الرعيل الأول في عالم الفن يموت مرتين

الموت والنسيان يتسببان هذا العام في خسائر قياسيّة .
الخميس 2021/11/25
"ليالي الحلمية" حيث تلاقت الأجيال

من المؤسف ألّا تنتبه عدة بلدان عربية إلى مبدعيها المخضرمين إلا حين رحيلهم، بينما أغلبهم يعيشون آخر أيامهم العزلة والنسيان والتهميش، ما يجعلهم موتى قبل الموت فعليا، بينما كان من الأجدر التكامل بين الأجيال كما حدث في العديد من التجارب السابقة.

لا يكاد عام 2021 ينهي ما تبقى من أسابيعه الأخيرة ويمضي حتى سبقه إلى الرحيل عدد لافت من نجوم الفن في العالم العربي، كان آخرهم الممثلة المصرية سهير البابلي والفنان السوري صباح فخري والمطربة التونسية صفوة، وغيرهم كثيرون، حتى أن الصحافة الفنية قد رصدت رحيل عدد كبير يفوق عدد الفنانين الذين غيبهم الموت خلال الخمسة أعوام الأخيرة.

وإذا كان وباء كورونا بدوره قد فعل فعله في حصد أرواح الكثير من الفنانين، وبصفة استثنائية في العامين الأخيرين، فإن السؤال الأهم هو التنبه إلى حجم هذه الخسائر الفادحة التي تطال الوسط الفني مهما كانت أسبابها، والوقوف عند السؤال المتعلق بمستقبل الفنون العربية بعد رحيل الكثير من روادها، والتفكير في رأب الصدع وتدارك الفراغات في ظل الأجيال الجديدة التي لا يمكن لها أن تأخذ على عاتقها مشاريع فنية متأصلة وطموحة دون مشاركة الرواد والمخضرمين.

بصمة المخضرمين

الفنانون المخضرمون يضيفون إلى الأعمال الفنية نكهة خاصة، بحكم الخبرة المعتقة التي لا نفتقدها إلا بغياب أصحابها

لا يمكن الحديث عن أعمال متكاملة العناصر الفنية دون تكامل الفئات العمرية، ووجود ترابط للأجيال في لغة للتواصل واستلام المشاعل ممن هم قبلك لتسليمها لمن سوف يأتي بعدك.

ومن هذا المنطلق فإن خللا ما يتهدد الجيل الجديد في غياب الرواد والمؤسسين، ذلك أن أنجح الأعمال الفنية في مجالات الغناء والموسيقى والتمثيل والإخراج هي تلك التي يقع تطعيمها بنكهة الكبار وخبرتهم.

الأمر يشمل جميع المجالات، وبتنا نلمسه حقيقة في تجارب شبابية يغيب عنها الكبار و”المعلمون”؛ فعالم الكوميديا في السينما المصرية مثلا لا يمكن تخيله في غياب “الجوكر” حسن حسني الذي ترك برحيله فراغا كبيرا.

أما عالم الطرب والغناء فلا يمكن تخيله دون صباح فخري ولا يمكن تطويره بمعزل عن هذه الأسطورة الفنية رغم أن تسجيلاته حية ومحفوظة، لكن غيابه الفيزيولوجي سوف يترك فراغا نفسيا لا محالة.

وإلى جانب الخسارة في غياب القامات الفنية هناك خسارة في القيمة الفنية حتى لدى أبناء الجيل الواحد، فالفنان الكوميدي إسماعيل ياسين مثلا لم يمتلك “سمعة” الوسامة التي كان يتميز بها نجوم السينما في ذلك الوقت، لكن القدر منحه خفة الظل والقدرة على رسم الابتسامة على وجوه الجماهير، وهو ما جعل غيابه لا يعوض.

الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أننا اليوم لا “نأمن” وجود عمل فني خال من الكبار والمخضرمين الذين يضيفون نكهة خاصة بحكم تلك الخبرة المعتقة التي لا نفتقدها إلا بغياب أصحابها.

الجيل الجديد، ومهما علا شأنه وكثرت فيه المواهب، لا يمكن أن يستغني عن أولئك المعتقين، خصوصا في الأعمال الدرامية؛ ذلك أن مفهوم الدراما نفسه يرتبط بحضور أجيال مختلفة داخل العمل الواحد.

ولعل خير مثال على هذا الترابط الذي لا بد منه هو مسلسل “ليالي الحلمية” الذي جمع أجيالا في بوتقة واحدة فأمتع كل الفئات العمرية التي تابعته بشغف. وقس على ذلك في مختلف الفنون، إذ لا يمكن التحدث عن قطيعة كاملة بين جيلين.

الدليل على هذا هو تلك السطحية التي نلحظها في ما يعرف بالأعمال الشبابية في حال غياب الرواد المخضرمين، إذ يحس متابعوها بأنها “مسحوبة الدسم” وخالية من خبرة الكبار ونكهتهم.

تهميش الفنانين

إلى جانب الخسارة الناتجة عن غياب القامات الفنية هناك خسارة في القيمة الفنية حتى لدى أبناء الجيل الواحد

هذه الخسارات المتسارعة والمتمثلة في رحيل العديد من الشخصيات الوازنة في الفن العربي تهدد بخسارة فنية مضاعفة تتمثل في فقدان القيمة الفنية المتأصلة في حد ذاتها، بالإضافة إلى خسارة جيل ذهبي يعطي قيمة مضافة إلى كل عمل يشارك فيه.

أما المؤلم في الأمر فهو أن هناك قسما كبيرا من ذاك الرعيل قد وقعت “إماتته قبل موته”، ومنهم من يعاني اليوم التهميش والتجاهل، وحتى إشاعة خبر الموت كما حصل مع الممثل المصري أسامة عباس.

وفي هذا المجال، وعلى سبيل المثال لا الحصر، أكد الفنان المصري فاروق فلوكس أن اعتزاله التمثيل يعني وفاته، معبراً عن سعادته باحتفاء رواد سوشيال ميديا بتصريحاته التي أكد فيها أنه انتظر التكريم من المهرجانات الفنية لكنه لم يحصل، مبديا دهشته من ربط التكريم بوفاة الفنان.

وقال الفنان المصري الذي اشتهر بأدوار الخواجة إنه لا يفهم السبب الحقيقي وراء تجاهل الكثير من المهرجانات لعدد من الممثلين أصحاب الخبرات الكبيرة في الوقت الذي تكرّم فيه ممثلين نجح لهم دور واحد، بل وتختارهم في لجان التحكيم.

هذا الأمر ينسحب على كل البلدان العربية، وإن كان تركيزنا على مصر أكثر باعتبارها عاصمة الفنون العربية، ففي الجزائر مثلا أكدت الفنانة فتيحة سلطان أن مشاركتها في مسلسل “أنين الأرض” الذي انطلق تصويره مؤخرا بمدينة برج بوعريريج لا تدل على عودتها إلى مباشرة الفن لأنها لم تعتزله أصلا.

ويؤسفني، تقول فتيحة سلطان، أن يُهمش الفنان وهو قادر على العطاء، حيث في الدول الأخرى يستعان بالفنان في كل مراحله العمرية، مثلا يقدم دور الجد الفنان الكبير في العمر ولا يقدمه فنان صغير ويهمش الكبير، وهذا حتى تكون هناك مصداقية للدور.

وثمة مسألة أخرى في إشكالية ترابط الأجيال، وهي أن ثمة من مازالوا فاعلين وناشطين على أرض الواقع، لكنهم مجهولون في بلاد عربية أخرى، وذلك بحكم الانسياق المطلق وراء الأصوات الشبابية مجهولة الجذور والخلفيات الفنية في بلد عربي آخر.

ولعل أوضح دليل على ذلك هو ما حصل قبل انطلاق مهرجان بابل الغنائي في العراق، إذ تابع المواطنون العراقيون أخبار المهرجان أولاً بأول عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة والمشهورة، وفور إعلان وصول الفنان هاني شاكر إلى مطار بغداد رحب جيل الفنان من العراقيين بقدومه، لكن ما أثار الاستغراب هو أن العديد من الشباب أبدوا عدم معرفتهم به وذلك من خلال التعليقات الخاصة على صفحات المواقع الناقلة للخبر.

ومهما كان حجم القيمة الفنية وعدد المتابعين لهذا الفنان أو ذاك، فإن انسحاب أبناء جيل من المشهد لا يعني بالضرورة تهميشه بل أيضا عدم اهتمام الجيل الجديد بإنتاجه نتيجة مواقع التواصل وما تفرضه من ذائقة فقاعية باسم التجدد والشبابية ومواكبة العصر.

13