الامتناع عن التصويت يحيل نصف الشعب المصري إلى النيابة العامة

هيئة الانتخابات تضع الحكومة أمام غضب 54 مليون مواطن مهددين بالمحاكمة.
الجمعة 2020/08/28
لم يكن ينقص المصريين إلا غرامة على مقاطعة الانتخابات

في سابقة من نوعها، أصبح نصف الشعب المصري مطلوبا للمثول أمام النيابة العامة للتحقيق معه بتهمة العزوف عن المشاركة في انتخابات مجلس الشيوخ الأخيرة، ما أطلق موجة من السخرية من جانب المؤيدين والمعارضين للحكومة.

وقررت الهيئة الوطنية للانتخابات، الأربعاء، إحالة جميع المتخلفين عن الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات إلى النيابة، وعددهم قرابة 54 مليون مواطن، في إجراء يحدث لأول مرة منذ إقرار غرامة مالية بقيمة 500 جنيه (35 دولارا) على الناخب الممتنع عن التصويت.

ويعني القرار، حال تنفيذه، أن الحكومة سوف تجمع نحو 27 مليار جنيه من الممتنعين عن المشاركة، وهو مبلغ كبير ترنو على ما يبدو إلى الاستفادة منه بإضافته إلى ميزانية الدولة، في ظل انخفاض الدخل القومي مع التوسع في مشروعات قومية تتطلب أموالا ضخمة.

وبررت الهيئة قرارها بأن الدولة وفرت كل الإمكانات والتجهيزات اللازمة لنزول الناخبين وممارسة حقهم السياسي في التصويت، واتخذت الإجراءات الاحترازية التي من شأنها حمايتهم من وباء كورونا، لكن الأغلبية تقاعست عن أداء الواجب الوطني.

واعتادت هيئات الانتخابات التهديد باستخدام الغرامة المالية منذ إقرارها عام 2014، لحث الناس على المشاركة، لكنها لم تطبقها من قبل، ومن شأن تفعيلها أن يثير الرأي العام عليها وسط تذمر جماهيري من قرارات تحريك الأسعار.

ويرى مراقبون أن إحالة الممتنعين عن التصويت إلى النيابة يستهدف حث الجمهور على المشاركة في انتخابات مجلس النواب المنتظرة في أكتوبر المقبل، للإيحاء بأن الحكومة جادة في تطبيق الغرامة من أجل الضغط على الناس للتصويت في الاستحقاقات المقبلة.

جمال زهران: مسؤولون في السلطة يتعاملون مع الشارع بعقلية جامدة
جمال زهران: مسؤولون في السلطة يتعاملون مع الشارع بعقلية جامدة

وغير متوقع أن تكون هيئة الانتخابات تحركت في هذا المسار دون الحصول على ضوء أخضر من دوائر رسمية أعلى، لأن نسبة المشاركة في انتخابات مجلس الشيوخ لم تتجاوز 14.2 في المئة، ما وضع الحكومة في موقف حرج، ولا تريد تكرار المشهد.

وعكس قرارُ معاقبة المقاطعين للتصويت حجمَ التذمر من الطريقة التي تُدار بها الانتخابات والتدخلات لترجيح كفة مرشحين يتماهون مع الحكومة، في حين أن الشارع أصبح في حاجة ماسة إلى أصوات تتبنى مطالبه ومشكلاته وتتحدث بلسانه.

وضجت منصات التواصل الاجتماعي بتعليقات غاضبة وساخرة من تفعيل العقوبة، وتوجهت سهام النقد للحكومة التي صارت تلجأ إلى جيوب المواطنين أكثر من بحثها عن موارد لإنعاش الاقتصاد، دون تحرّي الأسباب السياسية للمقاطعة.

وتبرر شريحة كبيرة من الذين امتنعوا عن التصويت قرارها بأن مجلس النواب ضاعف جمود الحياة السياسية بتنصيب نفسه مدافعا عن الحكومة وصادق على تشريعات زادت من المعاناة، ولم يتخذ مواقف منحازة إلى الشارع ولم يدافع عن مطالبه.

وانتهى دور الانعقاد الأخير للبرلمان، بعد مرور 5 سنوات، دون أن يتقدم باستجواب واحد لأي مسؤول في الحكومة، وأغلب طلبات الإحاطة تم وأدها في مهدها، ما ترك انطباعا سلبيا عند الأغلبية حول جدوى وجود مجلس نيابي.

وقال عماد حمدي، معلم بمدرسة حكومية، لـ”العرب”، من الجنون أن يذهب الجمهور لاختيار نواب تحولت مهمتهم إلى تشريع قوانين تضع المزيد من الأعباء على كاهل الناس، لكن عندما يُقاطع الآلاف الانتخابات فإن الرسالة التي يجب أن تفهمها الحكومة، أن الأغلبية قالت “لا”.

وأضاف “هيئة الانتخابات تريد معاقبة من رفض الذهاب لاختيار نواب أغلبهم يمتنعون عن التصويت على تشريعات مصيرية تمس حياة الناس.. من حقي الامتناع عن شراء البضاعة، وليس معقولا الذهاب حتى باب المتجر لأبلغ صاحبه بأن بضاعته تعجبني”.

ويُفترض أن يكون التصويت في الانتخابات حرية شخصية، وفق ما ينص عليه الدستور، لأن من حق المواطن إبداء رأيه والمشاركة في الحياة السياسية كما من حقه عدم القيام بذلك، وطالما أن ذلك لم يترتب عليه إضرار بأحد فلا مجال للعقاب.

غرامات مالية ضد الممتنعين عن التصويت
غرامات مالية ضد الممتنعين عن التصويت

ولا يحق للنيابة توقيع الغرامة على الممتنعين عن التصويت دفعة واحدة دون التحقيق معهم، لأن القانون يلزمها بإحالتهم إلى المحكمة التي من سلطتها توقيع الغرامة.

في المقابل يقول خبراء في القانون الدستوري، إن المحكمة يحق لها فرض الغرامة دون تحقيق طالما أن قيمتها أقل من ألف جنيه.

ويعتقد أغلب المواطنين أن الحكومة لن تتخلى بسهولة عن عشرات المليارات من الجنيهات، وسط مخاوف من أن يؤدي هذا التمادي إلى ردود فعل شعبية.

وأكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس، جمال زهران، أن “مسؤولين في السلطة يتعاملون مع الشارع بعقلية جامدة، وفرض سياسة الأمر الواقع، وترهيب الناس بالغرامة سوف ينعكس سلبا على معدلات التصويت في الانتخابات المقبلة”.

ويرى مؤيدون للغرامة أن النزول للتصويت ضرورة حتمية، ليس لتبييض وجه الحكومة، بل لانتقاء الأسماء التي تستحق دخول البرلمان، لأن المقاطعة سيترتب عليها تشكيل مجلس نيابي لا يرضي الطموحات الوطنية.

ويقول زهران لـ”العرب” إن نزول أغلب من يحق لهم التصويت في الانتخابات، من شأنه تغيير المشهد السياسي، فلن يصل المتناغمون مع الحكومة إلى عضوية البرلمان، وهناك دوائر تفضّل المشاركة الضعيفة للحد من اختيار النواب المشاغبين.

ما يلفت الانتباه أن هناك شريحة من الجمهور مستعدة لدفع غرامة مالية لكن لا يتم إجبارها على المشاركة في انتخابات بشكل يتم توظيفه سياسيا للدلالة على أن الشارع يتقبل الوضع الراهن.

2