الخلود "في متناول اليد"!

الوعي البشري ينتقل إلى حياة آخرة رقمية.
الاثنين 2021/02/22
هولوغرام ماريا كالاس أمام الجمهور الباريسي خطوة في طريق الخلود الرقمي

الحياة بعد الموت أكبر لغز واجهته البشرية وحاولت تقديم تفسيرات مختلفة له. ولَئنْ كانت الغالبية العظمى من الناس تعتقد اليوم أن الموت هو نهاية رحلة الفرد فإن فكرة الغياب المطلق قاسية ويصعب تقبلها. هل فعلا أن الموت نهاية لوجودنا؟ العلماء يقولون "لا".

المشتغلون بالميتافيزيقيا قدموا للبشرية مئات الإجابات الغيبية حول عالم ما بعد الموت رافقتها أعداد مماثلة من روائع الأساطير. وعلى الرغم من أن معظم أديان العالم تصف الحياة الآخرة بشكل أو بآخر إلا أن العلماء لم يتوصلوا إلى توافق في الآراء بشأن هذه القضية.

تمديد الحياة

وظل المشتغلون في الحقل العلمي يتصارعون حول تفسير الحياة بعد الموت لعدة قرون. واكتفى معظمهم بالرد على السؤال بجملة مقتضبة: الموت لا شيء بعده.

إذا قبلنا فرضيّة أن الموت هو نهاية الرحلة و”لا شيء بعده” فهل هناك إمكانية لتمديد الحياة إلى ما بعد الموت، ليس من خلال حلول بيولوجية تجدد الخلايا وتعيد إليها شبابها بل من خلال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي تحديدا؟

اليوم يستكشف العلماء إمكانية تمديد الحياة إلى ما بعد الموت. هذا ما قاله خبير فيزيائي مستقبلي ومفكر نظري شغل العالم مؤخرا، هو ميتشيو كاكو الذي يعتقد أن الوعي البشري يمكن أن ينتقل قريبا إلى الحياة الآخرة الرقمية.

وكان الدكتور كاكو قد كشف مؤخرا عن ثلاث نبوءات مستقبلية؛ وتتصل بارتياد الفضاء واستيطان عوالم أخرى غير الأرض، وأن البشر سيدخلون “الموجة الرابعة من الابتكار العلمي” التي أهم ما يميزها الدمج بين التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي والوصول إلى نجاحات تمكّن من علاج أمراض استعصت على البشرية حتى اليوم، بل والقضاء على الشيخوخة.

أما نبوءة كاكو الثالثة فتتعلق بلغز البشرية الكبير؛ العقل. وأكد أننا “ندخل حقبة جديدة حيث يمكن للإنترنت أن تصبح شبكة عقول. ويمكن لشبكة الدماغ أن تحل محل الإنترنت الرقمي”.

لنتخيل العوالم التي ستوفرها التكنولوجيا إنْ تحققت، ألن يكون رائعا أن نستعيد موزارت وشكسبير وأينشتاين؟

لم يغب كاكو -الأستاذ في كلية مدينة نيويورك- طويلا عن الساحة الإعلامية، حيث نقل عنه مؤخرا قوله إن “الحياة بعد الموت يمكن تحقيقها من خلال الوسائل الرقمية”. وهذا لا يعني أن العلم سيسمح لنا يوما ما بالوقوف أمام بوابات الجحيم أو الفردوس، ولكن سيتيح لنا استخدام التكنولوجيا لتخليد ذكرياتنا وشخصياتنا وطريقتنا في التحدث، ليكون بإمكان الأجيال القادمة الوصول إليها واستحضارها.

لنتخيل العوالم التي ستوفرها مثل هذه التكنولوجيا، إنْ تحققت، للبشرية. ألن يكون رائعا أن نستعيد موزارت وبيتهوفن وشكسبير وأينشتاين؟ هذا على الأقل ما يعتقده كاكو الذي يؤكد إمكانية إعادة استرجاع عقول عبقرية بناء على سير حيواتهم وخطاباتهم وسلوكياتهم.

وناقش الدكتور كاكو موضوع الحياة بعد الموت في برنامج “فكر كبير”، مع المعد السابق روب بيل والكاتب العلمي مايكل شيرمر والمحاور بيل ناي.

وأكد الفيزيائي والمفكر كاكو أن “الخلود الرقمي والجيني في متناول اليد. هناك بالفعل في وادي السيلكون شركات تقوم برقمنة كل شيء معروف عنك: معاملات بطاقتك الائتمانية، ورسائل البريد الإلكتروني، وإنستغرام، وكل شيء معروف عنك يمكن ترقيمه. ولدينا ما يسمى بمشروع  ‘كونكتوم’ الذي سيرسم مسارات الدماغ البشري بأكمله، ويسجل جميع ذكرياتك، وجميع مراوغاتك وشخصياتك، وسنضعه على قرص”.

اليوم يمكن لأي منا الدخول إلى مكتبة عامة وتصفح كل الكتب التي تتحدث عن شخصيات بارزة مثل ونستون تشرشل. لكن هذا لم يعد يكفي حسب كاكو الذي قال “أود التحدث إلى أينشتاين. أحب أن أتحدث معه، حتى لو كان برنامج كمبيوتر قام برقمنة كل شيء معروف عنه: عمله وكتاباته وخطاباته وكل شيء وصورة ثلاثية الأبعاد لأتحدث معه. وفي يوم من الأيام قد تتم رقمتنا أيضا. سنكون قادرين على التحدث إلى أحفادنا العظماء. وسيكونون بدورهم قادرين على التحدث إلى أسلافهم العظماء، لأننا سنصبح خالدين”.

روبوتات نانوية

Thumbnail

هذه المغامرة العلمية المدهشة ليست حصرا على كاكو، فهناك أسماء بارزة أخرى تشاركه هذا التوجه. أكثرها إثارة للجدل مؤسس شركة “نيورالينك” إيلون ماسك الذي تعمل شركته على تطوير واجهة حاسوبية – دماغية، تهدف إلى إلغاء الحدود بين الإنسان والآلة.

وفي العام الماضي قال رئيس شركة سبيس إكس إن “الشركة ربما تكون على بعد خمس إلى عشر سنوات من منح البشر القدرة على التواصل غير اللفظي”.

وفي عام 2018 كان فريق من الباحثين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا قد ادعى القيام برقمنة الخرائط العصبية عند الحيوان. وتلعب الخرائط العصبية -المعروفة أيضا باسم الشبكات العصبية- دورا حيويا في الطريقة التي يتم بها تخزين الذكريات في الدماغ.

وهناك شخصية وازنة أخرى في عالم التكنولوجيا زعمت أن الذكاء الاصطناعي سيسمح للبشر بربط عقولهم بالإنترنت بحلول عام 2030.

وقال راي كورزويل صاحب النبوءة ومدير الهندسة في غوغل “في الثلاثينات من القرن الحالي سنرسل روبوتات نانوية إلى الدماغ لتوفر واقعا افتراضيا كامل الانغماس من داخل الجهاز العصبي، وستربط القشرة المخية الحديثة لدينا بالسحابة الرقمية”.

يبدو أن العالم قريب جدا من العيش أحداث فيلم الخيال العلمي الأميركي “انسيبشن” الذي قام فيه ليوناردو ديكابريو بدور البطولة، وتدور القصة حول تمكن العلماء من دخول عقل البشر والتحكم فيهم والتعرف على أسرارهم.

التكنولوجيا التي تتحدث عنها هذه الشخصيات العلمية تجذب من المؤيدين المتحمسين نفس القدر الذي تجذبه من الرافضين والمشككين الذين يؤمنون بأن دماغ البشر سيبقى لغزا مستعصيا على الفهم.

قد نجد حلولنا الخاصة للإشكالية التي يطرحها علينا الموت، ولكن كما يؤكد كينيث دي ميلر -أستاذ علم الأعصاب بجامعة كولومبيا- “في المستقبل المنظور لن تكون إعادة العقل إلى الحياة واحدة منها”.

12