة القائمة على الترفيه والتسلية كالتعري وكوميديا الجسد، منتقدة إيقاع الزمن المعاصر، كاشفة عن قسوته وأثره على الجسد الإنسانيّ الخاضع لأنظمة تبتدع أغراضا وتكنولوجيا تبدو مفيدة للوهلة الأولى، لكنها حقيقة تختزن “دورا” سياسيا، يهدد مفهوم الإنسان نفسه.

يستضيف مركز جورج بومبيدو عرض “بانوراميكس” لريبوت، والذي تستعيد فيه على طوال ثلاث ساعات 34 لوحة راقصة أنجزتها بين عامي 1993 و2003، ليكون أشبه بأنطولوجيا لأدوارها المتعددة، تليه ثمانية عروض قصيرة أنجزتها عام 2016 بعنوان “الآخر المميز”، لنرى أنفسنا أمام تجربة مختلفة عن المعتاد، تدمج الرقص مع فن الأداء والتجهيز، ونكتشف خلالها قدرة الجسد التعبيريّة وإمكانيات الانتقال السريع بين العواطف عبر أغراض تتحول من خردة وأدوات مبتذلة إلى عناصر سحريّة ومسرحيّة ترسم فضاء كاملا في عقولنا، ما يلبث أن يتلاشى بعد عدة دقائق.

قبل الدخول إلى الصالة، نشاهد معرضا بعنوان “للبيع”، وفيه مجموعة من الدفاتر التي استخدمتها ريبوت لتصميم عروضها المختلفة، هذه الدفاتر تحوي صورا وكولاجات وتخطيطات تشكل المادة الأوليّة التي تعتمدها في بنائها للحركة، والمميز فيها أنها التي لا تحوي وصفا للحركات الجسديّة، بل نقرأ عبارات شعريّة، وأسماء كتب، وقوائم وأحيانا نرى فقط لطخات لونيّة، وكأن كل حركة هي نتاج سلسلة من العوامل اللاجسديّة التي “تستوعبها” ريبوت لتحولها إلى رقصة أو “جيست” طفيف.

ندخل مساحة العرض  لنُفاجأ بعدم وجود أي مكان للجلوس سوى الأرض، نحن في صالة واسعة بيضاء، تتوزع على جدرانها أغراض مختلفة؛ أثواب، ألعاب، راديو ترانزيستور، عدة غوص، لكننا نجد في أقصى الصالة ريبوت تستلقي عارية، تتأمل نفسها بمرآة دائريّة، لا مكان محددا للجلوس، وعلينا كمشاهدين أن نتجمع حولها بالصورة التي نراها مناسبة.

تتحرك ريبوت عارية طوال العرض، تمشي بين المشاهدين، وتقودهم إلى مكان كل “لوحة راقصة”، مستخدمة كل مرة غرضا من الجدار لتخلق “مكان العرض”، وهذا ما تستفيد منه في تكوين سلسلة العروض، إذ تحرك الجمهور وتتلاعب به، وتخلق مساحات مُحيرة وعبثية لتجمع الجمهور من حولها بصورة ارتجاليّة، فلا مكان ثابتا يقام فيه “العرض”، وما يضبط الإيقاع هو استجابة الجمهور لها، إذ تراهن على فضولية الحاضرين وجهدهم الجسديّ لملاحقتها كل عدة دقائق.

ضد المتحف وأزمة التنكر

حورية من البلاستيك
حورية من البلاستيك

يتحرر جسد الراقصة العاري أثناء العرض من تعريفاته السياسيّة، ليغدو لحما صرفا، وهذا ما نراه في البداية حين تركض بين الجمهور دون أي معنى، بعدها، توظف حركات مايكرويّة وأغراضا بسيطة لتبني الفكرة التي تريد إيصالها، مُتنكّرة كل مرة بزي مختلف، لنراها إما تؤدي دور لاعبة جمباز، أو مغنية أوبرا، أو غواص يبحث في المياه عن ملاذه.

تنقل لنا ريبوت وعيها بأنها تؤدي دورا سياسيا في كل “سكيتش”، جاعلة من جسدها العاري مادة لاختبار خصائص كلّ دور وقسوته، فهي الحبيبة التي تنتظر، والسُلعة التي تستعرض، هي لا تدّعي الإتقان ولا استعراض المهارة، بل تسعى لمُحاكاة إيقاع خارجيّ يفترضه الدور الذي تؤدّيه، لنتلمس أثره الجسديّ بدقة، على كل عضلة وطرف، فمساحة لحمها أشبه بلوحة تتراكم عليها آثار كل “دور”، في سبيل اختبار القدرة على التعبير دون موسيقى أو إيقاع، ما يجعل تصميم الرقصة أشبه بعملية اختزال، تتقلص فيها “الجيستات” إلى أصغر وحدة للتعبير لها خاصية واحدة، وهي حمل المعنى بشكله الجوهري.

تحارب ريبوت نظام “المتحف”، فالأغراض المبتذلة الموجودة على الجدار والمحاطة بهالة من “القدسيّة الفنيّة”، ترمى بعد الانتهاء منها على الأرض، ويمكن للجمهور لمسها ورميها بعيدا، كما تضبط بحركتها كيفية تلقينا لهذه الأغراض، فلا مكان محددا يمكن الجلوس فيه لمشاهدة “كلّ ما يحدث”، ولا ترتيب واضحا لمعرفة أي واحد من الأغراض سيستخدم، إذ يتغير “شكل” التلقي كل بضعة دقائق،  وكأنها تخلق لوحات متنقّلة، إما لإضحاكنا كمحاولتها التوازن على حبل خفيّ، وإما لنشر الرعب بيننا كمحاولتها خنق نفسها.

تتقمص ريبوت في بداية العرض دور حورية البحر، في تحد لمفاهيم الرقص الذي يعتمد على حركة الجسد البشري، لتختبر بعدها قدرتها على التعبير بأشكال مختلفة ووضعيات تكون فيها مقيّدة، إذ نراها تغرق في البحر أو تحاول الطيران، لكن المثير للاهتمام أن هناك كراس على الجدران وأخرى بين الجمهور، في إحالة حسب تعبيرها إلى مشاهد غائب، تحاول استحضار طيفه، وتقول في لقاء معها إن الكرسي يمثل بالنسبة لها أوج الهيمنة على الجسد الإنسانيّ، هو آلية اجتماعيّة لاستغلال الجسد وجعله بوضع الاستعداد للـ”عمل”، وكأننا عبيد غير متحركين وراء المكاتب.

ماكينات الضحك المخيف

الضحك بمواجهة العنف
الضحك بمواجهة العنف

يستضيف المركز الوطني للرقص في باريس ضمن مجموعة الفعاليات التي تحتفي بريبوت عرضا يمتد لمدة ست ساعات، بعنوان “حفرة الضحك” أنجزته ريبوت عام 2006، وتنتقد فيه نظام التسليع الغربي، وفيه ندخل أيضا صالة كبيرة، نجلس فيها أينما أردنا، لكن الاختلاف عن العرض السابق أن الصالة مليئة بقطع كرتون، مكتوب عليها باليد شتى أنواع العبارات المرتبطة بالبيع والعنف السياسيّ وتسليع المرأة وجسدها، لتقوم بعدها ثلاث راقصات بحمل اللوحات، ورفعها بوجوه الموجودين وهن يضحكن على طوال العرض، لنرى أنفسنا أمام نوع من الرعب والترهيب الممارس على الجمهور، وكأننا أمام كتلة هيستيرية من العنف والتي تطبق تدريجيا على أنفاس الحاضرين.

يعتبر العرض انتقادا لسجن غوانتنامو وكيفية التعامل الإعلامي معه، وكأن العنف الذي تمارسه المؤسسة الغربيّة ومساحات الاستثناء التي تخلقها ليست إلا وسيلة لنفي “عقل” الإنسان، الذي يواجه العنف عبر ضحك فصامي وهذيانيّ ينفي وعيه بذاته، خصوصا أنه أمام تيّار من الصور الوحشية التي تهدده وتهيمن على إدراكه.

إيقاع العرض لا تضبطه الضحكات، بل الراقصات الثلاث اللاتي يبدأن بتعليق اللوحات الكرتونية على الجدران، وشيئا فشيئا نرى أنفسنا محاطين بعنف لا مرئي، فكل عبارة تستدعي صورة شهدناها مُسبقا، كـ”حفلة غزّة”، “موت بالدرون” و”اغتيال سياسيّ”، وهنا يظهر الضحك بوصفه رد فعل على عبثية العنف، هو قوة خارجيّة قمعيّة، لا رد فعل على ما هو “كوميديّ”.

Thumbnail
15