التغيير في العراق صفقة شاملة لا يمكن تجزئتها

كل محاولات ودعوات الإصلاح لن تفضي إلى شيء إن لم تتعامل مع هذه الحقيقة، التي هي الطريق الوحيد للسيطرة على الفساد.
الجمعة 2019/11/08
العراق.. دولة منهكة متآكلة من الداخل

أمراض العراق شاخصة للعيان ومعروفة: الفساد المالي والإداري، المحاصصة الطائفية والعرقية، وتضخم الأجهزة الحكومية وتردي أدائها، وتدهور الخدمات بمجملها ومنها الأمن والماء والكهرباء والصحة والتعليم والنقل، وتدهور الإنتاج الاقتصادي وعلى الأخص الزراعة والصناعة، والبطالة والبطالة المقنعة، وأزمة المياه والبيئة، وتسييس القضاء والإعلام، وتفشي المخدرات، وهجرة العقول والخبرات الفنية والإدارية، والقائمة تطول.

من يعتقد بأن في الإمكان التركيز على أي من هذه الظواهر وإصلاحها بمعزل عن مجمل الأوضاع الأخرى، فهو واهم لأنها جميعها مترابطة وأصلها واحد: النظام السياسي. فدون إصلاح النظام السياسي لن يكون هناك إصلاح جدير بالاسم، بل مجرد إجراءات ترقيعية جزئية سطحية تافهة إن قورنت بحجم المشكلة.

هل بإمكان النظام السياسي أن يصلح نفسه؟ الجواب: كلا! لسبب بسيط وهو أنه مصمم لتقسيم الغنائم على أطراف داخلية وخارجية مستفيدة تمسك بمقاليده، وليس مصمما لحل المشاكل التي يعاني منها البلد. هذا مع أن الجميع في القيادات السياسية ينادي بالإصلاح ويدعي أنه يسعى إليه والكل يريده على شرط عدم المساس بمصالحه.

المحاصصة الطائفية والعرقية هي الأداة التي اتخذوها لتقسيم الغنائم وهي التجسيد العملي للهيمنة على موارد هذه الدولة الريعية ونهبها بشكل منظم ومشرعن.

العراق دولة منهكة أصبحت ضعيفة متآكلة من الداخل بعد عقود من الدكتاتورية والحروب والحصار. لو نظرنا إلى المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تنشرها الأمم المتحدة وقارنّا ما كانت عليه في العراق عام 1978 وما آلت اليه عام 2003، نجد تدهورا مريعا على جميع الأصعدة. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار التقدم المذهل الذي حصل في أغلب دول العالم في نفس الفترة ندرك مدى التدهور النسبي الذي أصاب العراق. لذلك لم يكن هناك من يدافع عن النظام الصدامي عندما جاء الغزو العسكري الأميركي ليزيله.

القيادات التي تصدرت المسرح السياسي بعد التغيير كانت متنوعة. القيادات الكردية كانت منظمة ومستقرة نوعا ما ولديها موارد وتجربة في الحكم الذاتي في كردستان منذ 1991. وأحزاب الإسلام السياسي ولاسيما الشيعية منها كانت مؤهلة ومنظمة ومدعومة. أما التوجهات الأخرى فلم تكن منظمة أو مدعومة وإن كانت باعتقادي تتمتع بقاعدة واسعة من التأييد بين المثقفين والإداريين.

وقد عقدت القيادات الكردية “تحالفا استراتيجيا” مع الأحزاب الإسلامية الشيعية، حصلت من ورائه على مكاسب آنية وفتحت الطريق أمام الأحزاب الإسلامية الشيعية للقفز على السلطة في بغداد والاستحواذ على موارد الدولة وتسخيرها ليس للبناء، بل لتثبيت هيمنتها. تلك الموارد استعملت لتقوية الأحزاب نفسها وتكوين منظومة ولاءات مصلحية (a system of patronage). ولكي تديم هذه المنظومة اضطرت تلك الأطراف إلى إشراك قيادات تمثل “السنّة” يتصدرها الحزب الإسلامي، وتبين لاحقا أنها كانت لا تقل تعطشا للسلطة والمنافع التي تنتج عنها.

هكذا ولد نظام المحاصصة الذي أصبح أساسا راسخا وفتح الباب أمام فساد مكشوف يتجاوز بشموليته وصفاقته وضراوته أي نموذج آخر نعرفه في العالم الحديث. فالطائفية والعرقية السياسية أورثتا المحاصصة والمحاصصة أورثت الفساد ولا فكاك بين أطراف هذه المعادلة.

وكانت النتيجة الحتمية والمنطقية للمحاصصة والفساد هي تضخم أجهزة الدولة لأن التوظيف في دوائر الحكومة سواء الأمنية منها أو المدنية أصبح من الأدوات السياسية لتثبيت الولاءات. فليس مهما تقدير حاجة أي دائرة معينة، المهم أن تستمر التعيينات. ومع مرور الزمن وتضخم عدد الشباب من خريجي الجامعات العاطلين عن العمل وزيادة الضغط الناجم عن السخط والاحتجاجات، تضطر الحكومة إلى خلق درجات وظيفية لا مبرر لها لامتصاص هذا السخط مما يزيد الطين بلة.

تضخم أجهزة الدولة، لا يمثل عبئا على الميزانية فقط، بل يحرم الشعب من موارده ويعيق أداء الحكومة. فالمناصب التي توزع على أساس الولاء والمشاركة في الفساد، لا تأتي بالأكفاء المختصين. وهذا ينطبق على كل الوظائف من الوزير إلى المنتسبين “الفضائيين” والنتيجة فشل حكومي خطير في كل القطاعات. وما الهجمة الإرهابية الهمجية التي قامت بها داعش إلا من نتائج ذلك الفشل، وما كان لها أن تحصل لولاه. ولذلك نعود فنؤكد أن جميع مشاكل العراق مترابطة ولا يمكن إصلاحها إلا باصلاح النظام السياسي.

الدستور على علاته يحرّم التمييز على أساس ديني أو طائفي أو عرقي، ولكن نجد الثقافة السياسية والممارسة العملية السائدة تقول إن رئيس الوزراء لا بد أن يكون شيعيا وإن الرئاستين الأخريين يتسنمهما سني وكردي! هذا ترتيب تم التقديم له في عام 2004 كإجراء مؤقت لتطمين الـ”مكونات” ولم يلبث أن تحول إلى عرف ثابت يعتبر من البديهيات وبذلك تلبنن العراق بالرغم من دستوره المكتوب وبضده.

ولكي يخرج العراق من المأزق الذي هو فيه، يجب أن يتغير كل ذلك. المواطنون متساوون في الحقوق وكل مواطن له الحق الكامل في أي منصب في الدولة، إذا كان مؤهلا له بغض النظر عن انتماءاته الفئوية. هذا شرط ضروري للخروج من المأزق. تغيير كامل في الثقافة السياسية والتحول من الطائفية والعرقية التي تجافي الدستور وروح العصر إلى مبدأ المواطنة.

الدين لله والوطن للجميع. ما الذي سيعنيه هذا؟ سوف يعني دولة متماسكة يخضع الجميع فيها لحكم القانون بالتساوي وتكون فيه وظيفة الدولة حماية المواطنين وخدمتهم دون تمييز. الانتماء الديني والمذهبي والإثني كله محترم وهو شأن شخصي للمواطن لا دخل للدولة فيه. ماهو مقدس عند أحدهم قد لا يكون مقدسا عند غيره، وحق المعتقد مكفول ومحترم أمام القانون، والدولة وحدها لها الحق في استعمال العنف وفقا للقانون، الذي كما قلنا يسري على الجميع بغض النظر عن الانتماء أو المنصب، ولا سلطة على المواطن إلا للقانون وبالقانون، وللمواطن أن يمارس حرياته كاملة ويتمتع باختياراته العقائدية دون إلزام الآخرين بها.

هذا هو مبدأ المواطنة الذي يمكن أن تبنى عليه دولة عصرية يمكنها الالتحاق بالركب المتسارع للدول المتمدنة. وبخلافه نبقى ندور في مكاننا في دوامة الثلاثي المدمر (الطائفية – المحاصصة – الفساد) ولا نزداد إلا تخلفا. كل محاولات ودعوات الإصلاح لن تفضي إلى شيء إن لم تتعامل مع هذه الحقيقة، التي هي الطريق الوحيد للسيطرة على الفساد.

9