الرداءة تنتصر

فكرة "لو كنت" تسترجع سؤالا عبثيا قديما بات لعبة متداولة من خلال تطبيقة "كويز" وهو "إذا لم تكن إنسانا، ماذا كنت ستكون؟".
الخميس 2021/06/17
هل تحوّلت الإنترنت إلى حقل تجريب؟

الحدث الفني هذه الأيام هو “لو كنت” للممثل أكرم حسني الذي عرفه جمهور التلفزيون من خلال شخصية أبوحفيظة ومعه هيفاء وهبي. و”لو كنت” هذه توضع في خانة الغناء، رغم أنها أبعد ما تكون عنه، ولاسيما إذا اتفقنا على أن من شروط الغناء الموجّه للعموم أن يكون لمؤديه صوت يحتكم ولو على نصيب قليل من الجمال والقدرة التعبيرية. ولكن ما يحدث حاليا أن لكل صرصور أو زرزور من قد يستمع إليه، ويعطيه نقطة إضافية في سجلات اللايك والشير والسبسكرايب التي أصبحت المؤشّر التقييمي الأهم  في هذا الزمن العجائبي والغرائبي المنفلت، بينما عفا الزمن عن المقاييس الحقيقية للطرب والغناء والمواويل والليالي، ولم يعد للجان التقييم والاعتماد والرقابة أي دور يذكر.

فكرة “لو كنت” تسترجع سؤالا عبثيا قديما بات لعبة متداولة من خلال تطبيقة “كويز” وهو “إذا لم تكن إنسانا، ماذا كنت ستكون؟”، وهدفه الأصلي الانزياح عن السؤال الأهم وهو “لو لم تكن أنت كما أنت، ماذا كنت ستكون” من داخل إنسانيتك طبعا.

وتأتي كلمات الأغنية بتصورات أقرب إلى هلوسات الحشّاشين “لو كنت أرنب كان أكيد هايبقى الفيل صديقي.. لو كنت مجلة كنت هاكون سمير مش هابقى ميكي.. لو كنت جبل طارق أنا كنت سألتك عن مضيقي.. لو كنت مسابقة كنت هابقى مسابقة اختيار ملكات جمال وأشوف بنات جمال وهناك أنا هاشتكيكي.. لو كنت كتاب أنا كنت هابقى كتاب عن الجمال.. لو في سؤال عن الدلع أنا إجابة السؤال.. لو كنت سكة هاكون يمين أنا عمري ما أكون شمال.. لو كنت لعبة كنت هابقى عروسة باربي لابسة بمبي أما قلبي عمره ما يلعب بيه عيال.. لو كنت قطة حلوة كنت هابقى أكيد سيامي.. لو كنت فلفل أحمر كنت هابقى قرن حامي، لو كنت أكلة كنت هابقى بط بالفريك.. لو كنت ورقة بتتمضي أنا كنت هابقى شيك.. لو شفت أي فرخة أكيد ساعتها أنا هابقى ديك.. لو كنت كرسي كنت هابقى كرسي الاعتراف.. لو هابقى شكل هندسي هاميل للانحراف.. لو كنت دفتر كنت هابقى دفتر انصراف..” وهكذا دواليك.

الفنان المصري هاني شاكر كان قد طرق هذا الباب من زاوية أخرى يطغى عليها عنصر التحدي العاطفي لحبيبته في أغنية من كلمات الشاعر عماد حسن وألحان محمد ضياء الدين وإنتاج 1993، ولكن الفرق واسع والبون شاسع “إن كنت بحر أنا السّحاب، وإن كنت حرف أنا الكتاب، وإن كنت قادرة ما ترجعيش، ما ترجعيش” أما أم كلثوم فغنّت من كلمات الشاعر السوداني أحمد آدم وألحان محمد الوهاب “هذه الدنيا كتاب أنت فيه الفكر، هذه الدنيا ليالٍ أنت فيها العمر، هذه الدنيا عيون، عيون أنت فيها البصر، هذه الدنيا سماء أنت فيها القمر”.

سيكون من المهمّ أن ننتبه إلى مستوى الإقبال على مشاهدة هذا الكليب الذي يجمع أبوحفيظة مع هيفاء، والذي سيكون كبيرا دون شك ليدفع أكثر نحو المزيد من الاجتهاد الاستثنائي في سبيل السقوط المدوي لمجتمعاتنا العربية التي لا تزال تحتاج إلى الفن الحقيقي كأداة بناء للإنسان وتربية للسلوك وتكوين للشخصية وتهذيب للعقل والمشاعر وتلطيف لحالة الهيجان التلقائي المسيطر على مجتمعاتنا.

تحوّلت الإنترنت إلى حقل تجريب لكل أشكال التهريج والشذوذ باسم الفن، وفيما يحاول البعض تصبير أنفسهم بدعوى أن الإبداع الحقيقي هو الذي سينتصر أخيرا، يثبت الواقع أن عملية الإغراق الممنهج في الرداءة هي المؤهلة للفوز، بعد أن تحولت إلى مركز الاهتمام، وما عداها في الهامش، وبعد أن أصبح السباق على التفاهة عملا مربحا، ويحقق لأصحابه الكسب السريع، فيما يبقى منطق العقل والجمال والرقي في حاجة إلى دعم الحكومات ليصمد ولو إلى حين في وجه الرياح العاصفة به.

24