الاعتصامات تتمدد محاصرة السلطة الانتقالية في السودان

الحكومة تبدو غير قادرة على تحديد بوصلة تحركاتها السياسية لاستكمال استحقاقات المرحلة الانتقالية، في ظل توالي الأزمات وانشغالها في حل المشاكل المتراكمة.
الجمعة 2020/08/07
الوضع في السودان محلك سر

الخرطوم – اتسعت رقعة الاعتصامات التي تشهدها عدة مدن سودانية، وامتدت إلى عدد كبير من أقاليم الهامش التي تعاني منذ عقود من مشكلات أمنية واقتصادية واجتماعية، ولم تنجح محاولات الحكومة في إطفاء الحرائق هنا وهناك، واستمر الغليان، على الرغم من تعيين ولاة مدنيين بدلا من العسكريين مؤخرا.

وتواصلت الاعتصامات في ست مدن تابعة لأربع ولايات، هي: شمال دارفور وجنوب كردفان وشرق السودان والنيل الأبيض، للمطالبة بإصلاح عدد من القضايا السياسية والأمنية والخدمية، فيما تمكن الولاة المدنيون الذين تولوا مناصبهم قبل إجازة عيد الأضحى من فض سبعة اعتصامات أخرى، في وسط دارفور وشرق دارفور وولاية شمال السودان، بعد الاستجابة لمطالب المعتصمين.

وعقد مجلس الأمن والدفاع السوداني، الخميس، اجتماعا طارئا لحل أزمة شرق السودان التي تفاقمت بعد أن تزايدت وتيرة الاحتجاجات الرافضة لقرار السلطة الانتقالية بتعيين صالح محمد صالح، القيادي في قوى الحرية والتغيير واليا على ولاية كسلا، ما يدفع إلى احتمال التراجع عن القرار واختيار أحد الأسماء التي يتوافق عليها أبناء القبائل في المنطقة.

وبدت الحكومة غير قادرة على تحديد بوصلة تحركاتها السياسية لاستكمال استحقاقات المرحلة الانتقالية، في ظل توالي الأزمات وانشغالها في حل المشكلات المتراكمة، من دون أن تضع استراتيجية واضحة تسير عليها، ما تسبب في ضعف إجراءاتها في الكثير من الأحيان.

وأدت هذه الأزمات إلى تأجيل التوقيع على اتفاق سلام مع الحركات المسلحة مرات عدة، ولم تف الحكومة بوعودها المتتالية والخاصة بتشكيل مجلس تشريعي بعد عام كامل على توقيع الوثيقة الدستورية، كما أن رئيس الوزراء، عبدالله حمدوك، لم يحسم في أسماء الوزراء الجدد بعد أن قبل استقالة ستة منهم، وأقال وزير الصحة مطلع شهر يوليو الماضي.

ودفعت الاعتصامات التي شهدتها مناطق مثل، فتابرنو وكتم في ولاية شمال دارفور لتأجيل التوقيع على السلام الذي كان من المقرر إنجازه في 14 يوليو، إثر الاعتداءات المسلحة التي وقعت ضد المعتصمين وأرغمتهم على فض الاعتصام، فيما حملت الجبهة الثورية، الممثلة لحركات مسلحة وتنظيمات سياسية مختلفة، الحكومة مسؤولية عدم حماية المعتصمين، قبل أن تعلن وساطة جنوب السودان تأجيل التوقيع على الاتفاق لأجل غير مسمى.

نورالدين صلاح الدين: ترشيحات الوزراء الجدد ستناقش نهاية الأسبوع الجاري
نورالدين صلاح الدين: ترشيحات الوزراء الجدد ستناقش نهاية الأسبوع الجاري

ويرى مراقبون، أن فقدان الثقة بين مكونات المركز والهامش انعكست على حجم التحديات التي يعاني منها السودان في المرحلة الانتقالية، وأفسح تصاعد دخان الخلافات بين المكونات والفصائل المختلفة المجال أمام قوى معادية للثورة لأن تبحث عن تحقيق مكاسب مع حالة الارتباك الظاهرة على هياكل السلطة الانتقالية.

وحسب رأي المحلل السياسي، الفاتح وديدي، يعد توالي الاعتصامات في ولايات الهامش بمثابة صرخة أطلقتها الأقاليم لاستعادة زمام المبادرة، حيث تشعر أن مكتسبات الثورة استأثرت بها قوى سياسية في المركز، في حين أن الثورة انطلقت أولا من الهامش قبل أن تمتدّ إلى الخرطوم.

وأضاف لـ”العرب” أن الخلافات داخل مكونات قوى الحرية والتغيير تسببت في تأخر حسم العديد من استحقاقات المرحلة الانتقالية، لأن هناك تيارين رئيسيين متعارضين داخل التحالف، هما: قوى نداء السودان من جانب، وقوى الإجماع الوطني، علاوة على المكوّن المرتبط بشقّ السلام، ممثلا في الجبهة الثورية، وبالتالي فإن توالي الاحتجاجات يعدّ ردّ فعل على استمرار هذه الخلافات.

وأضحت مبررات الحكومة بتأجيل تشكيل المجلس التشريعي غير مقنعة للمواطنين العاديين، إذ كان الهدف الأساسي من وراء التأجيل يكمن في التوصل إلى اتفاق سلام شامل، غير أن الجبهة الثورية استطاعت أن تحسم نسبة مشاركتها في المجلس عبر مفاوضات جرت في الخرطوم مطلع الشهر الماضي، ما يعني أن الخلاف تم تجاوزه.

ومع أن الاعتصامات التي شهدتها الولايات لم تتحدث عن مطالب سياسية مباشرة، غير أنها لا تنفصل عن حالة عامة يعيشها المواطنون يغلب عليها الإحباط جراء بطء الحكومة الانتقالية في حسم الكثير من الملفات العالقة، كما أن الفجوة بين قوى الثورة تتسع يوما بعد آخر، والتعويل على وجود نخب جديدة تعّوض فساد سابقتها أضحى محل جدل بين المواطنين.

ويرى مراقبون، أن السلطة الانتقالية تجد نفسها في مأزق لأنها تحاول السير قدما باتجاه استكمال ما جاء في الوثيقة الدستورية من بنود، لكنها تخشى من أن تؤثر الخلافات السياسية على طبيعة سير المرحلة الانتقالية، وتعتقد أن دخول أطراف جديدة على معادلة إدارة الفترة الانتقالية يدفع لا محالة إلى الكثير من العراقيل والمشكلات في معسكر الثورة.

وحاولت الحكومة الانتقالية مؤخرا تبرئة ذمتها من الأزمة التي اندلعت في شرق السودان جراء تعيين والي كسلا. وقال وزير الثقافة والإعلام الناطق الرسمي باسم الحكومة، فيصل محمد صالح، إن (14) والي من الولاة الذين جرى اختيارهم من قائمة تحالف قوى الحرية والتغيير، وأن رئيس الوزراء اختار (4) ولاة، وهذه الولايات لم تحدث فيها أي إشكاليات.

وأكد القيادي بقوى الحرية والتغيير، نورالدين صلاح الدين، أن حالة الارتباك الحالية سببها الرئيسي غياب السلطة التنفيذية على مستوى الولايات، لأن الولاة المكلفين بتسيير الأعمال لم يستطيعوا القيام بواجباتهم، ما دفع إلى تأجيج الاحتجاجات، وأن تعيين حكومات مدنية لهذه الولايات قد يكون حلا سحريا من زاوية الاستجابة لمطالب المعتصمين المشروعة، بما يقود إلى تهدئة الأوضاع في الهامش.

وأشار لـ”العرب”، إلى أن الاعتصامات مرتبطة أساسا بمظالم المواطنين الذين تعرضوا لها في ظل النظام البائد، وأن التعامل مع هذه المشكلات بشكل سريع يضمن إصلاح بوصلة عمل الحكومة الانتقالية، وقوى الحرية والتغيير ستقدم كل الدعم لضمان إنجاح تجربة الحكم المدني في الهامش بحيث تتفرغ الحكومة لإنجاز مهام المرحلة الانتقالية.

ونفى نورالدين حدوث فراغ إداري على المستوى الوزاري، وأن هناك سبعة وزراء يقومون بتصريف الأعمال إلى حين تعيين وزراء جدد، وأن التحالف الحكومي سيناقش ترشيحات الوزراء الجدد، نهاية الأسبوع الجاري، لحسم أسماء المرشحين بالتوافق بين الكتل داخل الحرية والتغيير قبل تسليمها إلى لجنة الترشحيات التي ستقدمها إلى رئيس الوزراء تمهيدا لاعتمادها.

2