الجائحة تعفي الشباب من التكاليف الباهظة لحفلات الزفاف

الظروف الطارئة فرصة لإعادة النظر في عادات الزواج في العالم العربي.
الأحد 2021/01/17
مدعوون يشاركون الفرح عن بعد

اغتنم الكثير من الشباب فرصة الظروف الحالية لفايروس كورونا لإجراء حفلات زفاف عائلية وبسيطة لم تكن ممكنة في ظل الظروف العادية بسبب العادات والتقاليد الاجتماعية. وحتى من كان يطمح للقيام بحفلات ضخمة التكاليف اكتشف خلال هذه الفترة ما هو الأساسي وما هو غير الضروري، وكم سيوفر من المال والراحة النفسية وتخفيف الأعباء.

عمان - بعد خطوبة دامت لسنة ونصف تقريبا جاءت جائحة كورونا لتقلب الأوضاع بالنسبة إلى أحمد وعلا، ففي البداية قررا تأجيل حفل الزفاف حتى نهاية الوباء، لكن مع إدراكهما أن الأمر سيطول أقاما حفلا عائليا صغيرا.

وقال أحمد إنه كان يأمل في إقامة حفل كبير يجمع الأصدقاء والأقارب بحسب ما قام بالترتيب له، ولم يكن يعبأ كثيرا بالتكاليف رغم أن أنه قد يضطر إلى الاقتراض، ولكنه اليوم يقر بأن الجائحة قلّلت من النفقات الكثيرة وخففت الأعباء المادية لحفلة الزواج.

ويرى أحمد (29 عاما)، الذي لم يمض على عمله في شركة للبناء سوى عامين، أنه رغم صعوبة الظروف الراهنة في فترة الوباء إلا أنها مثلت فرصة بالنسبة إلى الشباب غير القادرين على إقامة حفلات تكلفهم الكثير لإتمام الزواج.

وأكد أن مناسبات الزواج من غير حفل زفاف في زمن كورونا أعادت التفكير في مسألة جدوى الاحتفال وحضور المئات من الأشخاص على حساب كاهل الشاب المثقل بالديون من أجل هذا التقليد.

وانخفضت تكاليف الأعراس بنسبة تتخطى 60 في المئة خلال أزمة فايروس كورونا العالمية مع استغناء الشباب عن قائمة طويلة من الفعاليات والمراسم المتعلقة بالزفاف.

وساهمت الإجراءات الاحترازية لمنع تفشي الوباء، عبر منع التجمعات وإغلاق صالات الأفراح ومنع التجول ومنع التنقل بالسيارات أحيانا، في إيجاد الحلول لعدد كبير من الشباب المرتبطين بخطوبة لاستكمال زواجهم دون حفلات كبيرة واقتصار الحضور على عدد محدّد من أهل العروسين، بطريقة ترفع عنهم الحرج الاجتماعي.

وامتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بصور لدعوات حفل زفاف، وصالات البيت التي يتم الزفاف فيها، وسيارات موضوع عليها كمامات.

واكتفى بعض الشباب بإشهار زواجهم من خلال توزيع بطاقات إلكترونية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأعلنت العائلات في هذه البطاقات عن عقد قران وزفاف ابنها على ابنة فلان، آملة ممن تصله بطاقة العرس في الدعاء للعروسين بالسعادة والتوفيق والذرية الصالحة من دون الحضور.

وقال الكثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي إن الزفاف في هذه الأوقات فرصة لإقامته دون مظاهر البذخ والتبذير التي تشكل عبئا اقتصاديا على العروسين وذويهم، بعيدا عن العادات المتوارثة، فيما أصر آخرون على أن إقامة حفلات الزفاف في صالات الأفراح لها بهجة خاصة وسط حضور جميع الأحباب.

بعض الشباب اكتفوا بإشهار زواجهم من خلال توزيع بطاقات إلكترونية عبر وسائل التواصل الاجتماعي مع طلب عدم الحضور
بعض الشباب اكتفوا بإشهار زواجهم من خلال توزيع بطاقات إلكترونية عبر وسائل التواصل الاجتماعي مع طلب عدم الحضور

وفرضت جائحة كورونا نمطا سلوكيا جديدا على الجميع بحيث أصبح الناس يقبلون في ظلها على ما كانوا يرفضونه في الظروف العادية. كما أن أثرها بارز وواضح في مفاصل الحياة كافة وبشكل أوضح في حفلات الزواج. فمن جانب تقلصت أعداد المشاركين فيها لجهة اقتصارها على أعداد معينة التزاما بإجراءات السلامة العامة، فضلا عن تقليل الكلفة المالية عبر إقامة هذه المناسبات في المنزل عوضا عن الفنادق والصالات والمطاعم.

وذهب البعض إلى الدعوة لاستثمار الجائحة بشكل إيجابي رغم ما سببته من أزمات في مختلف جوانب الحياة، ووجدوا أنها أنسب فترة للشباب الراغبين في الزواج ولم يكونوا قادرين في الظروف العادية على إتمامه بسبب التكاليف. ويرى هؤلاء أنه بات يسهل إقامة حفلات زواج بسيطة وميسّرة وتفي بالغرض وفي ذات الوقت مقبولة من جميع الأطراف، وحتى لأولئك الذين يتوفرون على إمكانيات مادية لكنهم يجدون صعوبة في إرضاء الجميع، وأحيانا يقع خلاف بين العروسين وأسرتيهما على مكان إقامة الحفل وتفاصيله وطبيعة المدعوين، فقد وحّدت الجائحة الجميع.

ودعا البعض ممن تزوجوا حديثا الجميع إلى الزواج والارتباط بشريكة الحياة خلال هذه الفترة، مقدمين النصيحة بأن يكون الزواج بسيطا خاليا من البذخ الزائد في حفلات الرجال أو النساء على السواء.

وغابت معظم مراسم وطقوس الأعراس التقليدية الفلسطينية في قطاع غزة نظرا لتفشي الفايروس. وكانت الأعراس في غزة تشتهر بالعديد من المظاهر، كمشاركة عدد كبير من النساء والرجال فيها وإقامة عدة حفلات بعضها خاص بالعريس وآخر بالعروس، وتنظيم موكب للزفاف وتنظيم الولائم التي يُدعى لها الأقارب والأصدقاء.

لكن إبراهيم استأجر سيارة حديثة دون تزيينها على خلاف العادة الفلسطينية، وأخذ عروسه لالتقاط صور تذكارية خاصة بالزفاف في إحدى الحدائق المنزلية الخاصة بمدينة خان يونس، ثم ذهب بها إلى شاطئ البحر.

أما حفل الزفاف، فأقيم على سطح منزل العروس آلاء وبدت الإجراءات الاحترازية فيه واضحة، حيث تم منع المصافحة والعناق والتقبيل.

واحتوى السطح على مقعدين للعروسين ونحو 30 كرسيا يعلو كل منها كمامة ويبعد كل كرسي عن الآخر، مسافة متر. وعند دخول كل سيدة للمكان تقوم بتعقيم يديها.

جائحة كورونا فرضت نمطا سلوكيا جديدا، حيث أصبح الناس يقبلون في ظلها على ما كانوا يرفضونه في الظروف العادية

ويصف إبراهيم الزواج العائلي المختصر والبسيط في ظل وجود هذه الجائحة بأنه “عين العقل وفي مصلحة الشاب والفتاة، إذ تعلمنا من كورونا ما هو الأساسي في حياتنا وما هو غير ذلك، وكم سيوفر الشاب من المال والراحة النفسية وتخفيف الأعباء”.

وابتعد الشباب خلال هذه الفترة عن الدعوة المباشرة للأقارب من مختلف المدن لحضور الزفاف الذي يكلفهم أموالا كثيرة، وقد يضطر البعض إلى الاقتراض كي يظهر بشكل يليق بمكانته الاجتماعية وكل ذلك من أجل ساعات بسيطة جدا وقد تسبب تعاسة مستقبلية للشباب.

وقال إبراهيم “يجب علينا أن نستفيد من الدروس التي تقدمها الجائحة والتعلم من الأخطاء السابقة من حيث التكاليف الباهظة التي كنا ندفعها من أجل الزواج، إذ أن الزواج حاليا من شأنه توفير الكثير من المال على الشباب”.

وما تشهده المحاكم اليوم من ازدياد في نسب حالات الطلاق هو إحدى صور الزيجات ذات الأرقام الفلكية، والتي لا ينتهي أثرها عند حد الطلاق بل يستمر مداها إلى زمن طويل، وربما تؤدي بصاحبها إلى خلف القضبان.

وسجلت أعداد الزيجات تزايدا خلال الأشهر الأخيرة لتشكل نموذجا متميزا لإتمام الزواج وخفض بعض التكاليف بشكل كبير، مقارنة بانتظار انتهاء الأزمة ومن ثم تكبد الكثير من التكاليف التي يمكن الاستغناء عنها، فضلا عن تأخير الزواج.

وهذا حال الكثير من الأسر التي ألغت إقامة حفلات أعراس مراعاة لظرف كورونا الراهن، الذي لا يمكن فيه المغامرة بإقامة حفل زواج ودعوة الأقرباء والأصدقاء للحضور، بما في ذلك المخاطرة غير محسوبة العواقب على السلامة العامة جرّاء التجمع والاختلاط، والذي قد يخلف ندما في الوقت الحالي دون الفرحة المنشودة.

وهناك من يرى أن فايروس كورونا سيصبح جزءا من الحياة اليومية لهذا لا يمكن أن يتوقف الناس عن الزواج وعقد القران لفترة طويلة، خصوصا أن العديد من الشباب قاموا بتأجيل حفلات زواجهم لأشهر طويلة من بدء الوباء تقريبا ولم يعد بإمكانهم تأجيلها أكثر لأنهم قاموا باستئجار منازل ليستقروا فيها بعد الزواج. ويقدم هؤلاء مثالا على بعض الشباب ممن دفعوا معلوم استئجار سنة كاملة وبعد تأجيل حفل زواجهم بسبب الفايروس وجدوا أن الأموال التي دفعوها ذهبت أدراج الرياح. ولأن الأمر طال عليهم اضطروا إلى إقامة حفلات بسيطة في المنازل والزواج دون تحضيرات لاستغلال المنازل الذي استأجروه ولم يقطنوه لعدة أشهر بسبب تأجيل موعد زواجهم.

حفلات بإمكانيات بسيطة
حفلات بإمكانيات بسيطة

وكشف موقع وزارة تنمية المجتمع في الإمارات أن عدد طلبات المشاركة في العرس الجماعي الذي تنظمه الوزارة سنويا وصل إلى 117 طلبا خلال عام 2020 والذي شهد تقييدا على إقامة المناسبات الاجتماعية الحضورية، بما فيها حفلات الزفاف الفردية والجماعية نتيجة الالتزام بإجراءات الحد من انتشار فايروس كورونا. ويؤيد الكثيرون إقامة “الأعراس الافتراضية” حتى بعد انتهاء جائحة كورونا.

وتم تعليق إقامة الأعراس الجماعية في الإمارات خلال العام الماضي بسبب تطبيق الإجراءات الاحترازية للحد من انتشار فايروس كورونا، إلا أن باب تقديم المشاركة في تلك الأعراس التي تخفف من تكاليف ومصاريف إتمام الزواج كان مفتوحا عبر موقع وزارة تنمية المجتمع، في وقت زادت نسبة الشباب الذين لجأوا إلى إقامة العرس الافتراضي لإتمام زواجهم في الفترة الاستثنائية التي تشهدها دول العالم بسبب الجائحة.

وتقتصر حفلات الزفاف الافتراضي على حضور أقارب العروسين من الدرجة الأولى، فيما يشارك بقية المدعوين بحضور الزفاف عبر تقنيات الاتصال الذكية.

وأيدت الوزارة فكرة الزفاف الافتراضي كإحدى وسائل تخفيف الأعباء المادية عن كاهل الشباب المقبل على الزواج، وناقشت أهميته وفوائده في ندوة شارك فيها عدد من الخبراء الاجتماعيين.

وصرحت وزيرة تنمية المجتمع حصة بنت عيسى بوحميد خلال الندوة بأن “الزفاف الافتراضي يعد واحدا من المنح التي اقتنصها المجتمع الإماراتي من محنة كوفيد – 19”.

وأشارت إلى أن هذا النوع من حفلات الزفاف “فيه معايشة لسلوك الأوّلين في حكمتهم وممارستهم لما قلَّ ودلَّ من التكاليف التي لا ترهق كاهل الشاب، والتركيز على الأهم وهو المضي نحو الاستقرار الأسري والترابط العائلي”.

وتصرف وزارة تنمية المجتمع تنفيذا لأحكام القانون الإماراتي منحة للزواج بهدف مساعدة الشباب والفتيات على البدء في حياتهم الزوجية والأسرية باستقرار واطمئنان عبر تقديم الدعم المالي الذي يمنحهم الثقة للإيفاء بمتطلبات الزواج، ويسهم في التخفيف عنهم ماديا، كما تطبق الوزارة برامج توعوية تعزز نسبة الوعي لديهم بجوانب الحياة الأسرية بعد الزواج وكيفية بناء أسرة مستقرة ومتماسكة ومكتفية ماديا.

وقال الكثير من الشباب إن أزمة كورونا الحالية يجب أن تكون فرصة لإعادة النظر في عادات الزواج في العالم العربي، والتي في مقدمتها المبالغة في تكاليف الأعراس وحفلات الزفاف، مؤكدين أن هذه الحفلات ليست معيارا للسعادة.

وتشكل الجائحة فرصة لمراجعة بعض السلوكيات المغلوطة لدى الشباب حول فكرة الزواج القائم على البذخ والإسراف، واستعادة الثقة بأن الزواج يكون بأدنى التكاليف وأقل النفقات دون الحاجة إلى المبالغة في إقامة الحفلات وحجز الصالات من أجل تكوين أسرة متماسكة تستهدف صنع سعادة بعيدة الأمد وليست فرحة قصيرة.

19