التحكيم الدولي يكبد الجزائر خسائر ويهز صورتها الاقتصادية

السلطات الجزائرية تمنع مالك مجموعة فيرتيال من تحويل أرباح للشركة تقدر بنحو 15 مليون دولار إضافة إلى تجميد رخص تصدير منتجاتها.
الخميس 2021/09/23
استثمارات محفوفة بالمخاطر

طفت بشكل مفاجئ على مشهد الاقتصاد في الجزائر مسألة تسيير المؤسسات الحكومية للنزاعات الدولية، بعد تسجيل خسائر كبيرة للبلاد ظلت طي الكتمان خلال السنوات الماضية، الأمر الذي اعتبر وجها من أوجه الفساد المالي والإداري، والذي يحول دون بناء كيانات حكومية قوية بإمكانها المنافسة والنهوض بالتنمية.

الجزائر- يظهر تذمر المستثمرين الأجانب بسبب عدم التزام الجزائر بعقود الشراكة مدى عجز السياسات المتعلقة بمناخ الأعمال عن توفير بيئة قانونية تجنب البلد النفطي الدخول في متاهة التحكيم الدولي الذي يمس من صورة البلاد اقتصاديا والمهتزة أصلا.

وفي أحدث حلقات مسلسل النزاعات الدولية التي يواجهها البلد، لوح رجل الأعمال الإسباني خوان ميغال فيار مير باللجوء إلى التحكيم الدولي لملاحقة الحكومة الجزائرية وشركة سوناطراك النفطية المملوكة للدولة لتحصيل مستحقات له بنحو 200 مليون دولار.

ويملك مير نحو 49 في المئة من أسهم شركة فيرتيال بالشراكة مع فرع أسميدال عنابة التابع لسوناطراك والمالك لحصة تقدر بحوالي 34 في المئة، فضلا عن رجل الأعمال المسجون علي حداد المالك لحصة في المشروع تقدر بحوالي 17 في المئة.

خوان ميغال فيار مير أكد أن فيرتيال خسرت نحو 100 مليون دولار بسبب هذا الجمود

وطالبت أوبراسكون هورت لاين (أو.أش.أل)، إحدى أكبر شركات الإنشاءات في إسبانيا، التي يملكها مير في بيان “بسداد مستحقاتها في ظرف لا يتجاوز ستة أشهر، وإلا فإنها ستنقل النزاع إلى التحكيم الدولي حتى يبت في الأمر من أجل تحصيل حقوقها العالقة”.

واستنكر مالك المجموعة الإسبانية ما أسماه البيان بـ”تجميد حسابات شركة فيرتيا من طرف السلطات الجزائرية دون مبررات واضحة منذ عدة أشهر”، وهو الإجراء الذي تسبب في عدم القدرة على سداد رواتب العمال والموظفين ولا شراء المواد الأولية ولا حتى دفع مستحقات الموردين.

وأوضح البيان أن العمال يدينون للشركة بأكثر من 12 مليون دولار كمخلفات رواتب، فضلا عن منعه من تحويل أرباح للشركة تقدر بنحو 15 مليون دولار، إضافة إلى رفض رخص تصدير منتجات فيرتيال التي يرتكز نشاطها على التصدير للخارج بنسبة 80 في المئة.

وذكرت تقارير محلية بأن “رجل الأعمال الإسباني أكد أن فيرتيال خسرت نحو 100 مليون دولار بسبب هذا الجمود، وأن السلطات الجزائرية تريد تأميم الشركة بطريقة غير مباشرة، وهو ما يشكل خرقا لاتفاقية حماية الاستثمارات المشتركة بين الجزائر ومدريد”.

وكانت أو.أش.أل قد لجأت للتحكيم الدولي ضد الجزائر، مطالبة بتعويضات تقدر بنحو 2.34.7 مليون دولار عن مشروع لم يتم إنجازه لسكة حديد الخط الشمالي عنابة – رمضان جمال بمحافظة سكيكدة، ضد الوكالة الوطنية للدراسات ومتابعة الاستثمارات في الشركة الوطنية للنقل بالسكك الحديدية الحكومية.

ويقدر مختصون النزاعات الدولية المطروحة على التحكيم الدولي والجزائر طرف فيها بقرابة 50 نزاعا، مما يترجم طبيعة المناخ الاقتصادي والاستثماري غير المشجع للإقبال على الوجهة الجزائرية.

ويعتبر الروتين الحكومي والبيروقراطية إلى جانب النظام المصرفي المترهل في البلاد واستشراء الفساد في عهد النظام السابق من بين الأسباب التي تدفع الشركات الأجنبية إلى عدم دخول الدولة العضو في منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك).

ولكن السلطات الحالية تقول إنها تعمل على إزالة العقبات أمام الاستثمارات الأجنبية، التي تشتد حاجتها إليها، بتأكيد التزامها بمعايير التحكيم الدولي، لطمأنة المستثمرين وتنظيف سجلّها مع الصراعات الصعبة مع الشركات في العقود الماضية.

أوبراسكون ستلجأ للتحكيم الدولي إذا لم تحصل على 200 مليون دولار خلال 6 أشهر

وجاءت خطوة مير في أعقاب الفضيحة التي فجرها رئيس الحكومة السابق المسجون أحمد أويحيى بشأن خسارة شركة الخطوط الجوية الجزائرية لستة مليارات دولار، في نزاع دولي مع شركة أس.أم.أي الكندية.

ويأتي هذا الأمر رغم جهود الحكومات المتعاقبة لإقناع رجال الأعمال والشركات الأجنبية بالاستثمار بالسوق المحلية، والتعهد بتكييف المنظومة التشريعية مع متطلبات حركة رأس المال الخارجي لتعزيز مناخ الأعمال الذي يعد من بين الأسوأ في المنطقة العربية حسب مؤشر ممارسة الأعمال الذي يصدر عن البنك الدولي سنويا.

وأفادت تقارير محلية بأن أحدث حلقات النزاع نشب في أعقاب خلافات بين الخطوط الجزائرية وبين شركة كندية أسندت لها صفقة إنجاز المبنى المركزي للأولى، في ضاحية باب الزوار بالعاصمة الجزائرية، وهو ما يمثل انزلاقا ظل مسكوتا عنه، رغم الصعوبات التي تواجهها الشركة المحتكرة لنشاط الطيران بالبلاد.

ونقلت التقارير عن أويحيى، في إفادة له قدمها للقضاء، قوله إن “المشروع مرّ على مناقشة في 2008 وفي 2011 وتم اختيار شركة كندية ثم تم حل المشروع من قبل الجوية الجزائرية والتي دخلت في نزاع قضائي دولي بعد لجوء الكنديين لتحصيل مستحقاتهم، وهو النزاع الذي خسرته الشركة الجزائرية وتكبدت دفع ستة مليارات دولار للطرف الكندي”.

وأضاف “قانون الصفقات العمومية لا ينطبق على الشركات الاقتصادية العمومية، وليس الوزير الأول من نقل مشروع شركة بناء مقر الخطوط الجوية للمؤسسة الوطنية للتسيير والفندقة، فأين كانت الجمعية العامة في مشروع بقي 6 سنوات”.

واستطرد أويحيى قائلا إن “الجوية الجزائرية موجودة ولم تتصرف في المشروع، ولهذا تدخلتُ في هذا الإطار ولم أمنح امتيازا، لأن شركة عمومية ومؤسسة التسيير الفندقي شركة عمومية أيضا.. أنا أتحمل مسؤوليتي كاملة”.

وحسب تقارير تابعت الملف، فإن القضية تعود إلى يونيو 2013 عندما قررت الخطوط الجزائرية إلغاء عقدها مع الشركة الكندية من جانب واحد، والمتعلق بإنجاز مقر جديد للشركة، في وقت كان النزاع معروضا على التحكيم الدولي.

وعلقت أس.أم.أي أشغال إنجاز المقر في مايو 2013، احتجاجا على ما اعتبرته عدم احترام لبنود العقد من الطرف الجزائري، الذي لم يسدد مستحقاتها مقابل أعمال التشييد، مما حدا بالشركة الكندية الى التقدم بشكوى لدى الجهات الدولية المختصة للمطالبة بالتعويض الذي تكبدته جراء إلغاء العقد.

وواجهت الشركة الكندية الفائزة بالصفقة آنذاك عراقيل إدارية خنقتها ماليا، في وقت عرف المشروع تأخرا في الإنجاز جراء تغيير مخطط الهندسة المعمارية، ما زاد في تكلفته، في ظل خلاف مع المسؤولين في الخطوط الجزائرية.

50 نزاعا تجاريا ضد الجزائر بحسب التقديرات ما يترجم طبيعة مناخ الأعمال غير المشجع

وحتى تتمكن من الالتزام بالعقد المبرم، شرعت أس.أم.أي في توجيه مراسلات إلى رئاسة الجمهورية ووزارة النقل والسفارة الكندية لدى الجزائر، لاطلاع الأطراف المذكورة بالعراقيل التي يواجهها المشروع، الذي كان مقررا تشييده في ظرف 23 شهرا.

وكانت الشركة الكندية قد بدأت فعليا في يونيو 2011 عمليات التشييد، غير أنها لم تحصل على مستحقاتها المسبقة المتفق عليها وفق بنود العقد ولا حتى المتصلة بتقدم وتيرة الأشغال.

ولكي تتملص من المسؤولية، أبدت الخطوط الجزائرية تحفظات على ما أسمته بـ”عدم وفاء الشركة الكندية في الالتزام بآجال الإنجاز واحترام النمط العمراني”، غير أن القضاء الجزائري في مختلف درجاته رفض حينها تحفظات شركة الطيران الحكومية.

10