الحجر الصحي الليلي ينهك الشباب التونسي اقتصاديا

طلاب يعتمدون على المهرجانات والأنشطة الفنية والثقافية لتأمين متطلبات دراستهم.
الأحد 2020/11/22
الاحتجاجات ألغت تأثير الحجر الصحي

أوقف حظر التجوّل الليلي في تونس كافة الأنشطة التجارية والخدماتية الليلية، ما تسبب بخسارة قطاع كبير من الشباب لعملهم وأصبحوا بلا أي مورد مالي لتأمين معيشتهم أو متابعة دراستهم، فانتشرت الاحتجاجات في مختلف المناطق التونسية للمطالبة بإيجاد حلول تضمن تطبيق البروتوكولات الصحية من دون التوقف التام لأعمالهم.

تونس – يعتبر أحمد نفسه من المحظوظين باعتباره طالب موسيقى من سكان تونس العاصمة غير مضطر لاستئجار سكن أثناء دراسته كما هو حال أصدقائه الذين اضطروا لبيع أغراضهم الشخصية لدفع أجرة الشقة الصغيرة المشتركة، وآخرون لم يتمكنوا حتى من هذا بعد توقف عملهم بسبب الحظر الليلي للحدّ من انتشار فايروس كورونا.

في إحدى حدائق تونس الصغيرة بعد الساعة الرابعة، موعد إغلاق المقاهي، يكتظ يوميا عشرات الشباب من طلاب المرحلة الثانوية والجامعية، في حلقات ملتصقة وجلهم دون كمامة في مشهد يشير إلى عدم رغبتهم في الخضوع لإجراءات الحظر الصحي، أو تحدي القيود التي فرضها عليهم الوباء.

ومع ارتفاع أصوات النقاش والضحكات تتردد السخرية من الوباء والإجراءات الصحية، بالقول “إن الفايروس يأخذ استراحة في الحدائق، وإنه لا يمس سوى العاملين في المقاهي والمطاعم ليلا”.

وخسر الطلاب الذين يعتمدون على العمل الليلي في توفير مستلزمات الدراسة وتأمين السكن والمعيشة مصدر رزقهم أسوة بباقي العاملين وأغلبهم من الشباب بعد توقف جميع الأنشطة الثقافية والفنية والمهرجانات وإغلاق المقاهي والمطاعم ليلا وأماكن السهر.

ويعطّل حظر التجوّل كافة الأنشطة التجارية والخدماتية الليلية، ما أثار الغضب وتسبب في احتجاج العاملين في القطاعات التي تعمل في الفترة المسائية، مطالبين بإيجاد حلول تضمن تطبيق البروتوكولات الصحية من دون التوقف التام لأعمالهم.

وقال أحمد البيج طالب موسيقى، 22 عاما، “الشباب يعانون أوضاعا شديدة الصعوبة بعد توقف أو إلغاء أو تأجيل أو تعليق المهرجانات ومختلف الأنشطة الثقافية والفنية، إذ كنا نحن طلبة الموسيقى والشباب العاملين في هذا المجال نعتمد عليها في تسيير حياتنا”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، “تأثر كثيرون جراء الحظر الليلي، فالطلاب يدرسون نهارا ولا إمكانية لديهم للعمل إلا في المساء والليل إلى درجة أنّ بعضهم لم يعد يستطيع تأمين ثمن طعامه أو دفع إيجار منزله ويفكرون بقطع دراستهم حتى انتهاء الأزمة لأنه لا حل آخر لديهم”.

وطالب محتجون من القطاع الثقافي وأصحاب المهن الليلية في تونس برفع حظر التجول الليلي بسبب تكبدهم لخسائر مالية وفقدانهم لمهنهم.

الطلاب الذين يعتمدون على العمل الليلي في توفير مستلزمات الدراسة والسكن والمعيشة قد يضطرون لتوقيف دراستهم

وفرقت الشرطة التونسية وقفة احتجاجية أمام مقر الحكومة في العاصمة شارك فيها فنانون وموسيقيون واستخدمت الغاز المسيل للدموع لفك اعتصام في طريق رئيسي أمام مقر وزارة الثقافة القريبة من مقر الحكومة.

كما نفذ الخميس المصورون والفنانون بولاية صفاقس وقفة احتجاجية أمام مقر الولاية للمطالبة بتعويضات ومنح على خلفية توقف نشاطهم وغلق محلاتهم وتكبدهم خسائر كبرى بسبب أزمة جائحة كورونا وإلغاء العروض الفنية والثقافية التي تم الإعلان عنها وذلك في إطار الحد من انتشار فايروس كورونا.

وشهدت مدن أخرى أيضا وقفات احتجاجية مماثلة من بينها مدينتا سوسة وصفاقس انضم إليها العاملون في مهن ليلية مثل الحراسة وعمال المقاهي والمطاعم.

ورفع المحتجون شعارات من بينها “من حقي العيش” وانتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي هاشتاج “سيب الليل” (اترك الليل).

وقال عامل في مقهى وسط تجمع من المحتجين ليلا في مدينة سوسة “لا نريد منحا من الحكومة ولا نريد ممارسة العنف. نريد أن نعمل. ارفعوا أيديكم عن الليل لم يعد بوسعنا العودة إلى المنازل بأياد فارغة”.

وفرضت تونس منذ نحو شهر تدابير للحدّ من سرعة تفشي فايروس كورونا في الموجة الثانية من الوباء، بمنع كافة الفعاليات الثقافية والتجمعات وفرض قيود على الأنشطة التجارية للمقاهي والمطاعم، وحظر تجول ليلي وإلزامية ارتداء الكمامات الواقية.

ولا يسمح للمطاعم والمقاهي بالعمل بعد الساعة الرابعة عصرا فيما يبدأ حظر التجول الليلي من الساعة الثامنة ليلا وحتى الساعة الخامسة صباحا باستثناء عطلة نهاية الأسبوع (السبت والأحد) الذي يمثل ذروة النشاط التجاري لهذه الأماكن حيث يبدأ سريان حظر التجول الليلي عند السابعة مساء.

ومددت الحكومة التونسية السبت الماضي، هذه القرارات لثلاثة أسابيع إضافية ما أشعل الغضب في صفوف العاملين في الليل.

وقال النقيب ماهر الهمامي عن نقابة المهن الموسيقية “عندما تقطع الحكومة أرزاق الموسيقيين وعملهم في الليل فهل فكر رئيس الحكومة في كيفية عيشهم. هؤلاء لديهم أطفال وإيجار والتزامات”.

أحمد البيج: الشباب يعانون أوضاعا شديدة الصعوبة بعد توقف أو إلغاء أو تأجيل الأنشطة الثقافية والفنية بسبب الحظر الليلي
أحمد البيج: الشباب يعانون أوضاعا شديدة الصعوبة بعد توقف أو إلغاء أو تأجيل الأنشطة الثقافية والفنية بسبب الحظر الليلي

وتابع الهمامي “الوضع لم يعد يطاق. الناس ليس لديهم ما يأكلون وقد بدأوا ببيع أثاث المنزل”.

ودفعت تدابير الحكومة المسارح ودور الثقافة والسينما إلى تعليق عروضها وأنشطتها. كما قررت وزارة الثقافة التونسية إلغاء المهرجانات الكبرى أو تأجيلها إلى العام المقبل.

وقال عضو اللجنة العلمية لوباء كورونا الحبيب غديرة إن “حظر التجول الليلي يهدف للتقليص من الاكتظاظ في السهرات الخاصة والمقاهي والملاهي الليلية لوقف انتشار عدوى الفايروس”، داعيا إلى ضرورة التقيد بالبروتوكولات الصحية.

وأضاف غديرة أن “تونس تعرف انتشارا مجتمعيا كبيرا للفايروس ما زاد في عدد المرضى المقيمين في المستشفيات خلال الأيام القليلة الماضية”، مستبعدا في السياق ذاته العودة للحجر الصحي الشامل حاليا.

وأكد على أنه ما زالت هناك فرصة وهامش للسيطرة على المرض، قائلا “يجب أن نوقف هذا الانتشار السريع للمرض في الوقت الراهن حتى لا تتجاوز المستشفيات طاقة استيعابها”.

وترفض نقابات مهنية هذه القرارات، فقد اجتمعت تحت شعار “بالفن نفك حقي”، ثلاث نقابات فنية؛ النقابة الأساسية لمهن الفنون الدرامية، النقابة الأساسية للفنون التشكيلية ونقابة المهن الموسيقية التابعة لاتحاد العام التونسي للشغل، مؤخرا أمام مدينة الثقافة الشاذلي القليبي في إطار تحرك رمزي فني احتجاجا على القرارات الحكومية بتعليق الأنشطة الثقافية وغيرها من المطالب النقابية.

ويبلغ عدد المرضى المقيمين في المستشفيات قرابة 452 مريضا، بينهم 124 في أقسام الإنعاش.

وتتصدر سوسة والمنستير وتونس الكبرى ونابل وسيدي بوزيد قائمة الولايات التي تشهد انتشارا أكثر لفايروس كورونا، حسب المديرة العامة للأمراض الجديدة والمستجدة نصاف بن علية.

وقالت وزارة الصحة إنه يتعيّن التعايش مع الفايروس بالتزامن مع اتخاذ التدابير اللازمة للحدّ منه، ومن بينها منع العمل في الأماكن العامة ليلا، ومنع التجمعات مثل الأفراح والمناسبات العائلية.

ولا تحظى هذه القرارات في تونس بالإجماع خصوصا لدى فئة الشباب الذين بدأوا بالعودة إلى نشاطاتهم والتجمع في أماكن أخرى مثل الحدائق العامة أو داخل المطاعم مع إغلاق الأبواب أو حتى داخل منازلهم.

وانتقد بعض نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي قرارات الحكومة متسائلين عن جدوى إقرار حظر التجول الليلي.

واعتبروا أن فايروس كورونا لا يختلف بين ساعات النهار وفترات الحظر الجزئي الليلي، وأن الإصابات بالفايروس لن تقتصر على ساعات منع التجول، وقالوا إن فترة الحظر الجزئي باتت غير ذات جدوى وإن المطلوب رفعها لإتاحة عودة الحياة الطبيعية مع ضوابط الوقاية الصحية المطلوبة من الفايروس.

قطاع تكبد خسائر كبيرة
قطاع تكبد خسائر كبيرة 

ويرى مختصون في علم الاجتماع، أن الشباب بدأوا يعانون من اضطرابات نفسية بسبب فرض الحظر خلال فترة جائحة كورونا واستمراره إلى الآن، ويشككون في المبررات وراء تمديد الحظر الجزئي وفقا لساعات ليس لديها أي قيمة في عملية حصر المرض.

وأكدوا أن إجراءات الحجر، غيرت عادات وطبائع الكثيرين، خاصة ممن يسكنون المدن، وولدت معاناة نفسية كبيرة لديهم.

وقال غيث السويسي مؤسس المنصة الرقمية “احكيلي” للصحة النفسية، إن “فرض الحجر الصحي على المواطنين ومنعهم من التجول بصورة طبيعية قد أثر على الصحة النفسية لمختلف شرائح المجتمع التونسي”.

واعتبر أنه “من الضروري لتجاوز هذا الوضع الصعب، تغذية مناخ الثقة بين المواطن والسلطات في البلاد وخاصة وزارة الصحة وطمأنة المواطنين بشأن قدرتها على السيطرة على الأزمة الحاصلة بسبب هذا الوباء”.

وتتركز فكرة الحظر في الأساس على منع التجمعات لوقف انتشار المرض، ولكن مع سماح الحكومة بالدوام في المدارس والجامعات والوظائف وفتح بعض الأنشطة أصبح الحظر أقل كفاءة أو بلا جدوى، بنظر الكثيرين، لذلك يطالبون بإلغائه.

وتعد تونس واحدة من الدول التي تأثرت بشكل كبير بسبب تفشي فايروس كورونا، حيث تعرض اقتصادها إلى ركود غير مسبوق وتأثرت عدة قطاعات على غرار السياحة والنقل.

وفقد العاملون في القطاع السياحي في تونس آمال انتعاش قطاعهم رغم التضحية الجسيمة بفتح حدود البلد الذي تسبب في عودة انتشار فايروس كورونا، وبات الاقتصاد المحلي في مرمى نيران بسبب فقدانه لأحد أهم مصادر تمويله.

ويوفّر القطاع السياحي بتونس 400 ألف فرصة عمل مباشر وغير مباشر، وحوالي مليون فرصة عمل في مجالات لها علاقة بالقطاع السياحي، مثل الأنشطة الثقافية والفنية والمهرجانات، أي أن عددا كبيرا من الشباب فقدوا عملهم إلى أجل غير مسمى.

وقادت هذه الجائحة اقتصاد البلاد إلى تسجيل عجز في موازنتها لم تشهده منذ 4 عقود، قد يصل إلى 14 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما أثر على الأوضاع المعيشية للتونسيين، حيث زادت وتيرة الاحتجاجات في المناطق الداخلية للبلاد، خلال الأشهر الماضية، بسبب تفشي البطالة التي وصلت إلى نسبة 18 في المئة، ونقص التنمية وسوء الخدمات العامة في الصحة والكهرباء.

كما يشعر الشباب بمخاوف كبيرة على مستقبلهم في ظل الوضع الحالي وقلة فرص العمل خصوصا الذين أنهوا دراستهم ومقبلين على سوق العمل، إذ من غير الواضح متى ستخرج البلاد من أزمتها الاقتصادية التي بدأت قبل ظهور الفايروس وتفاقمت بعد انتشار الوباء، ويستلزم التعافي فترة ليست بالقليلة بحسب تصريحات المسؤولين في تونس.

19