الدبكة اللبنانية والقد الحلبي يلتقيان في أوبرا دمشق

أندريه الحاج: ما زلت مؤمنا بالشراكة الموسيقية على المستوى العربي.
الخميس 2021/10/21
شدو عربي أصيل بتوزيع موسيقي حديث

بعيدا عن صخب الحياة وضجيجها، يقدّم الموسيقيون حفلات فنية يحملون من خلالها جمهورهم نحو آفاق بعيدة، محاولين بثّ روح الجمال والهدوء في الأنفس التي أضناها النسق المُتسارع للعصر. وفي أوبرا دمشق يحلّ مايسترو من لبنان ليقود فرقة موسيقية سيمفونية سورية مستعرضا مجموعة من الألحان العربية الأصيلة بتوزيع موسيقي حديث، أطرب الحضور وأثار فيهم الحنين إلى زمن جميل.

دمشق - أندريه الحاج مايسترو لبناني، حاز على لقب مايسترو شرف في قيادة فرقة سيمفونية في كوريا الجنوبية، وهو أول عربي يحوز هذه الصفة، وسوف يقود هذه الفرقة في حفل خاص خلال العام 2022 يقام في كوريا الجنوبية.

يفهم الحاج العمل الموسيقي على أنه لغة عالمية تفهمها كل الشعوب، فهو يعمل على تفعيل دورها لتكون جسر تواصل بين الحضارات المتباعدة جغرافيا.

ويؤكّد صاحب عملي “موسيقى بس” و”أماكن” أن الجمهور العام في بلدان عالمية كثيرة مثل اليابان وروسيا ومعظم شعوب الشرق الأقصى يهتم بالموسيقى في المقام الأول، بينما يهتم الجمهور العربي بالغناء أساسا، وهذا ما يجعل الموسيقى الآلية في مرتبة متأخرة عن الغناء في العالم العربي. ومع ذلك يؤمن بأنه “مع تعدّد التجارب الموسيقية المشتركة وتكرار الفعاليات الفنية، ويمكن تجذير الموسيقى الآلية العربية بشكل أو بآخر لدى الجمهور”.

ومن هذا المنطلق قاد مؤخرا أندريه الحاج مايسترو الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق عربية حفلا موسيقيا مع الفرقة الوطنية السورية للموسيقى العربية  في أوبرا دمشق، قدّم فيه مجموعة من الأعمال الموسيقية اللبنانية والسورية.

وكانت البداية مع مقطوعة موسيقية بعنوان “منك أنا” أوضح الحاج أنه سبق وأن ألفها وأهداها إلى والدته، وكانت مقطوعة وجدانية هادئة. ثم قدّم مقطوعة لونغا للموسيقي جلبير يمين. ومن ألحان الموسيقار وليد غلمية قدّم أغنية للفنانة صباح ثم مقطوعة “درب الصيادي” لأنطون فرح.

ومن ألحان إياد كنعان قدّم مقطوعة “ذكرى”، تلتها تنويعات للموسيقار زكي ناصيف، ثم مقطوعة “عاطفة” من ألحان عدنان فتح الله مايسترو الفرقة الوطنية السورية للموسيقى العربية.

ومن سوريا قدّم للشيخ عمر البطش موشّح “قلت لما غاب عني”، ثم قدّم حوارية غنائية من مسرح الرحابنة من عمل “يعيش يعيش” وهي “وك يا جدي” أداها بشكل مشترك كل من لبنى نفاع وريان جريرة. ثم قدّم “عطر الوطن”، ليستعرض إثرها تنويعات من تراث المطرب اللبناني الراحل نصري شمس الدين، وكان الختام بأغنية “بكتب اسمك يا بلادي” للملحن إيلي شويري التي وضعها في العام 1973.

مكاسب موسيقية

تكريس للموسيقى العربية الأصيلة وانفتاح على موسيقات العالم
تكريس للموسيقى العربية الأصيلة وانفتاح على موسيقات العالم

المايسترو الحاج هو أول قائد أوركسترا غير سوري يقود الفرقة الوطنية السورية للموسيقى العربية، لتكون بذلك التجربة العربية الثانية له بعد قيادته لأوركسترا سلطنة عمان، حيث وجد تشابها بين الفرقتين الوطنيتين السورية واللبنانية من حيث سعيهما لتكريس المبادئ والخط الفني العربي وامتلاكهما الرؤية في الحفاظ على التراث الموسيقي العربي والانفتاح على التجارب الأخرى.

وعن الفائدة من وراء تنظيم حفلات موسيقية تشاركية بين الموسيقيين العرب بيّن الحاج “هذا التشارك عملية حيوية وضرورية، لأنه يحمل صفة التغيير، فالفرق الموسيقية تتعرّف على أساليب جديدة في القيادة الأوركسترالية عندما تستضيف مايسترو ما، وكذلك المايسترو يتعرّف على نخبة جديدة من العازفين الموسيقيين في البلدان التي يزورها، وهذا ما يحقّق تفاعلا كبيرا بينهما. هذا من جانب، أما الجانب المهم الآخر فهو أن المايسترو يأتي ببرنامج الحفل الموسيقي الذي سيكون متضمنا لفقرات موسيقية مختلفة عن مخزون الفرقة والجمهور الذي سيقدّم إليه الحفل. وبالتالي فإن الدمج الموسيقي الذي يحصل بين مزاجين مختلفين يمثّل مكسبا للطرفين وخطوة في تحقيق تعارف إبداعي أكبر”.

أندريه الحاج: للموسيقى غاية نبيلة، فهي تدغدغ الجانب الإنساني لدى المتلقي

أما عن أوجه الشبه والتعاون بين أوركسترا سورية وقيادة لبنانية فيقول الحاج “تسعى الفرقة السيمفونية للموسيقى الشرق عربية في لبنان إلى الحفاظ على التراث الموسيقي العربي والانفتاح على الموسيقات الأخرى، وكذلك إعداد موسيقيين مهرة يليقون بها.. وهي الأهداف ذاتها التي تسعى لتحقيقها الفرقة الوطنية السورية للموسيقى العربية، لذلك كان تلاقي الفرقتين في العمل أمرا طبيعيا، طالما تلاقتا في التكوين والتوجه”.

وهذا ما ترجمته الفرقتان في إحياء حفلات مشتركة، حيث سبق للمايسترو السوري عدنان فتح الله أن قاد الفرقة اللبنانية في بيروت، في حين كان أندريه الحاج أول مايسترو لبناني وعربي يقود الفرقة السورية بدمشق في العام 2019، وهو يُكرّر ذلك هذا العام للمرة الثانية.

ويضيف الحاج “هذا العمل يعني المزيد من التعاون والتشارك الذي سيحمل بالتأكيد المزيد من الخبرة لكل المشاركين فيه”.

ويتابع “العالم الآن صاخب جدا بالأحداث والمتغيرات التي تشوّش ذهنية الناس وتجعلهم في أمس الحاجة إلى متابعة أعمال موسيقية هامة، يعودون بها إلى أصالتهم الموسيقية التي عاشوها؛ هذه الحفلات ستذهب بهم ولو قليلا إلى أماكن أكثر جمالا وهدوءا، حيث الموسيقى والحياة. فمهمة الفن العليا هي أن يقدّم جوا يُعيد إلى المتلقي إنسانيته، محاولا إعادة التوازن النفسي إليه في عصر عصيب وكثير التوتر”.

ويعرف عن أندريه الحاج نشاطه الكثيف في تقديم الموسيقى العربية الأصيلة سواء من حيث استعادته لبعض الأعمال القديمة أو من خلال طرحه لمؤلفات حديثة تقوم على الموسيقى العربية الأصيلة وبتوزيع موسيقي علمي حديث.

وسبق للحاج أن قدّم عملين موسيقيين حملا عنواني “موسيقى بس” و”أماكن”، إلى جانب تقديمه الموسيقى الآلية الصرفة عبر العديد من التجمعات الموسيقية والفرق الفنية، كان من أهمها “أماكن” وأوركسترا الطلاب في جامعة روح القدس. ويسعى المايسترو اللبناني لتوسيع دائرة دمج الموسيقى العربية بموسيقات عربية وعالمية مختلفة عبر العديد من الخطط التي ينوي تقديمها لاحقا.

وحرص الحاج في حفله الأحدث على تقديم أعمال موسيقية متنوّعة، تراوحت بين الموسيقى الآلية الصرفة والأغنيات الشهيرة لمجموعة من كبار المغنين في لبنان وسوريا.

فمن لبنان قدّم لصباح مجموعة من المقاطع الغنائية الشهيرة، وهي الاسم المعروف في سماء الفن العربي عموما، والتي قدّمت خلال حياتها الفنية ما يزيد عن الثلاثة آلاف أغنية وثلاثة وثمانين فيلما سينمائيا والعشرات من المسرحيات، وكانت أول مغنية عربية تقدّم حفلا في مسرح الأولمبيا في باريس.

سجل غنائي متنوّع

السجل الغنائي لنصري شمس الدين يحلّ ضيفا على الحفل
السجل الغنائي لنصري شمس الدين يحلّ ضيفا على الحفل

أما الفنان الثاني الذي قدّمه الحاج فكان زكي ناصيف عبر تنويعات سريعة ورشيقة، وهو أحد مؤسّسي عصبة الخمسة الكبار في لبنان التي تضمّ الأخوين الرحباني وحليم الرومي وتوفيق الباشا وفيلمون وهبة ثم زكي ناصيف، ويسميه البعض أبوالفولكلور اللبناني في الغناء؛ فقد غنى له وديع الصافي وماجدة الرومي ونجاح سلام، كما قدمّ مجموعة من الأغاني لفيروز حملت اسم “فيروز تغني زكي ناصيف".

الفنان الثالث الذي قدّمه الحاج في تنويعة من الأغنيات كان نصري شمس الدين، وهو شخصية فنية معروفة في لبنان والعالم العربي، ويعتبر أحد أهم الفنانين الذين قدّموا الفولكلور اللبناني، وشارك في أعمال الرحابنة وظهر معهم بطلا مع فيروز في المسرح وكذلك السينما، وتميّز بصوت قويّ وعذب.

وفي انعطافة تجاه الفن السوري قدّم الحاج الشيخ عمر البطش من خلال موشّح “قلت لما غاب عني”، وهو من توزيع عدنان فتح الله. ويعدّ عمر البطش أحد أركان الفن السوري القديم وأبرز من مارس فن الموشّح حتى سمّي بوشّاح العرب، وكان له فضل كبير في تطوير رقص السماح وجعله على الأسلوب الذي يواكب الموسيقى العربية الحديثة. وله فضل في إحداث المعهد الموسيقي في دمشق في أربعينات القرن العشرين، وعلى يديه تتلمذ العشرات من مشاهير الطرب أهمهم شادي القد الحلبي صباح فخري.

15