البرلمان الليبي يعيد رسم خارطة سياسية للبلاد

تعويل مصري على دور البرلمان من أجل توحيد جميع المؤسسات الليبية.
الخميس 2019/08/15
ليبيا بحاجة إلى حلول سياسية سريعة تخمد نار الأزمة

دعت وزارة الخارجية المصرية، الثلاثاء، للبدء الفوري في عملية تسوية شاملة في ليبيا، كما دعت الأمم المتحدة للانخراط أكثر بشكل أكبر مع الممثّلين المنتخبين للشعب الليبي لبلورة خطة الطريق المطلوبة للخروج من الأزمة الحالية، يأتي ذلك في وقت تستعد فيه القاهرة لاستقبال أعضاء من البرلمان الليبي، لاستكمال المحادثات السابقة بين الطرفين، وتعوّل القاهرة على دور حيوي يلعبه البرلمان الفترة المقبلة، ليسهم به في توحيد المؤسسات الليبية ودعم الجيش الوطني الليبي في مواجهة نفوذ الميليشيات المسلحة.

القاهرة – تستعد القاهرة لاستقبال عدد كبير من أعضاء البرلمان الليبي خلال الفترة المقبلة، لاستكمال المحادثات التي جرت الشهر الماضي، وحضرها نحو 74 نائبا في مجلس النواب، غالبيتهم من الشرق والجنوب، حول الآليات السياسية اللازمة للخروج من الأزمة الحالية.

ومن المتوقّع أن تضمّ الجولة الثانية أعضاء من المنتمين إلى ما يسمّى بكتلة طرابلس التي يبلغ عددها حوالي 30 نائبا، في محاولة لحلّ التناقضات التي افتعلها المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق ومجلس الدولة مع مجلس النواب في طبرق، ومحاولة سحب صلاحياته ومنحها لأجسام سياسية أخرى خاضعة لأهداف قوى إقليمية ودولية وكتائب مسلّحة تدور في فلكها.

وتعوّل مصر على الدور السياسي للبرلمان لحلّ جانب من التضارب الحاصل في الشرعية والجهات الحقيقية المعبّرة عنها، حيث أدّى تصاعد حدّة الأزمات إلى تعطل مسار الحلول، ومنحت الفرصة لجهات تسلّلت من بعض الثغرات لبقاء الحال على ما هو عليه، بل ومقاومة تغييره، خوفا من النتائج التي يفرزها أي واقع جديد يتعامل مع ليبيا كدولة موحّدة ومؤسساتها الوطنية متماسكة، لا مجال فيها لعصابات مسلّحة أو إرهابيين أو تيارات مؤدلجة تخدم أجندات إقليمية معيّنة.

تلافي الانقسام

البرلمان المؤسسة الضامنة
البرلمان المؤسسة الضامنة لأي خارطة طريق

تنظر القاهرة إلى البرلمان على أنه المؤسسة الوحيدة المنتخبة في ليبيا، والمنوط به التصديق على أيّ خارطة طريق قادمة للخروج من الأزمة، ووضع القواعد لتنظيم إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وكل مؤسسات أخرى تحاول استلاب دوره غير مخوّلة دستوريا.

ويحتاج التصويت على القرارات داخل البرلمان إلى ثلثيْ الأعضاء البالغ عددهم 180 عضوا، ولن يكون ذلك مستبعدا في ظل التحوّلات الراهنة في مواقف المحسوبين على كتلة طرابلس، والجهود الرامية إلى استكمال النصاب القانوني كي تكون القرارات ذات صفة دستورية. وأكد أبوصلاح شلبي عضو مجلس النواب الليبي، نائب رئيس البرلمان العربي، لـ”العرب”، على “وجود رغبة لدى عدد كبير من أعضاء البرلمان لالتئام مجلس النواب بغالبية أعضائه، وأن القاهرة على تواصل مستمرّ معهم”.

وتابع “مصر عقدت اجتماعات مع نواب في كتلة طرابلس قبل إجازة عيد الأضحى، في محاولة متزامنة مع جهود يقوم بها البرلمان العربي في التواصل مع جميع الزملاء لعقد جلسة في إحدى المدن الليبية (لم يحدّدها) لتلافي الانقسام والاتفاق على رؤية مشتركة تساهم في حلّ الأزمة والتئام المجلس ككل”.

وكشفت بعض المصادر الليبية لـ”العرب”، أن “مجلس النواب سيتعاظم دوره، ويمكن أن تحدث تغييرات كبيرة في المعالم والمكوّنات السياسية، بعد حدوث تصدّعات مؤثرة في هياكل الميليشيات، بعد تعرّضها لضربات قوية من الجيش الليبي، أفقدتها الكثير من توازنها، وقلّصت الدور الحيوي الذي لعبته الإمدادات العسكرية القادمة من تركيا في حرب تحرير طرابلس”.

مجلس الدولة أكد ارتباكه عندما أضفى شرعية على كتلة طرابلس وحرم نواب طبرق منها، وسعى إلى تنفيذ أجندات خارجية

وألقى بيان أصدرته الخارجية المصرية مساء، الثلاثاء، بحجر كبير في المياه السياسية الراكدة منذ أشهر، بعدما انحصرت التحرّكات خلال الفترة الماضية في الشق العسكري وعُمق التقدّم الذي أحرزه الجيش الليبي لحسم معركة طرابلس، والقضاء على ظاهرة الميليشيات التي باتت تتحكم في قرار بعض الأجسام السياسية في العاصمة.

وأكد البيان أنه يتعيّن البدء في عملية التسوية في ليبيا، استنادا لمعالجة شاملة للقضايا الجوهرية وعلى رأسها عدالة توزيع الموارد في ليبيا والشفافية في إنفاقها، واستكمال توحيد المؤسسات الليبية، وحلّ الميليشيات المسلّحة وجمع أسلحتها، وطالب جميع الأطراف بموقف واضح، ولا لُبْس فيه “للنأي بنفسها عن المجموعات الإرهابية والإجرامية، خاصة تلك المُدرجة على قوائم العقوبات التي أصدرها مجلس الأمن”.

التسريع في التسوية السياسية

Thumbnail

أبدت مصر قلقا من التدخّلات الخارجية في الشأن الليبي، وعبّرت عن انزعاجها من الانتهاكات الموثقة لقرارات الأمم المتحدة والتي تقوم بها أطراف معروفة تصدّر السلاح والعتاد وتسهّل نقل المقاتلين الإرهابيين إلى ليبيا على مرأى من المجتمع الدولي، في إشارة واضحة إلى الدور الخطير الذي تلعبه تركيا وقطر على الساحة الليبية.

ويبدو أن المجلس الأعلى للدولة، فهم البيان المصري على أنه المقصود به أكثر من غيره، وتطوّع بالردّ عليه بعد وقت قصير من صدوره، الثلاثاء، ووصفه بـ”التدخل السافر في الشأن الليبي”، لافتا إلى أن “مجلس النواب منتهي الولاية بانتهاء المدة المخصصة لعمله حسب الإعلان الدستوري، ومنعدم بعدم توقيعه على الاتفاق السياسي الليبي، باستثناء مجلس النواب المنعقد في طرابلس الذي يستمد شرعيته من الاتفاق”.

وقال المحلل السياسي الليبي عيسى رشوان لـ”العرب”، إن مجلس الدولة أكد ارتباكه الفاضح عندما أضفى شرعية على كتلة طرابلس وحرم نواب طبرق منها، وسعيه إلى تنفيذ أجندات خارجية، وهو ما يعدّ “غباء سياسيّا منقطع النظير”. وأضاف أن بيانه “جاء منسجما مع رؤية أعضائه المنتمين إلى الجماعات المتطرّفة والإرهابية، ومدفوعا بحقد إخواني على النظام المصري، وتضمّن مجموعة من التناقضات واقترب إلى مرحلة السفه السياسي الموجب للردّ القانوني”.

وأبدى رشوان استغرابه من مطالبة مصر التي لها حدود مشتركة مع ليبيا تبلغ 1200 كم بعدم التدخل في شؤون ليبيا، بينما يتجاهل تدخلات تركيا ومدّها الميليشيات بالمعدّات والأسلحة والإرهابيين، ويغضّ الطرف عن نشاط إيطاليا التي لها قاعدة عسكرية في مصراتة، بل طالبها مجلس الدولة بالتدخل ومساعدته في تحقيق مراميه البغيضة.

ودعت الخارجية المصرية البعثة الأممية للدعم في ليبيا للتعاون والانخراط بشكل أكبر مع الممثلين المنتخبين للشعب الليبي لبلورة خطة الطريق المطلوبة للخروج من الأزمة الحالية، وتنفيذ كافة عناصر المبادرة التي أقرّها مجلس الأمن في أكتوبر 2017. وأوضحت المصادر الليبية لـ”العرب”، أن مخاطبة البعثة الأممية في البيان المصري، تستبق تحرّكا جديدا يريد أن يقوم به غسان سلامة رئيس البعثة من خلال الأمم المتحدة، حيث ينوي الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي خاص بليبيا على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في سبتمبر المقبل، يحضره عدد من زعماء العالم المعنيين بالأزمة، ومن بينهم دول تلعب دورا سلبيّا، مثل تركيا، ومنه يمكن أن يُعيد إحياء فكرة الملتقى الجامع الذي تجمّد عقب انطلاق العملية العسكرية لتحرير طرابلس في أبريل الماضي.

Thumbnail

وأشار البعض من المراقبين إلى أن الرؤية الشاملة البعيدة عن الحلول السياسية السريعة التي ظهرت في خطوات بعض القوى الدولية عملية ضرورية، لأنها حرصت على التوصل إلى مسكّنات وليست تسويات جذرية، كما أن البعض أصبح يرتاح لاستمرار الحرب طالما لا يستطيع تحقيق أهدافه كاملة.

ويزيد الارتباك الحالي في المشهد الليبي من تعقيدات الأزمة الليبية، في ظل تصاعد التحديات الداخلية والإقليمية.

ولفت متابعون إلى دلالة تصدّي المجلس الأعلى للدولة وتقدّمه للصفوف الأمامية الآن، حيث تأكد أن الرؤية الجديدة ستقلّص دوره الاستشاري أصلا، ما يشير أيضا إلى غياب دور المجلس الرئاسي واختفاء دور حكومة الوفاق، ويعزّز الاستنتاجات التي راجت حول انتهاء صلاحية كليهما، وحان الوقت لإمساك البرلمان من الدفة.

وأكد محمد العباني عضو البرلمان الليبي عن ترهونة لـ”العرب”، أن مجلس الدولة يتحالف مع الإرهاب وأظهرت معركة تطهير طرابلس مدى التناغم وتبادل الأدوار بينه وحكومة الوفاق وبين التنظيمات الإرهابية التي تقود أعضاءهما لتحقيق أهدافها. وأعتبر أنه من حق مصر الدفاع عن مصالحها بالطريقة التي تراها مناسبة، لأن تحويل ليبيا إلى وكر للإرهابيين يؤثر على أمن المنطقة برمّتها ويهدد استقرارها.

واستنتج متابعون أن القاهرة تريد الاستفادة من التقدّم على الصعيد العسكري، والترهل الواضح في جسد الميليشيات، وتراجع الرهان على دورها، وارتياح بعض القوى لمَا تعرّضت له من مواجهات قصمت ظهر الكثير منها، وانشغال آخرين بهمومهم الداخلية، لتسريع خطوات التسوية السياسية الشاملة، وإيجاد أمر واقع يقضي على نفوذ الإرهابيين وحلفائهم في حكومة الوفاق والمجلس الرئاسي ومجلس الدولة.

6