الحصار المعلوماتي الحكومي وباء آخر رافق كورونا

قادة بعض الدول حاولوا التحكم في الروايات حول انتشار فايروس كورونا وقاموا بتمرير قوانين جديدة وتجريم المزيد من حرية التعبير.
الاثنين 2020/10/26
المواطن المفضل للكثير من الحكومات

استخدمت الحكومات حول العالم أزمة وباء كورونا لفرض قيود وإجراءات قانونية مشددة على الإعلام وحرية التعبير بتجريم نشر معلومات “كاذبة”، وحاولت دول التحكم في الروايات حول انتشار الفايروس، وأداء الحكومة، والآثار الاجتماعية والاقتصادية السلبية لعمليات الإغلاق.

واشنطن- منذ بداية انتشار فايروس كورونا، اصطدمت الاعتبارات السياسية بالمخاوف المتعلقة بالصحة العامة وحرية التعبير. وحظرت حكومات مواقع إلكترونية مرخصة وأمرت بإزالة أي محتوى غير مرغوب فيه، وأحيانا أغلقت خدمة الإنترنت تماما. وعزز المسؤولون هذه الإجراءات من خلال تجريم المزيد من حرية التعبير على الإنترنت واعتقال صحافيين ونشطاء بسبب التحدث علانية عن أداء الحكومة.

واستخدمت الحكومات حول العالم حالة الطوارئ الوبائية لفرض قيود إضافية غامضة أو فضفاضة على الصحافة وحرية التعبير في مختلف المنصات التقليدية والحديثة. وغالبا ما ارتبطت التعليمات الموجهة لاحتواء الوباء بتجريم نشر معلومات “كاذبة” أو محتوى يمكن أن يضر “بالنظام العام”، وليس أسهل من إطلاق هذه التهمة في الكثير من الدول.

وحاول قادة دول التحكم في الروايات حول انتشار الفايروس، وأداء الحكومة، والآثار الاجتماعية والاقتصادية السلبية لعمليات الإغلاق، وقاموا بتمرير قوانين جديدة واعتقال الأفراد بحجج واهية. وقالت منظمة فريدم هاوس في تقرير حديث إن الوباء أدى إلى تفاقم الحملة العالمية على حرية التعبير، في ما لا يقل عن 45 دولة من أصل 65 دولة تغطيها المنظمة.

وبين عامي 2017 و2019 وافقت 26 دولة أو اقترحت قوانين لتقييد وتنظيم وسائل الإعلام على الإنترنت باسم مكافحة “الأخبار الكاذبة”، وفقا لبحث أجرته المنظمة بتمويل من الحكومة الأميركية. وأشارت ألي فانك محللة الأبحاث البارزة للتكنولوجيا والديمقراطية في فريدم هاوس إلى أن “بعض القوانين التي فرضت تتضمن عقوبات جنائية أو مدنية لنشر ما يعتبرونه أخبارا كاذبة، بينما يهدف البعض الآخر بشكل مباشر إلى فرض الرقابة أو إزالة المحتوى ذي الصلة من الإنترنت مما سوف يؤدي إلى تصعيد الاعتقالات والعنف“.

وبررت السلطات الاعتقالات من خلال عدد لا يحصى من القوانين التي تجرم التعبير الذي يُعتقد أنه يسبب الذعر أو التحريض على العنف أو نشر الكراهية أو إهانة المسؤولين، من بين أضرار أخرى مزعومة، في 20 دولة على الأقل. وكما بدأ الفايروس من الصين، بدأت أيضا فيها الرقابة والتعتيم على المعلومات، فقد سارعت سلطاتها إلى السيطرة على السرد العالمي بشأن عدم رغبتها الأولية وعدم قدرتها على احتواء تفشي المرض في ووهان.

وقام المشرفون بمراقبة المحتوى على المنصات الاجتماعية كما تلقت المنافذ الإخبارية عبر الإنترنت أوامر صارمة حول كيفية الإبلاغ عن الفايروس: لا تنشر مصادر غير رسمية، ولا تشارك في “تقارير مستقلة”، وبالتأكيد لا توجد تغطية “مثيرة” لمجموعة من الموضوعات، بما في ذلك الطبيب لي وين ليانغ، أحد أول المبلغين عن المخالفات من ووهان، الذي أدت وفاته بالفايروس في أوائل فبراير إلى احتجاج نادر على مستوى البلاد يدعو إلى حرية التعبير.

الوباء أدى إلى تفاقم الحملة العالمية على حرية التعبير
الوباء أدى إلى تفاقم الحملة العالمية على حرية التعبير

وانتقلت عدوى كتم حرية التعبير من الصين إلى جارتها بنغلاديش بحجب موقع “بينار نيوز” الإلكتروني وموقع مرآة التابع لموقع الاستقصاء السويدي “نترا نيوز”، وذلك بعد الإبلاغ عن مذكرة داخلية مسربة من الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية حول ارتفاع أعداد الحالات في البلاد. واعتدى سياسيون ينتمون إلى الحزب الحاكم على أربعة صحافيين بعد حدث مباشر على فيسبوك زُعم أنه كانت هناك مخالفات في توزيع الحكومة للمساعدات أثناء عمليات الإغلاق.

وفرضت الحكومات حول العالم عمليات إغلاق للإنترنت في 13 دولة على الأقل منذ يناير 2020، مما حد من قدرة الأشخاص على الحصول على معلومات في الوقت المناسب حول الوباء أو استخدام الأدوات الرقمية للوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والخدمات الضرورية الأخرى. وتركت قيود الاتصال طويلة الأجل بعض السكان غير مدركين إلى حد كبير للفايروس حيث انتشر بسرعة في جميع أنحاء العالم في الأشهر الأولى من تفشي المرض.

وتتركز عمليات الإغلاق هذه بشكل ملحوظ في المناطق الأصلية للمجموعات المهمشة تاريخيا. ويعد الوصول إلى الإنترنت حقا معترفا به دوليا من حقوق الإنسان، وتشكل اضطرابات الشبكة هذا العام شكلا قاسيا بشكل خاص من العقاب الجماعي ضد مجموعات عرقية ودينية محددة.

ولم يكن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بحاجة إلى تمرير تدابير طارئة جديدة لتجريم حرية التعبير، إذ استخدم مجموعة أدواته القانونية الحالية لمقاضاة الأفراد الذين تحدوا حملة الدعاية الحكومية المنظمة بإحكام. وتم اعتقال أكثر من 400 شخص، بينهم صحفايون وأطباء، في مارس وحده بسبب منشوراتهم “الاستفزازية” و”المسيئة” على وسائل التواصل الاجتماعي حول الوباء. وبعد أن نشرت جمعية طبية في المدينة على تويتر حول وفاة العاملين الصحيين ونقص معدات الحماية الشخصية، تم احتجاز طبيبين مشاركين في الجمعية واستجوابهما ومنعهما من السفر إلى الخارج.

وليست السلطات التي لها سجل حافل في قمع المعارضة وحدها في فرض مثل هذه القيود. حتى الحكومات التي قامت تاريخيا بحماية حرية التعبير على الإنترنت استجابت بشكل غير متناسب للخطاب المرتبط بالوباء. فأطلقت جنوب أفريقيا لوائح حالة الكوارث التي تحظر التصريحات من خلال “أي وسيط، بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي” إذا كانت تهدف إلى خداع شخص ما بشأن الفايروس أو الإجراءات الحكومية أو حالة إصابة الشخص. ووجهت تهمة جنائية إلى الفنان المشهور سوميزي ملونجو بعد أن أشار على إنستغرام إلى أن وزير النقل في البلاد يعتزم تمديد الإغلاق في البلاد.

وساهم ما تم وصفه بأنه “وباء معلومات”، والمشاركات غير الدقيقة وغير العلمية للمعلومات في فقدان الأرواح، إما بسبب تجاهلها الصارخ للخطر الذي يشكله الفايروس وإما لأنها تروج لعلاجات خطيرة أو غير فعالة، حيث صرح كل من الرئيس جايير بولسونارو في البرازيل والرئيس دونالد ترامب في الولايات المتحدة في بعض الأحيان بأن الوباء ليس أكثر خطورة من الإنفلونزا الشائعة، وقد روجا بتهور للعلاجات غير الآمنة أو غير المختبرة. وتتوافق هذه الجهود مع تاريخ إداراتهما في رفض العلم في صنع السياسة العامة. ومات أفراد من دول متنوعة مثل نيجيريا وفيتنام وإيران أو تم نقلهم إلى المستشفى بعد تسميم أنفسهم بالكحول والتبييض وهيدروكسي كلوروكين ومواد أخرى وصفها البعض بأنها علاجات معجزة.

الرئيس التركي لم يكن بحاجة إلى تمرير تدابير جديدة لتجريم حرية التعبير، إذ استخدم قوانينه الحالية 

وتستخدم الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية الوباء للترويج لنظريات المؤامرة والعلوم الزائفة التي تتماشى مع أهدافها السياسية القومية والمعادية للأجانب. فقد أدلى أعضاء رفيعو المستوى في حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم في الهند بتصريحات معادية للإسلام بعد أن ربطت الحكومة اجتماعا لمجموعة تبشيرية إسلامية في مارس بارتفاع حالات الإصابة بفايروس كورونا. ورددت التصريحات صدى القصص الإخبارية المعادية للمسلمين على الإنترنت وهاشتاغات على تويتر اتهمت المسلمين زورا بنشر الفايروس عمدا. وتعرض عدد كبير من المسلمين للضرب في البلاد وفقد صبي واحد على الأقل حياته نتيجة شائعات كاذبة مماثلة.

وقالت فريدم هاوس المعنية بالدفاع عن حرية الصحافة والتعبير، يقع على عاتق الحكومات واجب تعزيز مساحة معلومات موثوقة ومتنوعة، لاسيما أثناء الأحداث الكبرى مثل الانتخابات والاحتجاجات والأوبئة، والتي يمكن أن تكون بمثابة محفزات لنشر المحتوى الكاذب والمضلل. لكن تضخيم الشائعات والأكاذيب من قبل المسؤولين العموميين والمنصات التي يديرها القطاع الخاص يضفي على هذه المواد نوعا من الشرعية.

وفي الوقت نفسه، يمكن أن يؤدي القبض على المسؤولين أو حذف محتواهم إلى تأجيج الادعاءات التآمرية بأن المصالح القوية لديها ما تخفيه. ويجب على الدول منع الوصول إلى المعلومات فقط في حالات محدودة، عندما يمكن الدفاع عن الإجراء باعتباره ضروريا لخدمة غرض مشروع ومتناسب مع التهديد.

18