الإبداع بين السيد والتابع والفاعل والمفعول به

حراك ثقافي وفكري وفني عرفته طبقة المثقفين في حقبة الستينات رغم التعقيد والالتباس الذي تعرضت له من جهة نظرة السلطة إلى الفنون.
الأربعاء 2020/01/15
يوسف إدريس كان عنوانا للتمرد الجريء

قد تتشدد أو تتخفف قبضة الرقابة على الفكر والإبداع، وقد يكون مطلوبا في فترة ما تصدير خطاب معين واستخدام المثقفين في الترويج له على نحو أو آخر، لكن الاستجابة أو عدم الاستجابة يرجعان إلى المثقفين أنفسهم.

لا أعتقد أبدا أن الفضل يعود إلى سلطة الدولة دائما، في السماح بظهور الأعمال الأدبية والفنية التي توجه النقد الشديد إلى ما يحدث في المجتمع. ولا أظن أن الأمر يتعلق بطبيعة تكوين “الحاكم” أو شخصية “الرئيس” ومدى تفهمه لفكرة الإبداع الفني أصلا، فمهما بلغ الحاكم في بلدان العالم الثالث من ثقافة ومعرفة بهموم المبدع، فهو في نهاية الأمر لا بد وأن ينحاز لفكرة “تأمين السلطة” تحت شعار “تأمين الدولة”. وما بين الدولة والسلطة تضيع عادة الكثير من الحقائق.

ولكن إلى ماذا يرجع ظهور الفكر النقدي الاجتماعي والسياسي في أعمال المبدعين إذن؟

قوة المثقفين

أظن أن مرجع الأمر في البداية والنهاية يعود أولا وأساسا إلى “سلطة المثقفين” وهو تعبير قد يبدو متجاوزا بعض الشيء، لكني أرمز به إلى القوة التي تتكوّن وتشحن طبقة “الأنتلجنسيا” بقوة دفع مستمدة بالضرورة من قوة “الطبقة الوسطى” نفسها. ففي فترات صعود الطبقة الوسطى ووعيها بأهمية حضور دورها في المجتمع، لا بد أن تفرز الكثير من الأسماء التي تدرك أيضا أهمية النقد في توجيه الأمور نحو نصابها الصحيح.

في أشد فترات المرحلة الناصرية في مصر تشددا وجمودا عقائديا تحت شعارات “الاشتراكية” و“القومية العربية” و“لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، أي في حقبة الستينات قبل وبعد 1967، كانت طبقة المثقفين تقدّم لنا العشرات من أسماء المبدعين في الأدب والشعر والمسرح والسينما والموسيقى والغناء والفن التشكيلي.

كان هذا الحراك الثقافي والفكري والفني، يرجع أساسا إلى قوة المثقفين أنفسهم، الذين كانوا في الحقيقة قد تكوّنوا فكريا في أربعينات القرن الماضي، أي قبل بلوغ مرحلة الشعارات الشمولية التي كان يراد للجميع أن ينتظم تحتها.

حراك ثقافي وفكري وفني يرجع أساسا إلى قوة المثقفين أنفسهم
حراك ثقافي وفكري وفني يرجع أساسا إلى قوة المثقفين أنفسهم

هذا الحراك كان يفرض الكثير من أدواته وإبداعاته. ينجح تارة ويفشل تارة أخرى، لكن المقاومة كانت موجودة. وكان الجدل يجذب الكثير من المثقفين من غير الضالعين مباشرة في الخلاف حول عمل فني أو آخر.

كان مخرج كبير مثل صلاح أبوسيف الذي لم يكن يمكن ببساطة اتهامه بمناهضة الفكر الناصري أو النظام، يدخل في معارك مع القائمين على الأمور رغم أنه تولى لفترة رئاسة مؤسسة السينما، من أجل أن يفرض رؤيته في فيلم مثل “القاهرة 30” عن رواية نجيب محفوظ الشهيرة “القاهرة الجديدة”، مع بعض التعديلات الضرورية التي لا أظن أن المخرج كان سعيدا بها، تماما كما لم يكن قد رضي وارتضى بفكرة وضع عبارة “حدث في الماضي في أقاصي الصعيد” في بداية فيلمه الكلاسيكي “الوحش”.

كانت الفترة شديدة التعقيد والالتباس من جهة نظرة السلطة إلى الفنون، فعلى حين كان هناك جناح يؤمن بضرورة إنشاء المعاهد الفنية ودار الأوبرا وحماية التراث التاريخي الموروث وغير ذلك، بغرض إدخال البلاد إلى الحداثة الأوروبية ورفع مستوى التذوّق والوعي، كان هناك جناح آخر أو فكر آخر يريد استخدام هذا “التأميم” للثقافة والفنون، من أجل دفع المثقفين لـ”الدخول إلى الحظيرة”، أي حظيرة النظام.

ورغم ذلك كانت تظهر أعمال، تمنع لفترة لكنها تبقى وتجد فرصتها في ما بعد، وحتى لو لم تجد فرصة للوصول عبر المنافذ الرسمية للدولة (المسرح والسينما والنشر) كانت تبقى وتصبح متداولة بعد ذلك سواء من خلال المنابر الهامشية أو من خلال ما أصبح متاحا بعد انفجار ثورة الاتصالات ووسائل الاتصال الحديثة، وأهمها على الإطلاق شبكة الإنترنت الدولية.

كسل الدولة

كنت أراجع مؤخرا مسرحية “المخططين” للكاتب يوسف إدريس. وكانت هذه المسرحية تحديدا قد منعت من العرض، بل وقامت الشرطة بمحاصرة المسرح في ليلة العرض الأولى وأوقفت عرضها، لكنها عادت بعد ذلك في فترة زمنية أخرى، وعرضت عروضا هامشية خارج مسارح الدولة بالطبع.

لكن مسرحية أخرى مثل “انت اللي قتلت الوحش” لعلي سالم عرضت وأثارت ما أثارته من جدل وضجيج وصل إلى حد المطالبة بمنعها فمنعت، باعتبار أنها كانت ترمز إلى سلطة عبدالناصر بل وشخصه أيضا، أي أنها كانت تتجرّأ على نقد الحاكم. وقد عاد علي سالم وكان دون شك من أكثر أبناء جيله موهبة في الكتابة المسرحية، ليقدّم مسرحية “عفاريت مصر الجديدة” التي تسخر على مستوى رمزي من السلطة المستبدة التي تصادر وتمنع وتحظر وتعتقل وترسل بالمثقفين “وراء الشمس” أو إلى “المختفى”، حسب التعبير المستخدم في المسرحية الكوميدية البديعة!

وكان يوسف إدريس في “المخططين” يشن هجوما لاذعا ساخرا من “الدولة الشمولية”. لذلك تعرضت المسرحية لهجوم من جانب اليسار الذي كان الكاتب ينتمي إليه، بعد أن فسرها البعض باعتبارها هجوما على الأنظمة الاشتراكية خاصة في الاتحاد السوفييتي (الصديق).

أما مسرحية يوسف إدريس “الفرافير” فقد عرضت على خشبة المسرح القومي الرسمي. وكما هو معروف، تدور المسرحية حول فكرة إشكالية العلاقة بين الحاكم (السيد) والمحكوم (أو الفرفور) في سياق من الكوميديا العبثية المشبعة بقوة بالسخرية السياسية.

وفي الفصل الثاني تصل أزمة العلاقة بين الاثنين إلى طريق مسدود فيتبادلان الأدوار لكن التجربة تفشل. ويتدخل أحد أفراد الجمهور ليطلب من الاثنين بدلا من الجدال حول من منهما يجب أن يعمل ومن يجب أن يستريح، أن يتركا الأمر للدولة لكي تعمل وأن يرتاحا هما الاثنان.

المبدع لا ينتظر تعاطفا من "السيد" لكي ينتج ويبدع من دون أن ينظر إلى نفسه على أنه مجرد "فرفور" صغير يمكن تحطيمه

يقرّر الاثنان تبني الفكرة بحماس، بل وإقامة إمبراطورية يطلقان عليها “إمبراطورية فرفوريا العظمى”. وفيها يصبح كل واحد إمبراطورا على نفسه، ولكنهما يكتشفان الحاجة إلى بعض الأدوات التكميلية مثل الإذاعة فيستعين الفرفور بجهاز غرامافون قديم يصبح هو الإذاعة، ويلتقط نسخة من جريدة تصبح هي الصحافة، فيلفت السيد نظره إلى أنها جريدة قديمة وأنه لا بد من جريدة “تطلع كل يوم”، فيجيبه الفرفور بأنها “جريدة كل يوم”.. وأما اسم الجريدة فيصبح “الدستور”.  و“كل واحد دستوره معاه يكتب فيه ما يريد”!

ينتظر الاثنان أن “تشتغل الدولة”، لكنها لا تعمل. هناك شيء ما خطأ في المسألة. ينفخ الفرفور في بوق الغرامافون، يتحسّس ورق الجريدة. لكن الدولة لا تعمل. يصيح الجمهور في الصالة: الدولة عايزة حد يشغلها. يتطوّع “السيد” بأن يصبح هو الإمبراطور الذي يدير الدولة ويبدأ في إصدار الأوامر إلى “الفرفور” من أجل أن يمارس الأعمال الشاقة كلها بينما يجلس هو مرتاحا سعيدا بنفسه!

أخيرا أود أن أضيف أن الوضع القائم الذي يوحي باستحالة الإبداع الحر، ليس من الممكن أن يحول بين المبدع وما يريد التعبير عنه بغض النظر عمّا يمكن أن يقع من “مواجهة”، فالمبدع لا ينتظر تعاطفا من “السيد” لكي ينتج ويبدع دون أن ينظر إلى نفسه على أنه مجرد “فرفور” صغير يمكن تحطيمه بكل بساطة.

14