الإنترنت عدو الحكام رقم واحد

من سوء حظ الحكام، أن خدمات الإنترنت دخلت إلى كل تفاصيل الحياة، وتوقفها يعني شللا يصيب مرافق البلد ويصيبهم، والتحكم بما ينشر عبرها مهمة شبه مستحيلة.
الخميس 2019/11/07
قطع الانترنت لمنع التواصل بين المحتجين

دعونا نتخيل استطلاعا للرأي نجريه مع حكام أسقطتهم الثورات، وحكام ينتظرون أن تسقطهم ثورات تجري في بلدانهم؛ نوجه لهم سؤالا واحدا: ما هو الشيء الذي تمنيتم أنه لم يوجد؟

الجواب، واحد لا يتغير: الإنترنت، وما رافقها من مواقع للتواصل الاجتماعي.

خلال السنوات العشر الأخيرة برزت الإنترنت بوصفها سلاحا فعالا للتحريض ونشر المعلومات، سواء كانت مفبركة أو صحيحة. بالطبع الفضائيات لعبت أيضا الدور نفسه، ولكنه، مقارنة بتأثير الإنترنت، دور محدود يمكن السيطرة عليه.

حكام الأمس مارسوا القمع والتنكيل والتعذيب في ظل غياب المعلومات. يوم كان تنقل الأخبار صعبا، وإن تنقلت كانت تتنقل ببطئ شديد، وإن وصلت تصل متأخرة. الخبر اليوم ينتشر بسرعة البرق، وأحيانا أسرع، لأنه أصلا لم يحدث. هناك أخبار كثيرة فبركتها مواقع على الإنترنت، وأخرى سجلت في استوديوهات بعض الفضائيات.

إجراءات كثيرة ابتكرتها الحكومات للسيطرة على ما ينشر، لم تنجح في تقييد نشاط المغردين والمدونين، في العراق وفي مصر، حيث تم اللجوء إلى وسائل سرية، ورسائل خارجية باهظة الثمن

انتفاضات واحتجاجات كثيرة حدثت في الماضي، في سوريا والعراق والجزائر ومصر والسودان.. وغيرها كثير، كنا نسمع عنها، ولكن بعد أن يتم قمعها.

هل تعتقدون أن البوعزيزي هو أول شاب حرق نفسه في تونس؟ البوعزيزي لم يكن أول المنتحرين حرقا، سبقه كثيرون، لم تصلنا أخبارهم.

الفضائيات بدأت اللعبة، والإنترنت أكملتها.. الواقفون في معسكر الحكم، يرون فيها شرا مطلقا، والواقفون في معسكر الشعب، يطنبون في مدح محاسنها ويعددون فوائدها.

من سوء حظ الحكام، أن خدمات الإنترنت دخلت إلى كل تفاصيل الحياة، وتوقفها يعني شللا يصيب مرافق البلد ويصيبهم، والتحكم بما ينشر عبرها مهمة شبه مستحيلة.. ببساطة، الإنترنت اليوم إما “شر لا بد منه”، أو هي منقذ أرسلته السماء للمغلوبين على أمرهم.

اليوم يمكن قراءة الوضع النفسي للحكام من خلال ردود فعلهم على خدمات الإنترنت، حيث وصل الأمر بالبعض منهم إلى معاداتها جهرا وإصدار الأوامر بحجبها.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فعل ذلك.. وأصدر أمرا من محكمة تركية بحجب العشرات من وسائل الإعلام، بداعي حماية “الأمن القومي”، ويشمل قرار الحجب حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي وملفات فيديو متداولة على يوتيوب وديلي موشن.

ومنذ انطلاق الربيع العربي عام 2011، انتبهت الحكومات إلى أهمية الإنترنت كوسيلة احتجاج. وكانت صور البوعزيزي التونسي سببا قويا في اندلاع الثورات، لتتحول الإنترنت إلى “العدو رقم واحد” للحكومات.

العراقيون صحوا أمس على انقطاع خدمات الإنترنت، مجددا، تزامنا مع احتجاجات شعبية مناهضة للحكومة لليوم الثاني عشر على التوالي. وأكد مرصد “نتبلوكس” لمراقبة الإنترنت، الذي نقل الخبر انقطاع الخدمة عن عشرات الملايين من المستخدمين، في بغداد وفي البصرة وكربلاء ومراكز سكانية أخرى.

وبدأت الحكومة العراقية قطع خدمة الإنترنت، بصورة شبه مستمرة تقريبا، منذ مطلع الشهر الماضي، في مسعى للتأثير على زخم الاحتجاجات عبر حجب المعلومات. ولم يتسن الوصول إلى خدمات الإنترنت سوى من خلال شبكة افتراضية خاصة، تقوم بإخفاء موقع الجهاز المستخدم للولوج إلى الإنترنت.

ويقول عراقيون إن الحكومة العراقية عمدت لذلك بهدف منع نشر ما يثبت انتهاكات القوات الأمنية وتعاملها العنيف مع المحتجين، والحد من وضع العالم الخارجي في صورة ما يحدث على الأرض، ومنع التواصل بين المتظاهرين.

رغم ذلك، نجح البعض، بوسائل مختلفة، في تحميل صور وفيديوهات تفضح ممارسات الحكومة. وتحدثوا عن أشخاص من دول مجاورة اخترقوا الحدود وشاركوا في عمليات قمع للمتظاهرين.

خلال السنوات العشر الأخيرة برزت الإنترنت بوصفها سلاحا فعالا للتحريض ونشر المعلومات، سواء كانت مفبركة أو صحيحة

وقال نشطاء في تغريدات متفرقة إن عددا من هؤلاء الأشخاص تخفوا في صورة متظاهرين، واندسوا بين الجموع، وقاموا باختطاف أكثر من شخص من وسط التظاهرات. وانتشرت على مواقع فيسبوك وتويتر وإنستغرام وسوم شهدت مشاركات كبيرة من داخل وخارج العراق.

وتتنوع طرق الحكومات في التصدي لأنشطة المغردين والمدونين، ما بين الحجب الكامل للإنترنت أو الجزئي، أو تعمد تقليل سرعة الإنترنت، وهو أمر يحدث بشكل منتظم في مصر، بحسب ما أفاد مغردون مصريون، خصوصا بعد انتشار فيديوهات الفنان والمقاول المصري محمد علي، الذي تحدث عن فساد واسع النطاق.

وعقب اندلاع الثورة التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، حجب النظام المصري أكثر من 500 موقع إخباري، وأقر البرلمان حزمة من القوانين المشددة الخاصة بالممارسات على الإنترنت، أدت إلى اعتقال الكثيرين.

إجراءات كثيرة ابتكرتها الحكومات للسيطرة على ما ينشر، لم تنجح في تقييد نشاط المغردين والمدونين، في العراق وفي مصر، حيث تم اللجوء إلى وسائل سرية، ورسائل خارجية باهظة الثمن، للالتفاف على الحجب. وعندما بدأ حجب فيسبوك تحرك العراقيون سريا لتنزيل تطبيقات الـ”في.بي.أن”. وبدأ آخرون بنشر التفاصيل عن التظاهرات في قسم تعليقات شبكة “سينمانا”، وهو تطبيق يبث برامج ومسلسلات ذات شعبية في العراق.

لعبة القط والفأر ستستمر، وستبقى الإنترنت عدوا للحكام، إن ناصبوا شعوبهم العداء، وصديقا لهم إن انحازوا إلى شعوبهم.

18