البرلمان المصري يتحدى القضاء ويتجه للمصادقة على قانون خاص بالأزهر

أحمد الطيب يطلب حضور جلسة البرلمان لمناقشة مشروع قانون تنظيم دار الإفتاء لعرض رؤية الأزهر.
الاثنين 2020/08/24
الأزهر يراهن على الدعم الشعبي في معركة الصلاحيات

القاهرة – تترقب الأوساط السياسية في مصر فصلا جديدا من الصدام بين مجلس النواب والأزهر من جهة، والبرلمان والقضاء من جهة ثانية، بعد رفض مجلس الدولة، وهو هيئة قضائية تختص بمراجعة القوانين الحكومية، قانون نقل تبعية دار الإفتاء من الأزهر إلى مجلس الوزراء، ورفض التصديق عليه.

ويصوت مجلس النواب، الاثنين، على قانون فصل دار الإفتاء بعد أن رفض مجلس الدولة القانون، وطلب شيخ الأزهر أحمد الطيب من البرلمان حضور جلسة الاثنين لطرح وجهة نظره، حيث اعترض على القانون في السابق.

وقال مجلس الدولة، الخميس، إن انتزاع دار الإفتاء من الأزهر يخالف الدستور، لأنه المؤسسة الوحيدة المعنية بإبداء الرأي الشرعي في المسائل المتعلقة بالفتوى، وإبعاده عن هذه المهمة يمس استقلاليته، ويجعل دار الإفتاء كيانا موازيا له.

وينظر الأزهر إلى مساندة القضاء له في الحفاظ على استقلاله ضد محاولات رسمية للانتقاص منها، على أنها انتصار سياسي في توقيت صعب، ويجلب له المزيد من الدعم والتعاطف، ويضع دوائر تحاول قصقصة أجنحته في موقف بالغ الحرج.

وأكدت مصادر سياسية لـ”العرب”، أن أكثر ما يخشاه الأزهر عدم اعتراف مجلس النواب برفض القضاء لقانون نقل دار الإفتاء لمجلس الوزراء، بحيث يقوم بالمصادقة النهائية عليه، الاثنين، وإرساله لرئيس الجمهورية لإقراره وبدء تفعيله دون اكتراث بمدى مطابقته للدستور من عدمها.

الأزهر يحاول استثمار مساندة القضاء لموقفه في حشد الرأي العام للضغط على البرلمان للتراجع عن تجريده من الفتوى واحترام الدستور

وإذا قرر البرلمان الموافقة على هذه الخطوة، فإنه يُقحم نفسه في صدام محتدم مع القضاء والأزهر، ما يفضي لأزمة سياسية تتطلب من الحكومة التعامل معها بحكمة، في ظل التذمر منها، على خلفية تحريك أسعار سلع ضاعفت أعباء محدودي الدخل.

ويعوّل الأزهر على جهات مجتمعية بسيطة لمساندته في الحفاظ على نفوذه، لأنها أكثر الفئات المتدينة بالفطرة، وتعتبره حصنا لا يجوز المساس به، أو الانتقاص منه.

وحاول الأزهر استثمار مساندة القضاء لموقفه في حشد الرأي العام للضغط على البرلمان للتراجع عن تجريده من الفتوى واحترام الدستور، ما يمثل اختبارا حقيقيا للحكومة في التعامل مع الأمر، لكن تصريح البرلمان بعقد جلسة يقطع هذا الطريق.

ما يعزز تنامي الشعور بأن مجلس النواب سيصدق على انتزاع الإفتاء من الأزهر، أنه سبق وتحدى القضاء عندما رفض قانون الهيئات القضائية الذي منح رئيس الجمهورية سلطات واسعة في طريقة اختيار رؤساء الهيئات، وجرى تمريره بعد معركة حامية مع القضاة.

وثمة مؤسسات قضائية تشعر بضغينة تجاه مجلس النواب، منذ ضرب استقلالها وأعرافها، وقد لا تُمانع خوض معركة معه لإلزامه بالانصياع لأحكامها، وهي الورقة التي ربما يستخدمها الأزهر في محاولة استمالة مجلس الدولة لدعمه.

محمد أبوحامد: الأزهر لديه أزمة أبدية في تنصيب نفسه وصيا على المؤسسات الدينية
محمد أبوحامد: الأزهر لديه أزمة أبدية في تنصيب نفسه وصيا على المؤسسات الدينية

ولا يرغب البرلمان في الظهور أمام الشارع في صورة المنهزم، لأن طريقة تمرير قانون دار الإفتاء أوحت لكثيرين بأنه مفوض من دوائر حكومية بمواجهة نفوذ الأزهر وتقويض أجنحته، بالتالي لن يُمانع في دخول معركة جديدة مع المؤسستين الدينية والقضائية لتنفيذ المهمة كما ينبغي.

يضاف إلى ذلك أن الفصل التشريعي الأخير لمجلس النواب قارب على الانتهاء، ولم يتبق له سوى أسابيع معدودة لن يستطيع خلالها مراجعة قانون
الإفتاء بما يتناسب مع الدستور، وإرساله مرة أخرى لمجلس الدولة لمراجعته، ثم التصديق النهائي عليه وإرساله لرئيس الجمهورية لإقراره وبدء تطبيقه.

قال محمد أبوحامد، النائب صاحب المقترح التشريعي بتبعية دار الإفتاء للحكومة، “إن إحالة مشروعات القوانين لمجلس الدولة وجوبية، لكن الأخذ برأيه ليس إجباريا، ويخضع فقط لقناعات نواب البرلمان، والمشكلة أن الأزهر لديه حساسية مع أي تشريع يقترب منه ويعتبره مساسا بالدين”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، أن الأزهر لديه أزمة أبدية في تنصيب نفسه وصيا على المؤسسات الدينية كافة، لافتا إلى أنه لا يريد الاعتراف بأن الفتوى قبل سنوات قليلة لم تكن تابعة إليه، فلماذا يٌحارب الآن ضد سحبها منه؟

وبدا أحمد الطيب شيخ الأزهر، مستعدا أكثر من أي وقت مضى للدخول في صدام معلن مع الحكومة، ولم يعد لديه ما يخسره، ويكفي غيابه عن المشاركة في انتخابات مجلس الشيوخ الأخيرة، حيث لم تتحدث وسائل الإعلام عن حضوره للتصويت كما كان معتادا، أو على غرار البابا تواضروس، بابا الإسكندرية والكرازة المرقسية.

وفسر متابعون اختفاء الطيب في الانتخابات بأنه يريد توصيل رسالة شديدة اللهجة إلى دوائر حكومية، مفادها أن مرحلة الصمت على حصار الأزهر بترسانة تشريعات تستهدف نفوذه انتهت، وما زال يمتلك أوراق ضغط سياسية، على رأسها عدم توفير الغطاء والدعم الشرعي لقرارات الحكومة.

ويشعر الطيب بأن تجريد الأزهر من الفتوى موجه إليه شخصيا، لاستدراجه، في ظل مواقفه في بعض القضايا الاجتماعية والفكرية، حيث رفض من قبل طلبا بعدم الاعتراف بالطلاق الشفهي، أو تكفير تنظيم داعش الإرهابي والتيارات المناصرة له في سيناء.

وتعوّل الحكومة على نقل تبعية دار الإفتاء إليها، على أن تكون أكثر مرونة من الأزهر في التماهي سياسيا بشكل أكبر مع توجهات الدولة، بإصدار فتاوى تتناغم معها بعيدا عن تشدد المؤسسة الدينية، والاحتماء بالاستقلال واحتكار الرأي الشرعي.

ويلغي قانون دار الإفتاء دور هيئة كبار العلماء في إبداء الرأي في المسائل الشرعية والقوانين والقضايا الأسرية، ما يعني ضمنيا أن الأزهر لم يعد سوى مؤسسة تعليمية ذات توجه ديني.

2