الجماعة المالية الأفريقية ذراع فرنسا الاستعمارية

باريس تحافظ على علاقات طيبة مع مستعمراتها السابقة بهدف توفير الوصول الحر والمستمر للمواد الخام ”الإستراتيجية” التي تعد ذات أهمية حيوية لتطوير الطاقة النووية.
الخميس 2019/10/10
عين على المصالح

تزيد حاجة فرنسا الاستهلاكية والصناعية من مواصلة استغلال المستعمرات الأفريقية التي كانت تحتلها والتي تعد غنية بثرواتها الطبيعية. وعمق التنافس الحاد بين باريس وباقي العواصم العالمية احتياجها إلى هذه البلدان ما جعلها تدفع بكامل ثقلها إلى التدخل في سياستها رغم حصول هذه الدول على استقلالها نظريا.

  باريس  – ترتكز قوة باريس الحالية أساسا على مواصلة فرنسا فرض هيمنتها على مستعمراتها الأفريقية السابقة وتتمثل أنشطتها الجديدة في نطاق منطقة بلدان الجماعة المالية الأفريقية.

وتأسست هذه الجماعة على نموذج سائد منذ 60 عاما تقريبا يخدم مصالح باريس الاقتصادية والسياسية، والاجتماعية الثقافية.

وتعتمد أنشطة الجماعة في تعاملاتها المالية على الفرنك الذي فرضته فرنسا عملة لاستخدامه في المناطق التي كانت تخضع لسيطرتها الاستعمارية في أفريقيا.

والفرنك الفرنسي الذي استخدم في 21 دولة خلال سنوات اعتماده، ما زال متداولا حاليا في 14 دولة، ورغم رغبة بعض الدول الأفريقية في الخروج من الجماعة المالية الأفريقية، إلا أنها تصطدم بالعائق الفرنسي.

وحاول الانقلابيون في مالي سنة 2012 مثلا التخلي عن الفرنك، إلا أن تمردهم تدخلت فيه جماعات إسلامية متشددة جعلت فرنسا تتدخل عسكريا في البلاد.

وتعمل منطقة الفرنك الأفريقي اليوم وفقا لخمسة معايير أساسية، الأول تحديد التعادل الثابت للعملة مقابل اليورو إذا لزم الأمر، يتم من خلال التشاور مع باريس، وفي ضوء قرار يتم التصديق عليه بالإجماع من قبل جميع الدول الأعضاء في الاتحاد النقدي. والمعيار الثاني قابلية تحويل الفرنك الأفريقي إلى اليورو، والثالث حماية الفرنك الأفريقي من قبل فرنسا، من خلال كل بنك مركزي إقليمي يعمل لدى الخزانة الفرنسية.

والرابع حرية تنقل رأس المال بين منطقتي الفرنك الأفريقي (البنك المركزي للكاميرون والدول الأفريقية الاستوائية والبنك المركزي لدول غرب أفريقيا) من جهة، وفرنسا من جهة أخرى، فيما المعيار الأخير تقاسم احتياطات النقد الأجنبي في كل اتحاد إقليمي.

ويرجع متابعون سبب مثل هذه الأنشطة إلى اعتماد فرنسا المفرط على المصادر الأفريقية الفرنكوفونية لتوريد المواد الخام الرخيصة.

فرنسا تتدخل عسكريا لحماية مصالحها في مستعمراتها السابقة
فرنسا تتدخل عسكريا لحماية مصالحها في مستعمراتها السابقة

وتستورد فرنسا منذ سنوات، معظم احتياجاتها من اليورانيوم، من النيجر والغابون وجمهورية أفريقيا الوسطى، حيث تتمتع باريس بعلاقات مميزة مع تلك الدول.

وتهدف إقامة باريس لعلاقات طيبة مع مستعمراتها السابقة إلى توفير الوصول الحر والمستمر للمواد الخام ”الإستراتيجية” التي تعد ذات أهمية حيوية لتطوير الطاقة النووية، وتأمين تلك المواد بشكل منتظم.

وعملت فرنسا منذ إعلان هذه البلدان عن استقلاها على المحافظة على روابطها العميقة بأبعادها السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية مع مستعمراتها السابقة ما جعل هذه الأخيرة تعرف اليوم باسم “أفريقيا الفرنسية”.

ولم تتوقف سياسات فرنسا لاحتكار استغلال موارد البلدان الأفريقية على المساعي السياسية وترسيخ ثقافاتها بل اعتمدت باريس أيضا على لغة السلاح تحت ذريعة مكافحة الإرهاب.

وأدت على سبيل المثال لا الحصر الأزمات السياسية والاقتصادية التي مرت بها مالي إلى صراعات عديدة كان آخرها ذلك الذي نشب في عام 2012.

وانخرطت في هذا النزاع جماعات إسلامية متطرفة ما جعل فرنسا تتدخل في عام 2013 وتقاتل إلى جانب القوات الحكومية بهدف القضاء على الجماعات المتشددة. ويرى مراقبون أن الدول الأفريقية أزالت القلق الذي يساور فرنسا بشأن بقائها قوية وطرفا فاعلا يزاحم بقية الأطراف حيث تؤمن الطاقة النووية في فرنسا 80 بالمئة من إنتاج الكهرباء.

ولكون باريس بحاجة مستمرة إلى اليورانيوم من أجل إنتاج الطاقة النووية، تلجأ إلى توفير جزء كبير من احتياجاتها من اليورانيوم من بلدان “أفريقيا الفرنسية”، مثل النيجر ومالي والغابون وجمهورية أفريقيا الوسطى.

وأبرمت شركة كهرباء فرنسا التي تدير مفاعلات الطاقة النووية بالبلاد، اتفاقات لتوريد اليورانيوم الطبيعي من أستراليا وكندا والنيجر وكازاخستان، تغطي به حوالي 90 بالمئة من احتياجات 58 محطة كهرباء فرنسية.

ويقول خبراء إنه حتى لو تم وقف الاحتياطي القادم من النيجر، فإن مخزونات الشركة كبيرة لدرجة تمكنها من تلبية الطلب على اليورانيوم، أي أن النيجر لم تعد مهمة بالنسبة إلى فرنسا كما كانت عليه من قبل.

وتواجه فرنسا العديد من المتاعب في فرض هيمنتها على أفريقيا بسبب التنافس الحاد هناك رغم الأبوية السياسية والاقتصادية التي أنشأتها فرنسا هناك والتي كانت قد منحتها مساحة.

والأبوية، شكل من أشكال السلطة السياسية التي يكون فيها الحاكم أو ممثلو الدولة الآخرون بمثابة الأب، ويكون المواطنون بمثابة الأبناء، وهنا تعني أمرين أحدهما سياسي والثاني اقتصادي.

ولعل أبرز أحد أشكال هذا الصراع ذلك الذي نشب بين فرنسا وإيطاليا على ليبيا التي ترزح منذ سنوات تحت وطأة الحرب بسبب التدخلات الأجنبية وغياب مقومات الدولة داخليا بسيطرة ميليشيات حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج على المنشآت الحيوية.

5