الحل يكمن في احتلال كويتي مرحب به للعراق

ثلاثة عقود من تسديد الحساب المرّ لم تنقذ المستقبل من أخطاء الماضي.
الخميس 2020/07/30
الملك المنتظر في المنطقة الخضراء

مع اقتراب ذكرى الثاني من أغسطس عام 1990 التي لم تخف درجة مرارتها وقسوتها على الجميع، يتصاعد الجدل غير المثمر عمّا حدث، وكيف حدث، ومن يتحمل مسؤولية ما حدث، ومن دفع العراق إلى دخول المعركة الخطأ في التاريخ الخطأ والجغرافيا الخطأ، ومن دفع الثمن الأغلى وما زال يسدده بلا وجه حق ومن دون ذنب اقترفه.

 بعد ثلاثين عاما من دخول القوات العراقية إلى الكويت، ما زال التاريخ يمارس صمتا مريبا وبالتواطؤ مع المصالح السياسية، ليس لأن التاريخ جبانا، بل لأن مدوني هذا التاريخ وشهوده يعيشون الزمن السياسي الشاذ في العراق تحديدا، كما من غير المجدي للمصالح الدولية خصوصا بعد تراجع أخلاقيات السياسة، إعادة فتح ملف فرض بقوة السلاح على المنطقة وأرجع الكويت إلى أهلها وهذا يكفي، بغض النظر عن تداعيات استمرار تسديد العراقيين ثمن خطأ “قيادتهم الدكتاتورية”، فالعراق واحد في الفعل السياسي الدولي وما دفعه الدكتاتور لا يكفي إن لم يكن الشعب شريكا فيه، وبعد ثلاثة عقود ما زال هذا الشعب يدفع الثمن من دمه وثروته واستقراره، لكن لا أحد يعبأ بالتساؤلات المريرة. وما يجري في العراق اليوم مجرد وعود أكثر ونتائج أقل في رحلة إلى وجهة غير معلومة انطلقت منذ عام 1990.

لقد رأى العالم برمته كيف تحولت قضية مئات الأسرى الكويتيين إلى مأساة إنسانية، وهي فعلا كذلك، لكن بالمقابل هل يمكننا اعتبار أن استمرار مأساة ملايين العراقيين مهمة أيضا، تماما مثل حملة “حياة السود مهمة” التي تجتاح العالم اليوم.

تصالح الجغرافيا مع التاريخ

جنود عراقيون ينزلون من ظهر ناقلة على طول منطقة الشاطئ في مدينة الكويت بعد يومين من غزو العراق للمنطقة
جنود عراقيون ينزلون من ظهر ناقلة على طول منطقة الشاطئ في مدينة الكويت بعد يومين من غزو العراق للمنطقة

صحيح إن الكويتيين استعادوا بلدهم بقوة القانون الدولي، وتمّ تعويضهم عن كل حجر سقط في بلدهم، لكنهم إلى حدّ اليوم غير قادرين على التخلص من عبء الصدمة على الكويت وعلاقتها بالعراق، فما حدث – بالنسبة إلى الكويتيين على الأقل – في عصر صدام حسين وقبله عبدالكريم قاسم، قد مات لكن إحساس ألا يتكرر ثانية ليس ناجزا تماما! الجغرافيا من دون مصالحة راسخة مع التاريخ، أشبه بكنز ثمين لا تعامله البنوك بشكل عادل، والكويت كنز متخاصم مع التاريخ وإن اكتفت بجغرافيتها الصغيرة الآمنة وفق القوانين الدولية.

وفي قصة الثاني من أغسطس 1990 التاريخ مهم بالنسبة إلى بعض السياسيين كنموذج يحتذى به وليس هدمه أو إضفاء طابع شخصي عليه، قوة هذا التاريخ ورسوخه لا يمكن أن يقارنا بما ضاع منه قبل مئتي عام على سبيل المثال، لذلك سيبقى تاريخ اليوم محتفظا بالحقيقة غير منقوصة في زمن تدفق المعلومات المهول، وإن تعمدت قوى مستحوذة على القرار بإخفاء أجزاء منها.

ومع غياب أهم ما في الحقيقة عمّا جرى قبل وفي الثاني من أغسطس عام 1990، يستمر الجدل غير النافع عن المستقبل الآمن للمنطقة كلما اقتربت ذكرى احتلال الكويت، فيما تتراجع الأسئلة الحقيقية وتغيب الإجابات المطلوبة من قبل الشعوب والمؤرخين معا.

تسنى لي أن أطلع على مسودة فصول من كتاب أسمه “العودة إلى الكويت” كتبه إعلامي مقرب من مركز القرار آنذاك في بغداد، وفي الوقت نفسه عمل مع الكويتيين على مدار سنوات بثقة كاتم الأسرار وصوتهم في العراق، لكن من سوء حظ الحقيقة لم ينشر الكتاب تحت حاجة المساومة السياسية والمصالح الشخصية الأنانية، مع أنه كان يجيب على السؤال الأهم والأكثر طلبا أمس واليوم وسيبقى كذلك “من كان شريكا حقيقيا لصدام حسين في جريمة احتلال الكويت؟” هذا السؤال ظل غائبا في العراق تحت ذريعة التركيز على أحادية اتخاذ قرار مصيري من قبل شخص واحد فقط من دون أن يشترك فيه آنذاك وزير الدفاع وقادة الجيش العراقي! والسؤال نفسه مغيب أيضا في الكويت تحت وطأة المفاجأة وهول الفاجعة وصدمتها.

ومع اقتراب ذكرى الاحتلال، وعبث الكلام المجاني المستمر وتأجيج الأحقاد والضغائن بين الأهل في الكويت والعراق على حدّ سواء، خصوصا على مواقع التواصل، يهرب السياسيون إلى الأمام متذرعين بعدم العودة إلى مآسي الماضي والعيش في ظلها، ومن دون أن يكونوا قادرين على الحد من الكراهية المتزايدة، ومع تلك الذكرى المريرة وبعد ثلاثة عقود تغيب الحلول التي تبعث برسالة طمأنة إلى المستقبل. فالاتفاقات القلقة ليست بديلا دائما، لأن في لحظة ما ينفجر قدر الضغط الكاتم وتتلبد الأجواء.

الحل في الكويت

حرب الخليج فتحت الباب أمام 30 عاما من الدمار الذي لا يزال مستمرا ويدفع ثمنه العراق
حرب الخليج فتحت الباب أمام 30 عاما من الدمار الذي لا يزال مستمرا ويدفع ثمنه العراق

أرى أن الحل يكمن في الكويت وليس في العراق الذي يعيش انقساما غير مسبوق وفشلا سياسيا ذريعا وزمنا شاذا لم يمرّ بمثله في تاريخه المعاصر، قد يبدو من المستحيل تخيّل ذلك، لكن الشعوب تتفاعل بسرعة مع الحلول الواقعية إذا كانت منقذا فعليا من عبء التاريخ واختناق الاقتصاد والجغرافيا معا، ذلك ما يمكن قبوله بأن الحل يأتي من الكويت لتكون منقذا تاريخيا للعراق هذه المرة. مع ذلك هناك سبب لعدم كون الدول معدة في الغالب للتعلم من الآخرين، وفي معظم مجالات السياسة لا تترجم الدروس بسهولة “الدرس الألماني مفيد هنا”.

هناك حد لمقدار ما يمكن أن تتعلمه دول الخليج العربي وليس الكويت وحدها مما حدث في الثاني من أغسطس 1990، مع أن الخطر الإيراني مستمر ومتصاعد ويضاف إليه اليوم تكرار الحلم الإمبراطوري العثماني من جديد، وبمقدورنا جميعا أن نرى طريقة تفكير صدام حسين موجودة في شخصية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

في منتصف تسعينات القرن الماضي كتب الزميل علي الصراف في صفحات “العرب” اللندنية مقالا ما اعتبره حلا للكويت آنذاك “بع النفط وأبدأ الحياة” عندما افترض أن الكويت عبارة عن بئر نفط ويمكن من السهولة بيع هذا النفط كصفقة واحدة، ليحصل بعدها كل كويتي في عمليات رياضية بسيطة على ما يقارب عشرة ملايين دولار، وهو مبلغ يصنف الإنسان ضمن الأثرياء ويمنحه جنسية أكثر بلدان العالم رفاهية وديمقراطية، وبالتالي التخلص ليس فقط من عبء التاريخ على كاهل الكويتيين بل من العيش جوار بئر نفط تصل درجة حرارة المحيط تحت سمائه الملبدة بالطوز إلى خمسين درجة مئوية.

لم يكن الصراف عادلا ولا جادا في هذا الحل، فقد أهمل عن قصد وطنية الكويتيين وحبهم ودفاعهم عن وطنهم، فالإنسان لا يبيع والديه تحت وطأة أقسى ظروف الحاجة، فكيف بالوطن باعتباره حضن أم رؤوم يضم الجميع من دون تفرقة، لذلك وصف الكويتيون مقترحه آنذاك بمجرد عبث لغوي في زمن محتدم بتبادل التهم في المنطقة برمتها.

العراقيون عندما يحكمهم ملك عادل سيختفي الفساد من أروقة مؤسساتهم، وستكون سواعدهم مندفعة لإعادة إعمار الوطن الجديد، مثلما سيقدمون باختيار أمير الكويت ملكا عليهم، اعتذارا مخلصا لأهل الكويت عن خطأ لم يرتكبوه عام 1990

أما أنا فأقترح حلا آمل أن يقبله الكويتيون ليخلصهم من قلق الإحساس بالعيش على هامش التاريخ وتحت التهديد وأطماع الجيران في بلد صغير يتربع على ثروة هائلة، وأتوقع أن يرى العراقيون الحل المقترح منقذا لهم من الانقسام والاختطاف والوهن والترهل والفساد السياسي والطائفي الذي يمكث على صدورهم من دون أي أمل قريب بتلاشيه.

احتلال كويتي سياسي ناعم للعراق من دون أن يتحرك فيه جندي واحد، ولا تطلق فيه أي رصاصة، ومن دون أن تكسر فيه زجاجة واحدة ومن دون أن تسرق فيه قطعة واحدة، الكويت تحتل العراق وبرضا العراقيين وتتويج أمير الكويت ملكا على البلاد الجديدة. والجميع يشهد على عدالته في الحكم وحنكته السياسية وتاريخه القومي العربي، إنه مثال متميز لملك جديد بمواصفات لم يشهدها التاريخ، سيكون بإمكانه صناعة ثقافة سياسية جديدة في المنطقة.

العراقيون سيقبلون بأمير الكويت ملكا متوجا من أعلى جبال كردستان الشماء وحتى ضفاف الخليج العربي، ويعيدون كتابة التاريخ، فمثلما استقدموا من قبل الملك فيصل الأول من الحجاز لينصب ملكا عليهم، واليوم لا يكفون عن الحنين لعصره الوطني في بناء دولة مثالية ويعضون أصابع الندم على قتل أفراد الأسرة الملكية، سيكون ملكهم الجديد قادما من الكويت هذه المرة، عادلا ومنقذا من الفشل الذي تعيشه البلاد وعجزت الأحزاب السياسية والطائفية ورجال الدين والدول العظمى معهم، عن تخليصهم منه.

البلد الجديد – بغض النظر عن تسميته – سيكون الأغنى في العالم بثروته، وسيدار بعدالة قل نظيرها عرفت عن أمير الكويت، كما سيعيد مكانة العراق التاريخية، مثلما يخلص الكويت من قلقها بشأن المستقبل، فإذا كانت ثمة رؤيتان مختلفتان للتاريخ عند الطرفين، فإن الاتفاق على إرساء سلامة المستقبل سيرسخ الثقة، وأرى أن دول المنطقة سترحب بهذا البلد الجديد بعد أربعة عقود من الحرب والفوضى والارتباك السياسي والتهديد المستمر على تقسيم المقسم، وعندها لن يكون بمقدور إيران الاستمرار في الاحتلال السياسي للعراق، مثلما ستعود تركيا إلى واقعية جغرافيتها السياسية وتتعامل مع البلد الجديد بملكه القادم من الكويت، كجار مثالي في التعاون الاقتصادي والسياسي من أجل الازدهار. ولن يكون بعدها هناك دين أخلاقي أو طني أو تاريخي أو مادي واجب السداد من قبل شعوب المنطقة.

الاعتذار لأهل الكويت

بانتظار تعديل الاتجاه
بانتظار تعديل الاتجاه

العراقيون عندما يحكمهم ملك عادل سيختفي الفساد من أروقة مؤسساتهم، وستكون سواعدهم مندفعة لإعادة إعمار الوطن الجديد، مثلما سيقدمون باختيار أمير الكويت ملكا عليهم، اعتذارا مخلصا لأهل الكويت عن خطأ لم يرتكبوه عام 1990 وتحملوا وزره بقسوة دولية مريرة، كما سيكون هذا الاختيار بمثابة محاكمة تاريخية لـ”دكتاتورهم السابق” بعدالة جديدة ومع ملكهم القادم من الكويت، بعد مهزلة المحاكمة الإيرانية له التي انتهت بشنقه طائفيا.

ولا تبدو، آنذاك، الحاجة في الكويت إلى المحاربة المستمرة على جبهة تاريخ بلادهم وتأسيسه بقدر إعادة صناعة هذا التاريخ.

الحل في الكويت هذه المرة، آمل أن تصدقوني. ببساطة لأننا سنكون أمام دولة جديدة ناجحة بجغرافيا كبيرة وتاريخ اكبر مدعومة بثروة هائلة يغيب فيها مفهوم الاحتلال والغزو اللذين لبّدا التاريخ المعاصر بالخوف، وحال الدولة الجديدة لا يشبه بأي حال من الأحوال الفشل المستمر والقائم في حل الدولتين بين فلسطين وإسرائيل، لأن الحلول هناك تقف عاجزة أمام تاريخ كبير يتم التنازع فيه على جغرافيا صغيرة.

7