"البوكينيست" يواجه خطر الاندثار في تونس

كبير "البوكينيست" فوزي الهذيلي استطاع خلال سنوات أن يجعل من مكتبته التي تضم قرابة 300 ألف كتاب مقصدا رئيسيا للباحثين عن المراجع والكتب النادرة.
الخميس 2020/12/03
كنز في انتظار البيع

لم يعد الكتاب خير جليس في تونس، فلقد عزف التونسيون عن شراء الكتب منذ الثورة وأصبح بائعو الكتب القديمة في العاصمة مهددين بالإفلاس ما جعل بعضهم يترك شغفه إلى مهنة أخرى يعيل بها أسرته، فيما وجد البعض الآخر السند من ناشطين على فيسبوك أطلقوا حملة لإنقاذ محله من الإغلاق.

تونس- بنى نهج إنجلترا وسط العاصمة تونس المزدحمة، سمعته منذ مطلع القرن العشرين من بيع الكتب القديمة المتراصة على جانبي الأرصفة، لكن هذه السمعة باتت اليوم مهددة بالاندثار.

يقضي كبير “البوكينيست” (بائع الكتب القديمة) فوزي الهذيلي (70 عاما) أكثر من نصف اليوم في مكتبته العريقة التي تتصدر المكتبات في النهج ذي البنايات الفرنسية، وهو يقلب دفعات جديدة من الكتب المستعملة قبل إيجاد مكان مناسب لها في الرفوف المزدحمة.

يتلقى الهذيلي منذ أن بدأ العمل إلى جوار والده في المكتبة عام 1969، الكتب المستعملة من الأصدقاء ومن المكتبات التجارية ومن الجمعيات، كما يتلقى كتبا من الخارج.

واستطاع خلال سنوات أن يجعل من مكتبته مقصدا رئيسيا للباحثين عن المراجع والكتب النادرة. تضم المكتبة اليوم قرابة 300 ألف كتاب، من بينها مراجع وكتب تعود إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وبلغات متعددة. وقد اضطرت عائلة الهذيلي عند استلامها المكتبة من مستوطن فرنسي عام 1953 إلى إعادة تأثيثها بالكامل.

عشاق الكتب يطلقون حملة على فيسبوك لإنقاذ الحصن الأخير للثقافة
عشاق الكتب يطلقون حملة على فيسبوك لإنقاذ الحصن الأخير للثقافة

على إحدى الرفوف وسط الأروقة الضيقة في جوف المكتبة، يمكن ملاحظة كتب تعلم اللغة اللاتينية إلى جانب باقي اللغات الأجنبية، الألمانية والإيطالية والإسبانية والصينية، والمعاجم المتخصصة وكتب التاريخ والجغرافيا والأدب.

وعلى رف آخر تظهر سلسلة متخصصة لتاريخ الكنيسة الكاثوليكية صدرت في منتصف القرن التاسع عشر، وإلى جانبها مراجع فقه القضاء العام الصادرة عن دار النشر الفرنسية دالوز في نفس الفترة. وهناك روايات “شيري” البوليسية ومجلات للترفيه والموضة تعود إلى عقود ماضية يلفها الغبار وروائح الورق بفعل التخزين والرطوبة.

ولا تبدو على الهذيلي علامات الشيخوخة رغم سنه المتقدمة، ويرجع ذلك في تقديره إلى شغفه بالكتب منذ فترة صباه وإقلاعه عن التدخين وشرب الكحول، غير أنه لا يخفي قلقا يعتريه بشأن مصير مكتبته ذات الشهرة الواسعة في صفوف الطبقة المثقفة في العاصمة، بسبب الكساد الاقتصادي وركود المبيعات بشكل حاد.

ولكن بشكل مؤقت، يمكنه أن يلقي خلف ظهره هذا الشعور بعد أن تلقى دفعة معنوية من متصفحي مواقع التواصل الاجتماعي تلبية لنداء استغاثة كان أطلقه من أجل إنقاذ مكتبته من خطر الإفلاس والإغلاق.

أخرج فوزي تنهيدة عميقة من صدره قبل أن يكشف عمّا يشغله حيث قال”أطلقت صيحة فزع من أجل الناشئة، من أجل أن يعودوا إلى القراءة. ما يحصل اليوم من هجرات جماعية للشباب سببه الابتعاد عن الكتب. إلى أين نحن ذاهبون؟”.

ويضيف فوزي في حديثه “في السابق كانت العائلات تأتي إلى هنا، وكذلك الشباب والطبقة المثقفة وحتى الوزراء… كان الجميع يأتون، لكن منذ اندلاع الثورة في عام 2011 تغيرت الأوضاع بشكل جذري كما تغيرت القيم”.

ويشكو فوزي الهذيلي كباقي أصحاب المكتبات القديمة بنهج إنجلترا الممتد على نحو 200 متر، من تداعيات الأزمة الاقتصادية المستمرة في تونس منذ 2011 بموازاة الانتقال السياسي في أعقاب الثورة.

وزادت الأزمة الصحية المرتبطة بوباء كورونا من محنة باعة الكتب وبعضهم بات على شفا الإفلاس. وعلى الرغم من الحركية الكبيرة التي تميز النهج الذي يتقاطع مع نهج الجزيرة التجاري، وهو أيضا على مقربة من محطة المترو الرئيسية ومحطة القطارات بساحة برشلونة، إلا أن الكتب المعروضة على الرصيف لا تجلب انتباه المارة.

بائع الكتب المستعملة عرف عصره الذهبي في السبعينات والثمانينات، لكن الأزمة بدأت تظهر بعد الثورة

ويأتي أغلب الزائرين للسؤال عن كتب ومراجع محددة من أجل بحوث متخصصة وليس للتقليب والانتقاء. وتشير نتائج سبر آراء نشرتها مؤسسة “امرود” للإحصاء في تونس أن 82 في المئة من التونسيين لم يقرأوا كتابا واحدا في عام 2019.

ولدعم مكتبة الهذيلي، بدأ ناشطون على فيسبوك بجمع تبرعات لمساعدته على سداد ديونه في حملة أطلقوا عليها “الحصالة الإلكترونية” وانتشر هاشتاغ “أنا اشتريت كتابا. وأنت متى؟” في مسعى للتشجيع على قراءة الكتب.

ويقول الهذيلي “طلب مني كثيرون العدول عن قرار الإغلاق والتريث إلى حين. حصلت على هبة من الشغوفين بالكتب بعد ندائي على فيسبوك. آمل أن يستمر هذا الحماس”.

وتابع الهذيلي “لدينا التزامات لخلاص أجور الصناع والكهرباء والآداءات ومعاليم التغطية الاجتماعية. لقد تغيرت الأوليات اليوم لدى العائلات وتأخر الكتاب في سلم الأولويات اليومية”.

مكتبات

وضع مكتبة الهذيلي الأكبر والأقدم في نهج إنجلترا يعد أقل تعقيدا من بين نحو خمس أو ست مكتبات في هذا النهج تواجه جميعها مصيرا مجهولا.

ويقول محسن عمري، إنه قد يضطر بعد نحو أربعة عقود من العمل في مجال بيع الكتب القديمة، وفي خلال أشهر قليلة إلى التوجه للعمل في قطاع آخر لتلبية احتياجات أسرته.

ويضيف العمري الذي يعمل في “مكتبة المزوغي” الناشطة في بيع الكتب القديمة منذ عام 1965 “تطلبت الحركة الثقافية بعد الاستقلال في بداية عقد الستينات مثل هذا النوع من بيع الكتب “البوكينيست” للتشجيع على القراءة والمساعدة في نشر التعليم. لعب الكتاب دورا محوريا في الحد من نسبة الجهل والأمية”.

ويتابع قائلا “عرف ‘البوكينيست’ عصره الذهبي في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، لكن الأزمة بدأت تظهر منذ التسعينات”.

ويرفض عمري الرأي القائل بأن تطور أجهزة الاتصال مثل التلفزيون والإنترنت أثّر بشكل أساسي على تدني مبيعات الكتب الورقية وتراجع القراءة، بدليل أن الإقبال على الكتب في الدول الغربية لا يزال كبيرا حتى في ذروة الأزمة الصحية المرتبطة بالوباء.

وفي تقديره، فإن المشكلة مرتبطة بالتكلفة العالية لنشر الكتب في مقابل إحجام الدولة عن تقديم الدعم لهذا القطاع وللثقافة عموما إلى جانب الصعوبات الطارئة على أزمة التسويق.

ويشير الناشطون في حملاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي إلى مخاطر إتلاف جزء من الذاكرة الوطنية في حال أدارت الدولة ظهرها لبائعي الكتب في نهج إنجلترا ودفعتهم إلى هجر محلاتهم نهائيا.

ويقول عمري “نحن الحصن الأخير للثقافة وهذا الحصن يستعد للانهيار. لن يمكننا الصمود أكثر. سيتعين علينا البحث عن نشاط آخر في القريب لأن الكتاب تحول إلى عنصر رفاهة في تونس ولم يعد عنصرا حيويا”.

20