الحروب لا تنتهي أيها الجمال

لا تزال الحرب قائمة. لا يزال الإنسان أضعف منها. غير أن الفن هو الآخر لا يزال مصرا على الدخول في حرب ليست متكافئة كما يعتقد الكثيرون.
الاثنين 2021/02/22
الفن حقيقة الأمل (لوحة للفنان لألماني أنسلم كيفر)

“يوما ما سيعمّ السلام الأرض”، تلك أمنية قديمة قدم الإنسان غير أنها لم تتحقّق. هل الحرب أقل تكلفة من السلام؟ غالبا ما كانت البشرية تستلهم من الحروب أبطالها. إن لم تقع تلك الحروب يتم تخيلها. ما هذا الشغف الغريب بالشر؟

وإذا ما كان بابلو بيكاسو قد رسم “جورنيكا” عام 1937 في محاولة منه لأن يضع حدا للحرب التي محت مدينة ببشرها، فإن تلك اللوحة ذهبت إلى المتحف ولم تنته الحرب. لم تنتصر اللوحة على الحرب، غير أن الجمال من خلالها أطلق صرخته التي لا تزال مدوية.

لا تزال الحرب قائمة. لا يزال الإنسان أضعف منها. غير أن الفن هو الآخر لا يزال مصرا على الدخول في حرب ليست متكافئة كما يعتقد الكثيرون.

ليست نبوءة شؤم أن يخبرنا الفن أن الحرب التي بدأت في الكهوف لا تزال قائمة في عصر ناطحات السحاب

حين رُسمت الأساطير المستلهمة من الحرب ظن دعاتها أن تلك الرسوم تمجّد ما يفعلون. ذلك ليس صحيحا. فنابليون الذي رسمه جاك لوي دافيد هو ليس نابليون الذي اكتظ خياله بالحروب بل هو صورة مستعارة من أسطورة فات زمانها. الخيال الذي هزمته الحروب.

لقد تركت الحروب أثرها على التاريخ البشري فيما لم يفعل السلام ذلك. كل هذه الأمم التي تتنقل بأمل من مكان إلى آخر إنما هي نتائج عرضية للحروب.

لقد أعيد رسم الخارطة البشرية مرات ومرات، لأن الحروب كانت ولا تزال تعيد هندسة خيالها ولا ترضى بما خلّفته من آلام وعذابات.

لم يشبع الوحش عينيه بعد. ذلك ما دفع الألماني أنسلم كيفر (1945) إلى ألّا يتخلّى عن الحرب باعتبارها موضوعه الأثير. تدخل إلى أي من معارضه التي غالبا ما تقام في فضاءات ومساحات واسعة فتجد نفسك في الأرض الحرام وفي قلب العاصفة. وبغض النظر عن الدوافع التي يمكن تفسيرها عقائديا، فإن الجانب الإنساني في رسوم كيفر هو الأقوى.

الإنسان يحارب وحشا يتناسل منذ آلاف السنين من غير أن يتمكّن أحد من قطع رأسه. ليست نبوءة شؤم أن يخبرنا الفن أن الحرب التي بدأت في الكهوف لا تزال قائمة في عصر ناطحات السحاب. ذلك هو الواقع. ما يفعله الفن في دفاعه عن الجمال إنما يمثل حقيقة الأمل. تلك نبوءة طيبة.

16