الراوي الفرعوني عبر العصور

تداول صور العمل المصري في بينالي فينيسيا يثير موجة من السخرية في الصحف المصرية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.
الأحد 2019/09/15
محاولة استثمار التراث في نحت ما بعد حداثي

أثار العمل المصري الذي شارك هذا العام في بينالي فينيسيا للفنون في دورته الـ58 (مايو 2019) الكثير من الجدل حوله بعد أن تم تصنيفه من قبل النقاد الغربيين من بين أسوأ الأجنحة الوطنية المشاركة، وفقا لجريدة “ذي آرت نيوز بيبر” المتخصصة في الفنون البصرية.

العمل الذي شاركت به مصر عبر جناحها الوطني نفذه فريق مكون من ثلاثة فنانين، وهم الفنان أحمد شيحا، وأحمد عبدالكريم، وإسلام عبدالله. عُرض العمل تحت عنوان “خنوم.. راو عبر العصور” وهو عبارة عن تجهيز في فراغ القاعة يمثل ثمانية تماثيل للإله خنوم، وهو أحد أقدم الآلهة المصرية القديمة، وكان يتم تصويره على هيئة كبش كامل أو رَجُل له وجه كبش.

رصّت تماثيل الإله خنوم في وضع متقابل، ولكن عوضا عن رأس التمثال تم تثبيت شاشات عرض في مكانها لتَعرض مشاهد مصورة تتضمن أبرز الأحداث المعاصرة والمؤثرة، كالحربين العالميتين، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر، ولقاء مصور جمع بين شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان، كما وضعت على جانبي القاعة مجموعة من الهياكل النحتية على هيئة المسلة الفرعونية.

فكرة العمل تتلخص في المزج بين القديم والحديث، وبناء مجال تفاعلي يستطيع فيه الزائر أن يكون جزءا من هذا العرض عن طريق العبور خلال عدد من الممرات والمسارات الإجبارية خلال تفقده للجناح.

أعاد هذا التصنيف المتدني للعمل المشارك إلى الواجهة من جديد الحديث حول السياسات الثقافية المتبعة في مصر في ما يخص الفنون التشكيلية تحديدا، والتي وصفها البعض بأن إدارتها تتسم بالفوقية.

فالجهة المسؤولة عن ترشيح الأعمال الفنية المشاركة في الفعاليات الدولية هي لجنة الفنون التشكيلية التي يسيطر عليها عادة مجموعة من الأكاديميين.

يرى الفنان حمدي عطية أن أعضاء اللجنة يتعاملون مع الأمر بوصفه امتيازا لا يقترب منه سوى الأكاديميين، على اعتبار أن بيدهم أسرار المهنة، متناسين أن الفن خارج هذه الحسابات تماما، فهو فعل إبداعي له علاقة بالموهبة أولا والممارسة المستمرة. كما يضيف عطية الذي سبق وأن فاز بجائزة الأسد الذهبي في بينالي فينيسيا عام 1995 مع فريق من الفنانين الآخرين أن هناك شبه انفصال بين اللجنة المشار إليها وطبيعة الممارسات الفعلية التي تحدث على أرض الواقع في مصر، كما أن اختيارات اللجنة تخضع أحيانا للمجاملات، وهو أمر مؤسف كما يقول.

Thumbnail

وقد أثار تداول صور العمل في الصحف المصرية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي موجة من السخرية والانتقاد، إذ وصفه البعض بأنه عمل دعائي، وليس عملا فنيا، يمكن عرضه في محفل يروج للسياحة وليس في أكبر بينالي دولي للفنون، وأنه لا يعكس طبيعة الممارسات الفنية المعاصرة في مصر بأي حال من الأحوال. الأسباب التي ساقها منتقدو العمل كثيرة وملفتة أبرزها على سبيل المثال أن العمل أشبه بديكور مسرحي مزدحم بالكثير من العناصر والتقنيات، ما أوجد حالة من الفوضى والزحام أضرت بطبيعة الرؤية.

أما النقطة الأبرز فقد تمثلت في أن العمل يقدم فهما مغلوطا لثيمة البينالي المعلنة “My you live in interesting time” وهي جملة ساخرة باللغة الإنكليزية تقال للتعبير عن الأزمة التي يمرّ بها الشخص، وهي تعبر هنا عن الأوقات العصيبة التي يمر بها العالم. غير أن الترجمة العربية المباشرة لهذه الجملة تقدم معنى مغايرا تماما لما أريد لها. وعلى هذا النحو فقد وقع القائمون على الجناح المصري في بينالي فينيسيا في خطأ جسيم وأقاموا عملهم المشارك وفقا لمعنى مخالف للثيمة المعلنة، مؤكدين على هذا الخطأ في الكلمات والنصوص النقدية الشارحة للفكرة في المطبوعات المصاحبة للعمل.

رغم هذا الخطأ الفادح والانتقادات الموجهة للعمل إلا أن هناك من المتابعين من كان له رأي آخر، كالناقدة المصرية سوزي شكري. ترى شكري أن هناك تسرعا في الحكم على العمل، وأنه لا يصح الحكم على عمل فني من خلال مجموعة من الصور أو لقطات الفيديو. تدعو شكري إلى التريث قليلا في الحكم حتى تتضح الصورة، كما دعت الفنانين المشاركين إلى عمل تقرير كامل عن العمل تتم مناقشته في لقاء مفتوح يحضره الفنانون والنقاد وأصحاب الاختصاص.

رصّت تماثيل الإله خنوم في وضع متقابل، ولكن عوضا عن رأس التمثال تم تثبيت شاشات عرض في مكانها لتَعرض مشاهد مصورة تتضمن أبرز الأحداث المعاصرة والمؤثرة، كالحربين العالميتين

ومن جانبها صرحت الدكتورة سهير عثمان الأستاذة بكلية الفنون التطبيقية في القاهرة ومقررة لجنة الفنون التشكيلية بالمجلس الأعلى للثقافة بأن الجناح المصري هو واحد من أفضل الأجنحة بالدورة الحالية، بشهادة النقاد العالميين الذين أكدوا أن أجنحة مصر وروسيا ورومانيا هي أفضل أجنحة البينالي في هذه الدورة في إشارة إلى ما جاء في مجلة “ذي آرت نيوز بيبر”.

من جانبه يبدي الفنان المصري محمد الجنوبي اندهاشه من هذا التصريح، ويرى أن مقررة اللجنة قد اعتمدت في تصريحها في ما يبدو على فهم خاطئ لما جاء في المجلة المشار إليها، فالمقال يصنف العمل المصري ضمن أسوأ الأعمال في البينالي، واصفا التصريح بأنه مخجل. هذا التصريح الذي أدلت به مقررة لجنة الفنون التشكيلية رآه البعض دليلا على ضعف اللجنة، وسعيها إلى تبرير أخطائها اعتمادا على معلومات ملفقة، وذلك بدلا من تقديم الاعتذار أو البحث عن آلية مختلفة لاختيار الأعمال المشاركة في هذا البينالي مستقبلا.

يُذكر أن بينالي فينيسيا هو أكبر وأقدم مهرجان ومسابقة للفنون في العالم. تم تنظيم أول دورة للبينالي في عام 1895، ويقام من حينها بانتظام كل عامين بالتبادل مع بينالي العمارة الدولي في نفس المدينة. كما يحظى البينالي بإقبال واسع من قبل الفنانين والمهتمين بالفن، ويحضره أكثر من نصف مليون زائر، ويعد مؤشرا يمكن التعرف من خلاله على ملامح الفن المعاصر وتطوراته حول العالم.

فكرة المعرض أثارت تساؤلات وجدلا حول المغزى النهائي لها
فكرة المعرض أثارت تساؤلات وجدلا حول المغزى النهائي لها

 

14