الألغام تحاصر البصرة وتصيبها بأزمة سكن

أكثر من ستة في المئة من أراضي البصرة تضم ألغاما لم تنفجر من مخلفات الحروب التي استمرت عقودا في الجنوب.
الأربعاء 2020/12/02
حقول ألغام

تعيش محافظة البصرة جنوب العراق أزمة سكنية حادة بعد أن سيّجتها الألغام على مرّ السنين، فبات من المتعذر الاستثمار في الأراضي لبناء المساكن خاصة أن نسبة كبيرة من هذه الأراضي مخصصة لوزارة النفط، فارتفعت الأسعار وعجز المواطن عن الحصول على منزل يؤويه.

البصرة (العراق) – تعاني البصرة كغيرها من المدن العراقية مشكلة السكن التي تحولت إلى عامل ضغط على المواطن باعتبار أن المنزل من أولى الأوليات الآن ومستقبلا.

وتشهد البصرة منذ منتصف التسعينات أزمة سكن تفاقمت كثيرا في الفترة الأخيرة جراء النمو السكاني الكبير وتصاعد وتيرة الهجرة إليها من المحافظات الجنوبية الأخرى.

ومن أبرز تداعيات تلك الأزمة ارتفاع أسعار البيوت وقطع الأراضي السكنية بشكل كبير، حيث بات يتعذر على المواطن ذي الدخل المتوسط شراء بيت أو قطعة أرض تقع ضمن الحدود الإدارية لمركز المحافظة.

ويرى العديد من المواطنين أن الحكومة مطالبة بتوفير السكن للمواطنين، في حين يرى آخرون أن سوء التخطيط وراء أزمة السكن الحالية.

وتقول وزارة التخطيط العراقية، إن محافظة البصرة تجتذب أكبر عدد من العراقيين من المحافظات الأخرى للبحث عن عمل.

وعلى مدى 20 عاما أسهم ذلك في تشكيل سكان المدينة البالغ عددهم نحو ثلاثة ملايين نسمة، لكنّ الكثيرين منهم يواجه صعوبات في إيجاد سكن.

وتقول هالة (موظفة) “إن الحكومة معنية بإسكان المواطنين وتوفير سكن ملائم لهم خاصة وأن الأراضي كثيرة وواسعة في محافظة البصرة”، أما سلمى (ربة بيت)، فترى أن “سوء التخطيط في توزيع الأراضي على المواطنين سبّب أزمة في السكن، فبإمكان الحكومة المحلية أن تخصص لكل عائلة لا تمتلك سكنا قطعة أرض بمساحات معينة كي ينعم الجميع بسكن آمن”.

ويقول علاء عبدالحسين، مدير هيئة الاستثمار في البصرة، هناك حاجة لبناء أكثر من 200 ألف وحدة سكنية في محافظة البصرة”، مضيفا “أن أعدادا متزايدة من الشركات تريد الاستثمار في قطاع الإسكان لكنها تواجه نقص الأراضي”.

وأضاف “في الحقيقة تعاني هيئة الاستثمار من مشكلة شحّ الأراضي المعلنة للاستثمار في محافظة البصرة على اعتبار الأراضي التي يعتقد أن في باطنها حقولا نفطية وغازية لا يسمح لهيئة الاستثمار بأن تشيّد أي مشروع استثماري عليها لذلك هي مشكلة كبيرة نعاني منها في محافظة البصرة”.

استثمارات مكلفة
استثمارات مكلفة

وتابع أن 70 في المئة من أراضي المحافظة مخصصة لوزارة النفط. وفضلا عن ذلك فإن أكثر من 6 في المئة من أراضي البصرة المتبقية تضم ألغاما لم تنفجر من مخلفات الحروب التي استمرت عقودا في الجنوب.

وشهد العام الجاري تزايدا في عدد الأشخاص الذين لقوا حتفهم بسبب الألغام في محافظة البصرة. ويعزو مراقبون ذلك إلى تجريف الأمطار الغزيرة قسما كبيرا من تلك الألغام والمخلفات المدفونة تحت الأرض وإلى أعمال بناء في مناطق مزروعة بالألغام.

وبالقرب من شط العرب في شرق المحافظة باتجاه الحدود مع إيران، من المتوقع أن يوفر مشروع إسكاني جديد نحو 1400 وحدة سكنية بعد تطهير 32 كيلومترا من الأراضي من الألغام في إطار جهد مشترك بين وزارة الداخلية العراقية وجماعة دنماركية لنزع الألغام.

وقال هيثم فتح، مدير منظمة شؤون الألغام في المنطقة الجنوبية، “هذه الأراضي أغلبها كانت أراضي زراعية، كلها غابات، وغادرها سكانها بعد أن عجزوا عن استغلالها بسبب الألغام والحروب”.

المئات من القرى والتجمعات السكانية الممتدة على الحدود العراقية الإيرانية من أقصى شمال العراق وصولا إلى محافظة البصرة في أقصى الجنوب، يهددها نحو 25 مليون لغم، وأدت إلى مقتل أو بتر أطراف الآلاف من الأشخاص، حتى بات يطلق على قرى حدودية بأكملها “قرى العرجان”.

ويقول نبراس التميمي، مدير المركز الإقليمي الجنوبي للألغام في البصرة، إن “إجمالي المساحات الملوثة بالألغام والذخائر الحربية جنوبي العراق تبلغ أكثر من 1570 كم مربع، وقد أثّرت سلبا على القطاعات الزراعية والنفطية والصناعية والاستثمارية، إضافة إلى تأثيرها المباشر على السكان، فقد تسببت في حوادث ومشاكل أوقعت الآلاف من الضحايا”.

ويوضح أن “محافظة البصرة هي المحافظة الأولى من حيث التلوث مقارنة بالمحافظات الأخرى وبمساحة تلوث تصل إلى 1271 كم مربع”.

توسع صعب حسب الخرائط
توسع صعب حسب الخرائط

ويقدر التميمي عدد ضحايا الألغام في البصرة وحدها بأكثر من خمسة آلاف شخص وفق إحصائية للمركز أنجزت عام 2014، معربا عن اعتقاده بأن العدد حاليا أكثر من ذلك بكثير.

ويشير مدير المركز الإقليمي الجنوبي للألغام، إلى أن الحكومة ومنظمات غير حكومية وغيرها من الجهات المرخصة من قبل وزارة الصحة والبيئة أجرت مسوحات كبيرة.

وتم إصدار أكثر من 690 مهمة عمل من قبل المركز الذي يشرف على أربع محافظات جنوبية هي البصرة وميسان وذي قار إضافة إلى المثنى، مبينا أن هناك “1690 منطقة تلوث في تلك المحافظات”.

وفي وقت سابق من هذا الشهر زار وفد من دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بإزالة الألغام شرق محافظة البصرة لتقييم جدوى ما قد يكون أول مشروع لها لنزع الألغام في جنوب العراق.

وقال بيهر لودهامر، وهو مسؤول في الدائرة، “هذه المنطقة مهمة لأنها منطقة زراعة مستقبلية ويمكن كذلك استغلالها في الإسكان”.

ويقول الضابط في الجيش العراقي السابق، حبيب شاكر العبادي، إن “وجود الألغام في بعض المحافظات العراقية مشكلة قد تمتد إلى مئة سنة مقبلة وهذا يعني أن الخطر قائم في تلك المناطق وأنها ستظل بعيدة عن الخدمات في ظل صعوبة معالجتها”.

ويعزو ذلك إلى “زراعة الألغام بطريقة عشوائية بعيدا عن السياقات العسكرية الصحيحة التي تعتمد الإحداثيات ومناطق التربيع ومن ثم تسييج الحقول بالأسلاك الشائكة لتسهيل عملية رفعها بعد انتهاء المعارك”.

الموت في كل مكان
الموت في كل مكان

 

20