الأفلام السينمائية الطويلة قلّصت مساحة التنوع

الممثلة المصرية ناهد السباعي تقول إن دورها في فيلم "هذه ليلتي"سيكون طريقها للوقوف على السجادة الحمراء.
الثلاثاء 2019/12/31
المجتمع يرفض كل شيء لا يشبهه

اختارت الفنانة المصرية ناهد السباعي طريقا صعبا للوصول إلى نجومية ما زالت تتحسّس خطواتها، وأخذت تركز على نوعية من الأفلام قد لا تلقى جماهيرية واسعة، غير أنها تناقش موضوعات جادة يجري التسويق لها بشكل كبير في المهرجانات الدولية، بغض النظر عن نوعية تلك الأعمال، ما دفعها إلى المشاركة في ثلاثة أفلام قصيرة حتى الآن.

القاهرة – على مدار تاريخها الفني الذي بدأ بشكل فعلي في العام 2007، عبر مشاركتها في مسلسل “صرخة أنثى”، ظهر اسم الممثلة المصرية ناهد السباعي في أعمال فنية تقطع مع الاستسهال، حيث شاركت في فيلم “بعد الموقعة” أحد أهم الأعمال المصرية على مدار السنوات الماضية وحاز على جائزة السعفة الذهبية من مهرجان كان السينمائي، بجانب مشاركتها في فيلم “احكي يا شهرزاد” للمخرج يسري نصرالله، والمسلسل الكوميدي “هبة رجل الغراب”.

وشاركت السباعي أخيرا في بطولة الفيلم القصير “حار جاف صيفا”، ولحقته بفيلم “هذه ليتلي” الذي حصل على جائزة خاصة من منظمة “اليونيسف”، ومن المقرّر مشاركته في مهرجان كليرمون فيران الدولي للفيلم القصير في دورته المقبلة التي ستنعقد خلال الفترة من 31 يناير إلى 8 فبراير المقبلين، وهو أكبر مهرجان سينمائي دولي للأفلام القصيرة.

وقالت ناهد السباعي في حوارها مع “العرب” إن مشاركتها في الأفلام القصيرة تستهدف تغيير الصورة النمطية بشأنها، وأن تركيز نجوم الفن والدراما على الأعمال الطويلة قلّص مساحة تنوع المسلسلات والأفلام القصيرة، ما تسبّب في اختفاء الدراما “السُباعية”، نسبة لعدد حلقاتها، في حين أن حركة تطور الحياة السريعة جعلت تلك الأعمال تلقى انتشارا كبيرا في أوساط الشباب.

الفيلم توج من قبل اليونيسف
الفيلم توج من قبل اليونيسف

وأضافت أن الأفلام القصيرة فكرة يجري تنفيذها في صورة بسيطة ومختصرة، وذلك يبدو مناسبا للكثير من الأعمال الطويلة المعروضة حاليا التي يغلب عليها المط والتطويل في الأحداث من دون مبرّر، كما أن الأفلام القصيرة تجعل الجمهور يشاهد عددا كبيرا منها دون ملل، وإذا لم يحصل على المتعة في أحدها يمكنه بسهولة متابعة آخر.

وأكدت السباعي أن غياب المهرجانات التي تشجّع على إنتاج الأفلام القصيرة يؤثر بالسلب على تسويقها تجاريا، بجانب أن عدم وجود دور عرض مخصّصة لهذا النوع من الأفلام يدفع صناعها الشباب إلى هجرتها، بينما الأعمال الجيدة تلقى تقديرا كبيرا في الخارج، ولها حضور قوي في المهرجانات التي تستهدف التشجيع على صناعة الفن.

ولعل الحضور القوي لفيلم “هذه ليلتي” في المهرجانات الدولية سببه أنه ركّز على قضية تربية أصحاب الهمم أو ذوي الاحتياجات الخاصة التي تلقى اهتماما دوليا ومحليا أيضا في الوقت الراهن، وجسّدت فيه السباعي دور الأم “عزة” التي تعمل خادمة وتكافح من أجل تربية ابنها المصاب بمتلازمة داون، ورغم أنه كان سببا في انفصالها عن زوجها بسبب صعوبة تربيته، إلاّ أنها تزداد تمسكا به.

وتواجه عزة خلال أحداث الفيلم معاناة تزداد يوما بعد آخر لأن أهالي المنطقة التي تقطن فيها كانوا يسيؤون التعامل مع مريض متلازمة داون، وتقرّر اصطحابه والسير معه في أحد شوارع الأحياء الراقية ليكون متنفسا لهما وبعيدا عن هواء العشوائيات الملوث، قبل أن تصطدم بمواقف كثيرة توضح طبيعة التعقيدات التي يواجهها المصابون بهذا المرض في التأقلم مع الواقع، والمجتمع الذي يرفض كل شيء لا يشبهه.

ومع كل الرفض الذي يتعرّض له الطفل، إلاّ أنه يتلقى كل ذلك بابتسامة الأبرياء، منبهرا بما يدور حوله، وتحديدا “السيرك المتنقل” وتصرفات البلياتشو، ليترك يد والدته للمرة الأولى ويقرّر الاندماج في المجتمع الصعب، قبل أن تعثر عليه في نهاية اليوم برفقته “كلب صغير” وكأنه يريد القول إن هذا الحيوان الوحيد الذي يتقبلني دون سائر البشر.

وأشارت ناهد السباعي في حوارها مع “العرب”، إلى أنها تحمّست لتقديم دور الأم لرغبتها في تقديم فيلم يناقش أطفال متلازمة داون، وأن إحساسها بتقديم عمل إنساني مختلف عن الأعمال الدرامية الأخرى جعلها متوترة أثناء عملية التصوير، وعقدت العديد من الجلسات مع مخرج العمل، يوسف نعمان، لتتعرّف على كيفية التعامل مع الدور.

وأضافت أن مشاركتها في التجربة جاءت من قناعتها بأن أطفال متلازمة داون، لا بد أن ينالوا عناية خاصة ويخوضوا العديد من المجالات، فلماذا لا يخوضون مجال التمثيل على سبيل المثال؟ فقد أثبتوا نجاحهم في الرياضة بل نجحوا في حصد البطولات في غالبية الألعاب، ولا بد أن ينعكس ذلك على فعالية أدوارهم في المجتمع.

واجه الفيلم العديد من المشكلات بسبب تصويره بالكامل في أماكن خارجية أغلبها في شوارع القاهرة الشعبية، ما يجعله يأخذ منحى الأفلام الوثائقية بعض الشيء، بجانب أن التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة يتطلب مهارات محددة من مخرج العمل، وهو أمر لا يتوفر لدى العاملين في صناعة الفن المصري لعدم وجود خبرات بهذا المجال بعد أن اقتصر وجود ممثلين عانوا من الإعاقة في أعمال شحيحة، أبرزها مسلسل “تاجر السعادة”، و”ابن حلال” و”كأنه امبارح”.

أوضحت ناهد السباعي أنها بحثت عن حالات واقعية لتقمّص الشخصية، وعقدت جلسات عمل مع أمهات يعانون بسبب إعاقة الأبناء حتى التقت إحدى الأمهات التي أثّرت فيها ودفعتها إلى التعامل مع الفيلم باعتباره رسالة إلى الإنسانية للنظر إلى الآلام الصامتة لدى هؤلاء الأمهات اللاتي يضحين بحياتهن لرعاية الأبناء وجعلهم يحسون بأنه لا شيء ينقصهم.

ناهد السباعي: مشاركتي في الأفلام القصيرة هدفها تغيير الصورة النمطية
ناهد السباعي: مشاركتي في الأفلام القصيرة هدفها تغيير الصورة النمطية

في المقابل، تعتبر أن خوضها تجربة فنية مع الطفل عمرو، وهو أحد الأطفال الذين يعانون متلازمة داون، أضاف لها على المستوى الفني، قائلة “على الرغم من أن الطفل من ذوي القدرات الخاصة، لكنه يتمتع بذكاء جعله يجسد الدور بشكل متميز، بل إن التعامل معه كان أسهل من فتاة طبيعية شاركت أيضا في العمل”.

وتنتظر ناهد استئناف تصوير دورها في فيلم “ماكو”، وهو أحد التجارب الفنية المثيرة على مستوى السينما العربية، ويجري تصوير غالبية مشاهده تحت الماء، وتطلب استعدادات مختلفة وتدريبات شاقة على التنفس والتركيز.

وأشارت في حوارها مع “العرب” إلى أن الفيلم يتناول قصة غرق إحدى العبارات ومأخوذ عن قصة حقيقية، وتحمّست للعمل في الفيلم من أجل التحدي وتقديم عمل قد يكون علامة بارزة في تاريخ الفن المصري، لأن صناع الفيلم يستخدمون تقنيات حديثة في التصوير، وسوف يشاهد الجمهور الصورة من تحت الماء بنسبة لم تظهر من قبل على شاشة السينما المصرية والعربية.

وترى الممثلة االمصرية أن السينما لها تأثير قوي في معالجة الكثير من الأمور، بل وتستطيع تغيير القوانين، وهي تتمنى المشاركة في أفلام كثيرة من أجل الحضور والتأثير في الشأن العام، باعتبار أن الفن من أهم أدوات القوة الناعمة القادرة على إحداث التغيير.

وأضافت ناهد السباعي في حديثها مع  ”العرب” أنها لا تقلق من تصنيفها كفنانة مهرجانات، ولا تؤمن بتلك التصنيفات لأن الفنان الحقيقي هو الذي يستطيع خوض كل التجارب الفنية مهما كانت نوعيتها، وهي تحلم بتقديم دور حركة “أكشن” لما تحقّقه من جماهيرية واسعة، وسعيها نحو تغيير جلدها الفني كل فترة.

16