التغيير في استراتيجيات المتشددين يسلط الضوء أكثر على فشل السياسة الأميركية

تركيز طالبان والقاعدة على التوسع محليا لا ينفي احتمال استهداف واشنطن مستقبلا.
الخميس 2021/09/23
حرب غيرت استراتيجيات التنظيمات الجهادية

لفتت سيطرة حركة طالبان على أفغانستان والتغيرات الطارئة على أيديولوجيات التنظيمات الإسلامية المتشددة واستراتيجياتها انتباه محللين وخبراء إلى أن تركيز الحركات المسلحة أكثر على توسعها داخليا عوض رسم أهداف خارجية، يعكس بشكل كبير فشل سياسة الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب العابر للحدود والتي دفعت بالقوات الأميركية لخوض حروب خارجية ضدّ التنظيمات الإسلامية المتشددة طوال عقود.

واشنطن – يشير التحوّل النموذجي في التفكير الجهادي إلى أن الغزو الأميركي لأفغانستان ربما حقق أكثر مما يريد العديد من خبراء مكافحة الإرهاب أن يعتقده صانعو السياسة والاستراتيجيون العسكريون.

وبالمثل، يلمح التحول في النموذج أيضا إلى احتمال أن يتحول وجود مجموعات إسلامية وجهادية متشددة في أفغانستان تحكمها طالبان إلى ميزة في الجهود المبذولة لمنع العنف السياسي واحتوائه.

وسيشكل تطور التوترات وتكشف الخلافات في عالم التشدد الأفغاني اختبارا حقيقيا للتحول وكيف سيحكم التاريخ في نهاية المطاف على حرب الولايات المتحدة التي استمرت 20 سنة في أفغانستان من حيث مكافحة الإرهاب.

ويتضمن التحول الابتعاد عن أعمال العنف العابرة للحدود مقابل التشدد المحلي وحشد الدعم الشعبي من خلال الحكم القائم على تفسير شديد المحافظة للإسلام. إنه اختلاف في الاستراتيجية يشكل أحد الاختلافات الأيديولوجية والاستراتيجية بين القاعدة والدولة الإسلامية.

وقال الباحث والصحافي حسن حسن، في مقال مطول عن التشدد الجهادي إن “هذا ليس بسبب ضعف أيديولوجية الجهاديين: بل لأنهم تعلموا أن دعوة الجيوش الحديثة لعمليات انتقامية ساحقة هي أسرع طريقة لتبديد نفوذهم وإجبارهم على البدء من جديد. وعلى عكس فهم البعض الانسحاب الأميركي في أفغانستان، فإن الدرس الذي يستخلصه المتطرفون من نجاح طالبان ليس مجرد أن الجهاد يعمل ولكن الدبلوماسية والمشاركة تعدّ جزءا ضروريا من العملية، والتي تتضمن طمأنة الغرب بشأن التهديدات الخارجية الناشئة من مناطقهم. وما يمكن كسبه من الصفقات في الدوحة هو أكثر أهمية واستمرارية من أي هجوم إرهابي”.

ويرقى هذا التحول إلى العودة إلى نمط التشدد الإسلامي المتجذر تاريخيا في المظالم والصراعات المحلية. ويصف حسن الجهاد العابر للحدود الذي يمارسه تنظيم الدولة الإسلامية والذي يستهدف الغرب، والذي اعتنقه تنظيم القاعدة منذ فترة طويلة، باعتباره انحرافا عن ذلك التاريخ أيضا.

ودُعم تحليل حسن ببحث نشرته مجموعة صوفان، وهي منظمة بحثية أسسها علي صوفان، وهو عميل سابق في مكتب التحقيقات الفدرالي لعب دورا مهما في استجواب مسؤولي القاعدة الذين قُبض عليهم والذين كانوا متورطين في قضايا ذات صلة بالولايات المتحدة وأماكن أخرى.

وأشار المحلل عبدالسيد إلى أن القاعدة، في محاولة لمنع الولايات المتحدة من إخراجها من أفغانستان وباكستان “حوّلت التركيز من الهجمات الإرهابية العالمية والعمليات الخارجية إلى دعم الجماعات الجهادية المحلية في جميع أنحاء جنوب آسيا، وتغذية الروايات التي تدعم أهدافها. وساعد هذا التحول في بناء المرونة، مما سمح للقاعدة بالبقاء على الرغم من الضربات الهائلة التي وجهتها الولايات المتحدة وحلفاؤها لها”.

ويبدو أن خسارة الدولة الإسلامية لدولتها البدائية في سوريا والعراق وانتصار طالبان في أفغانستان يبرران هذا التحول في النموذج.

 وقالت مراسلة “سي.إن.إن” كلاريسا وارد إنها تركت مقابلة في أغسطس مع عبده منير، وهو الاسم الذي استخدمه قائد في تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان، قبل يومين من مهاجمة مطار كابول، مع انطباع بأن “تنظيم خراسان مختلف تماما عن داعش… في سوريا والعراق”.

وتابعت وارد أن “المحادثة التي أجريتها مع هذا القائد لم تدفعني إلى الاعتقاد بأن لديهم نفس المستوى من الطموحات العابرة للحدود… إنهم يركزون بشكل أكبر على طالبان أكثر من تركيزهم على محاولة تفجير طائرة… وهي أكثر بساطة وأقل تعقيدا”.

وسيُبرر التحول في الاستراتيجية الجهادية بشكل أكبر إذا أدى انتصار طالبان أيضا إلى تعزيز الاتجاهات الدينية المتطرفة في باكستان المجاورة.

Thumbnail

وقد يتشجع المحافظون المتطرفون والجهاديون من المعارضة الأخيرة من رجال الدين المسلمين، بما في ذلك الممثل الخاص لرئيس الوزراء الباكستاني للوئام الديني والشرق الأوسط حافظ طاهر محمود أشرفي، لصياغة قانون يحظر الأسلمة القسرية.

ونتيجة لذلك، يمكن أن يصبح التحول حجة أخرى لتبرير قرار مستقبلي محتمل من الرئيس جو بايدن بسحب القوات الأميركية من العراق وسوريا، والتي تقرر إرسالها في الأصل لمحاربة الدولة الإسلامية، كجزء من الخطوط العريضة لعقيدة بايدن.

وقال المحللان هال براند ومايكل أوهانلون، في إشارة إلى الحرب العالمية التي شنها الرئيس جورج دبليو بوش على الإرهاب والتي انطلقت في 2001 إثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر “ليس هناك شك في أن الحرب العالمية على الإرهاب لم تسر كما هو مخطط لها… ومع ذلك، سيكون من الخطإ ببساطة تجاهل الحرب باعتبارها فشلا استراتيجيا. وتعكس حقيقة أن الرؤساء المتعاقبين قد وجدوا صعوبة كبيرة في إخراج الولايات المتحدة من العمليات الجارية في الشرق الأوسط الكبير حقيقة التهديد المستمر من المنظمات المتطرفة وحلفائها… لقد كانت الحرب العالمية على الإرهاب مثمرة بشكل كبير مما قد يبدو للوهلة الأولى”.

وقد يكون براند وأوهانلون يرسمان صورة مفرطة في التفاؤل. حيث لن ترقى أفغانستان التي تحكمها طالبان في أفضل الحالات إلا جزئيا إلى معايير النجاح المنصوص عليها في مقال صحافي حديث. وقد يمنع إشراف طالبان الجهاديين من استهداف الولايات المتحدة وغيرها، لكنها ستستمر في توفير ملاذ آمن لهم، مما يسمح لهم بالتجنيد.

تحول التفكير الجهادي قد يصبح حجة أخرى لتبرير قرار مستقبلي محتمل بسحب القوات الأميركية من العراق وسوريا

وقال الباحث الأفغاني أنطونيو جوستوزي “كونك توفّر ملاذا آمنا للجهاديين العالميين والعمل كقاعدة انطلاق للهجمات ضد الغرب ليسا نفس الشيء. وبموجب اتفاق الدوحة، التزمت طالبان بمنع الهجمات التي تشن من أفغانستان، لكنها لم تتعهد بقطع العلاقات مع الجماعات الجهادية الأجنبية تماما، ولا بطردها من أفغانستان”.

ومع ذلك، قد تبرز مشكلة تمكن طالبان من السيطرة على الدولة الإسلامية، الجماعة الجهادية الوحيدة التي ترفض قبول استيلائها على أفغانستان أو جعل حركة طالبان الباكستانية تتبنى التحول في الاستراتيجية. ويمكن تحطيم شبح طالبان إذا انشق عدد كبير من مقاتلي الجماعة إلى الدولة الإسلامية احتجاجا على قيام الجماعة بمراقبة المسلحين على الأراضي الأفغانية و/أو تبني درجات من التحرر الاجتماعي، لاسيما في ما يتعلق بحقوق المرأة، وإذا بدأت تظهر علامات استفهام حول قدرة طالبان على مراقبة تلك الجماعات التي رحبت بانتصارها و/أو تعهدت بالولاء لها.

وأفاد جوستوزي أنه على عكس المسلحين الباكستانيين كعسكر طيبة وعسكر جانغفي والحركة الإسلامية في أوزبكستان، رفضت حركة طالبان الباكستانية والقاعدة التفاوض على اتفاقيات من شأنها إحكام سيطرة طالبان بنقلهما إلى أجزاء مختلفة من البلاد. وتبقى عسكر طيبة وعسكر جانغفي من مجموعات يُنظر إليها على أنها تربطها علاقات وثيقة بالمخابرات الباكستانية.

وبحسب ما ورد، فإن الاتفاقات المقترحة تتماشى مع المطالب التي تقدمت بها الصين بأن تضمن طالبان منع المسلحين على الأراضي الأفغانية من التدريب وجمع الأموال والتجنيد.

وبدا أن المتحدث باسم حركة طالبان في قطر، سهيل شاهين أقر بالمطالب في مقابلة مع صحيفة غلوبال تايمز التابعة للحزب الشيوعي الصيني. وقال “أولا، لن نسمح بأي تدريب على أراضينا. ثانيا، لن نسمح بأي جمع أموال لمن ينوون تنفيذ أجندة خارجية. ثالثا، لن نسمح بإنشاء أي مركز تجنيد في أفغانستان”.

لكن ذبيح الله مجاهد، وهو المتحدث الرئيسي باسم طالبان في كابول، ترك الباب مفتوحا في الشهر الماضي بخصوص علاقة طالبان بحركة طالبان الباكستانية.

وقال مجاهد في برنامج تلفزيوني باكستاني “إن قضية طالبان باكستان يجب أن تتعامل معها إسلام أباد، وليس أفغانستان. إن اتخاذ قرار بشأن شرعية أو عدم شرعية حربها وصياغتها متروك لباكستان، والعلماء والشخصيات الدينية الإسلامية الباكستانية، وليس طالبان”. ولم يذكر المتحدث ما إذا كانت طالبان ستلتزم بقرار العلماء.

Thumbnail

ويُعتقد أن حركة طالبان الباكستانية مسؤولة عن التصعيد الأخير في الهجمات على قوات الأمن الباكستانية، بما في ذلك هجوم انتحاري في باكستان أسفر عن مقتل ثلاثة عناصر شبه عسكريين وإصابة 20 آخرين. ودفعت الهجمات المتصاعدة فريق الكريكيت النيوزيلندي الأسبوع الماضي إلى التخلي عن جولته الأولى في باكستان منذ 18 عاما ومغادرة البلاد فجأة، بينما ألغى فريق إنجلترا جولة كان من المقرر إجراؤها الشهر المقبل.

وبالمثل، ظهرت خلف الواجهات تصدعات بين طالبان والقاعدة قبل انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، مما دفع الجماعة، مثل حركة طالبان الباكستانية، وفقا لجوستوزي، إلى رفض التفاوض على صفقة مع الأفغان وحشد الدعم من بين فصائل طالبان الأكثر تعاطفا مع الجهاديين.

وكانت القاعدة حذرة مما قد يعنيه اتفاق طالبان مع الولايات المتحدة للجماعة واشتبهت في أن للأفغان يدا في قتل العديد من كبار أعضائها في السنوات الأخيرة. كما تخشى أن تعرض تفاهمات طالبان مع الصين وروسيا حرية الحركة و/أو وجودها لخطر أكبر.

وتوقع مسؤولو المخابرات الأميركية، على ما يبدو، فشل طالبان في السيطرة على جميع الجهاديين على الأراضي الأفغانية و/أو تبني التحول الاستراتيجي النموذجي من بعض الجماعات الجهادية الرئيسية. وتوقع مسؤولو المخابرات الأميركية أن القاعدة ستكون قادرة على إعادة تشكيل نفسها في أفغانستان وأن تكون قادرة على تنظيم هجمات على الولايات المتحدة في غضون سنة أو إثنتين.

وتعززت توقعاتهم من خلال عودة أنور الحق مجاهد إلى أفغانستان، وهو من قادة أمن أسامة بن لادن المعروف باسم “الحرس الأسود”، والذي يُزعم أنه ساعد في التخطيط لهروب الزعيم الجهادي في عام 2001 وتنظيمه عندما قصفت الولايات المتحدة مخبأه في تورا بورا. وبحسب ما ورد، عاد مجاهد إلى جلال آباد لقيادة قوات طالبان والمقاتلين الأجانب في شرق أفغانستان. ويقال إن العديد من شركائه قد عادوا أيضا.

ومع ذلك، لا تنفي عودة مجاهد بحكم تعريفها التحول المحتمل في استراتيجية القاعدة التي تدعمها طالبان. ويمكن أن تكون طريقة طالبان لاسترضاء الجماعة وأولئك الأكثر تشددا داخل صفوفها.

وقال الباحث كول بونزل “على الرغم من استمرار العلاقة، تبقى لدى طالبان مصلحة قوية في كبح جماح القاعدة… ولا يصعب تخيل سيناريو توفر فيه طالبان المساحة والدعم المالي للقاعدة للعمل مع تقييد أنشطة المجموعة للتخطيط للهجمات وشنها أيضا”.

13