الرئيس التركي يعيد النفخ في رماد قضية مقتل خاشقجي

أردوغان استغل توجّه الأضواء الإعلامية صوب نيويورك حيث تجمّع عدد كبير من قادة الدول وكبار مسؤوليها، لمحاولة إحراج الرياض، مقدّما نفسه كمدافع أوّل عن قضية الصحافي القتيل.
الجمعة 2019/09/27
أمل أردوغان ألّا يغلق الملف

رجب طيب أردوغان الذي بدأت تجربته في حكم تركيا تواجه سلسلة معقّدة من المشاكل الاقتصادية والسياسية والأمنية، وبدأت المشاكل تقتحم عليه بيته الحزبي من خلال الانقسامات التي تضرب حزب العدالة والتنمية، يجد في قضية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي بما تنطوي عليه من إثارة ومن جوانب حقوقية وإنسانية، وسيلة مثالية لإثارة الضجيج الذي كان دائما من وسائل أردوغان في ممارسة السياسة ومحاولة التأثير في الرأي العام.

نيويورك- جدّدت تركيا بعد مرور حوالي عام على حادثة مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول، محاولتها استخدام القضية في الضغط على السعودية بهدف ابتزازها، رغم فشل الرئيس رجب طيب أردوغان في تحصيل أي مكسب سياسي أو مادّي من الضجيج الكثيف والمتواصل الذي حرص على إشاعته حول القضية سعيا لإبقائها في دائرة الضوء.

واستغل أردوغان توجّه الأضواء الإعلامية صوب نيويورك حيث تجمّع عدد كبير من قادة الدول وكبار مسؤوليها بمناسبة انعقاد أشغال الجمعية العامّة للأمم المتحدة، لمحاولة إحراج الرياض، مقدّما نفسه كمدافع أوّل عن قضية الصحافي القتيل. وتبعه الإعلام التركي المحسوب على حزبه العدالة والتنمية، والإعلام العربي التابع لجماعة الإخوان المسلمين.

والتقطت وسائل إعلام تركية تصريحات أدلى بها ولي العهد السعودي الأمير محمّد بن سلمان، أشار فيها إلى تحمّله مسؤولية معنوية عن حادثة مقتل الصحافي من زاوية أنّها حدثت وهو في موقع السلطة، لتنشرها تحت عنوان مخادع ومثير “ابن سلمان يعترف لأوّل مرة بتحمّله مسؤولية مقتل خاشقجي”.

ولخص هذا العنوان التكتيك الذي اتّبعته أنقرة في محاولتها ابتزاز الرياض ومساومتها بعد الترويج لوجود مسؤولية مباشرة للقيادة السعودية عن مقتل الصحافي.

وقال أردوغان في تصريحات أدلى بها، الخميس، لتلفزيون فوكس نيوز الأميركي إنه ناقش مسألة مقتل خاشقجي مع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز كما ناقش الموضوع أيضا مرتين مع ولي العهد محمد بن سلمان، الذي “تعهّد” له بأن “دم خاشقجي لن يذهب هدرا”، وأضاف أردوغان أنه لم ير أي خطوات متخذة في هذا الصدد.

وتساءلت دوائر مهتمّة بالقضية عن مدى صدقية رواية الرئيس التركي بشأن “التعهّد” السعودي المزعوم، معتبرة أن أردوغان لا يمتلك أي صفة تجعل القيادة السعودية تقدّم له مثل هذا التعهّد في قضية داخلية تعني المملكة بالدرجة الأولى.

وحاول أردوغان إضفاء مشروعية على تدخّله في القضية بعد أن أصبحت في عهدة القضاء السعودي قائلا إنّ الصحافي قتل في تركيا وكان ينوي الزواج من سيدة تركية، معتبرا أن ذلك يرتّب على بلاده “مسؤولية” أن تتابع تطورات الحادثة، متسائلا “إذا لم تتابع تركيا تطورات حادثة مقتل خاشقجي فكيف سيتحقق العدل في العالم؟”.

وقتل خاشقجي في الثاني من أكتوبر الماضي داخل القنصلية السعودية بإسطنبول في حادثة هزت الرأي العام الدولي وأثارت استنكارا واسعا. وأطلقت السعودية منذ ذلك الحين مسارا قضائيا لمعاقبة قتلة الصحافي لم تنفكّ تركيا تشكّك في مهنيته ونزاهته.

ومع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لمقتل خاشقجي، نُشرت تصريحات لولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان عن القضية، قال فيها إنه يتحمل المسؤولية عن مقتل الصحافي “لأن ذلك حدث وأنا في موقع السلطة”.

سلوكات أردوغان تجاه الرياض تلتقي مع العداء الإخواني للسعودية ولا تخلو من مطامع في الوصول إلى ثروة المملكة

وجاءت تصريحات الأمير محمّد في فيلم وثائقي يبث الأسبوع المقبل. وورد في عرض تمهيدي للفيلم أن ولي العهد السعودي قال لمارتن سميث من شبكة التلفزيون العامة الأميركية “حدث ذلك وأنا في موقع السلطة. أنا أتحمل المسؤولية كلها لأن ذلك حدث وأنا في موقع السلطة”. ويعرض الفيلم الوثائقي باسم “ولي عهد السعودية” مطلع أكتوبر القادم قُبيل الذكرى السنوية الأولى لمقتل خاشقجي. وتحمّل الرياض المسؤولية في مقتل الصحافي لمجموعة من الموظفين قالت إنهم تصرفوا من تلقاء أنفسهم.

وقال النائب العام السعودي إن نائب رئيس جهاز المخابرات حينذاك أمر بإعادة خاشقجي إلى السعودية غير أن رئيس الفريق المكلف بإحضاره أمر بقتله بعد أن فشلت المفاوضات في إعادته. وقدمت السلطات السعودية 11 متهما للمحاكمة في إجراءات تكتنفها السرية.

وسأل سميث الأمير محمد كيف حدثت جريمة القتل دون أن يعلم بها، ونقل عنه قوله “عندنا 20 مليون نسمة. وعندنا ثلاثة ملايين موظف حكومي”.وسأل سميث أيضا عمّا إذا كان القتلة قد استقلوا طائرات حكومية، فرد ولي العهد قائلا “أنا عندي مسؤولون ووزراء لمتابعة الأمور وهم مسؤولون”.

ورغم الخفوت النسبي للضجّة التي أثارتها جريمة مقتل الصحافي السعودي في مقر القنصلية بإسطنبول، مع قرب اكتمال السنة الأولى على حدوث الجريمة، إلاّ أنّ تركيا بدت في مختلف منعطفات القضية مهتمّة بإثارة أكبر قدر من الضجيج حولها، وصرفها عن مسارها القضائي باتجاه مسار سياسي.

وبحسب متابعين للشأن التركي فإنّ مجموعة معقّدة من الأسباب والعوامل تقف وراء الاهتمام التركي على مستوى رئاسة الجمهورية نفسها بهذه القضية.

ويقول مصدر في المعارضة التركية إنّ المتاعب السياسية والاقتصادية التي تواجه الرئيس التركي، وكذلك الانشقاقات في حزب العدالة والتنمية، تدفع أردوغان إلى البحث عن قضايا خارجية مثيرة لصرف الأنظار نحوها، مضيفا أنّ قضية خاشقجي شماعة نموذجية بالنسبة إليه لما يكتنفها من إثارة وما تنطوي عليه من طابع إنساني حقوقي. ويضيف المصدر، طالبا عدم الكشف عن هويته، إن سلوك أردوغان تجاه السعودية يلتقي مع العداء العام الذي تكنّه جماعة الإخوان المسلمين للمملكة، ما يفسر التطابق التام بين الإعلام التركي الموالي لحزب أردوغان، والإعلام الإخواني بما فيه الإعلام القطري، في التعاطي مع قضية مقتل الصحافي السعودي.

كما لا يستثني المصدر ذاته “وجود مطامع لتركيا بقيادة العدالة والتنمية في الثروة السعودية ومحاولة الوصول إليها عبر المساومة والابتزاز، مثلما تمكّنت أنقرة من الوصول إلى ثروة قطر باستغلال العزلة التي جرّتها القيادة القطرية على بلادها”.

3