الجنة تعج بالفقراء

الامتعاض الذي يبديه الفقراء من سحر وبهرجة عالم الأثرياء قد يكون مشروعا لكن أسبابه كثيرة، متنوعة، واسعة وضيقة أحيانا.
الثلاثاء 2021/05/25
الاستثمار في "اندهاش البسطاء"

البسطاء وحدهم، يبدون اندهاشهم من طرق فاحشي الثراء في الاستمتاع بأوقاتهم، فيبدون استخفافهم أو امتعاضهم من تلك المظاهر التي تجنح للمبالغة والإبهار إلى حدّ الفانتازيا.

استثمرت المنصات الاجتماعية، بدورها، في “اندهاش البسطاء” وجندت لذلك كل طرق المراقبة والرصد والتلصّص على تلك “الحدائق المحرمة” بل إن الأثرياء أنفسهم، استثمروا في ذلك الاندهاش الذي يبديه البسطاء حيال طرق فاحشي الثراء في الاستمتاع بأوقاتهم.

غالبية الفقراء يدينون طبعا، تلك المبالغات الاحتفالية في عالم المال والأعمال، لكن منهم من يدمن على متابعتها وتقصي أخبارها بشغف شديد، فتراه يحفظ أعداد وماركات السيارات التي يقتنيها الملياردير الفلاني، أكثر من الملياردير نفسه.. وهو ما ينطبق عليه المثل العامي “الكسّابة تكسب والحسّابة تحسب”.

الامتعاض الذي يبديه الفقراء من سحر وبهرجة عالم الأثرياء قد يكون مشروعا لكن أسبابه كثيرة، متنوعة، واسعة وضيقة أحيانا، لذلك يبتدع البسطاء آليات دفاع عن فقرهم تتمثل في مجموعة مقولات بغاية المواساة الذاتية و”تحصين أنفسهم من مصائب الأثرياء وفواجعهم”.

طرق التماس الأعذار هذه كثيرة ومتلونة الفصول والغايات، وتبدأ من الادعاء بأن الجنة تعج بالفقراء والمحرومين، مرورا بالقول إن الأوبئة والأمراض الخبيثة وداء النقرس، تصيب أصحاب الكروش المنتفخة والموائد العامرة، ووصولا إلى أن للفقر فوائد وملذات كملذات الغنى، لا بل أجمل وأمتع منها، لو كانوا يعلمون.

وثمة وصمة أخرى ألصقها الفقراء بالأغنياء وهي قلة ذات الحيلة والهبوط الحاد في نسبة الذكاء، بسبب حياة الكسل والاسترخاء، وأطلقوا حكايات وطرائف ومغامرات أبطالها شطار من الطبقة الفقيرة إزاء مغفلين وحمقى من الطبقة الغنية.

 هذه السردية ما زال يلوكها البعض ويرددها كحقيقة واقعة، وينسجون لها الحكايات ثم يلصقونها بأمثلة عن فقراء معدومين أصبحوا أثرياء مرموقين.. فهل فقد هؤلاء ذكاءهم لمجرد أن صاروا أثرياء؟

هل سأل هؤلاء ذواتهم لماذا وكيف أصبح هؤلاء أثرياء؟ هل جاء ذلك بفضل غبائهم؟

لو كانت هذه المعادلة صحيحة لألفت كتابا يحمل عنوان “كيف تصبح غبيا في ثلاثة أيام” وطبعت منه عشرات الملايين من النسخ مترجمة إلى كل لغات العالم.. وأصبحت مليارديرا.

من يظن أن أهل المال قوم مغفلون ويمكن الضحك على ذقونهم بسهولة، هو مغفّل أو يتمتع ببلاغة لغوية قل نظيرها مثل ذلك الأديب الذي كتب إلى الخليفة أبوجعفر المنصور، يسأله الزيادة في رزقه. وكان الكتاب مليئا بالبلاغة. فكتب المنصور حاشية على الطلب “إن الغنى والبلاغة إذا اجتمعا في رجل، أبطرتاه، وأمير المؤمنين يشفق عليك من ذلك، فاكتف بالبلاغة”.

24