استمرار العنف في دارفور ينغص علاقة السودان بالمجتمع الدولي

الحركات المنضوية تحت لواء الجبهة الثورية ستوظف المواقف الأممية للضغط على الخرطوم لتنفيذ بنود الاتفاق.
الأربعاء 2021/09/15
انسحاب اليوناميد شجع على العنف

الخرطوم – ظهرت بوادر توتر جديدة بين السودان والمجتمع الدولي على خلفية الأوضاع الأمنية المتردية في إقليم دارفور بعد فترة من الهدوء الحذر عقب اندلاع الثورة التي أطاحت بالرئيس السابق عمر البشير، ولم ينجح السلام الذي وقعته السلطة الانتقالية مع الجبهة الثورية ومكوناتها السياسية والعسكرية في ترميم العلاقة مع المنظمات الدولية التي عملت على إنهاء الصراع المشتعل في الإقليم.

وأعلن مجلس الدفاع والأمن السوداني تحفظه على تقرير قدمه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى مجلس الأمن الدولي مؤخرا دعا فيه إلى استمرار العقوبات الأممية على السودان.

وشدد المجلس على رفضه أي وصاية على قضاياه الوطنية وأن السودان ماض في إحداث التغيير وتحقيق شعارات الثورة وتعظيم المصالح الوطنية بعد أن أصبح السلام واقعًا ملموسا، مستبقا جلسة يعقدها مجلس الأمن الثلاثاء لمناقشة تقرير غوتيريش.

وقال وزير الدفاع السوداني الفريق ركن ياسين إبراهيم ياسين إن المجلس تحفظ على المؤشرات المرجعية للأمم المتحدة والمتعلقة بالحوكمة السياسية والاقتصادية والترتيبات الأمنية وخطة العمل الوطنية لحماية المدنيين بجانب العدالة الانتقالية، معتبرا أن الواقع يؤكد التقدم المحرز في هذه الموضوعات، وأن قرار مجلس الأمن رقم 1591 انتفت ظروفه وأسبابه.

وقدم الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش تقريرا لمجلس الأمن الدولي انتقد الأوضاع في إقليم دارفور غربي السودان، وحث على استمرار فريق الخبراء الدوليين الذي تشكل بموجب القرار الأممي الصادر في عام 2005، ويقضي أيضًا بفرض عقوبات أممية على السودان تتمثل في حظر بيع الأسلحة للبلاد وتجميد أصول الأشخاص المرتبطين بالصراع الدامي.

ويعبر الموقف الأممي وما تلاه من ردة فعل سودانية عن وجود فجوة بين رؤية السلطة الانتقالية بشأن إحداث تقدم ملموس على تهدئة الأوضاع في دارفور عبر اتفاق جوبا ودمج الحركات المسلحة في هياكل السلطة والانتقال إلى الحكم الإقليمي وتعيين حاكم لدارفور، وبين نظرة الأمم المتحدة التي تراقب أوضاع الإقليم في مجمله وتعتقد بأن حالة الانفلات الأمني وتوالي الاشتباكات القبلية تمهد لاشتعال الحرب مجدداً.

ويمتلك السودان سجلا سيء السمعة بشأن اتفاقيات السلام غير المنفذة على الأرض وتعرض الإقليم لانتكاسات متعددة ما يجعل هناك توجسات دولية من إمكانية تكرار الوضع بالنسبة إلى اتفاق سلام جوبا الذي يواجه تعقيدات تفوق قدرات الحكومة على حلها مع استمرار تجميد غالبية بنوده، وعدم قناعة أصحاب المصلحة بما جاء فيه وإدراكهم بأنه حقق مصالح قادة الحركات دون أن تنعكس عليهم بعد نحو عام من توقيع الاتفاق في الثالث من أكتوبر الماضي.

وترفض السلطة الانتقالية التعامل وفقًا لهذا المنطلق، وترى أن النظام السابق هو من حرص على إشعال الأوضاع لخدمة مصالحه، وأن التطورات السياسية الموجودة في السابق لم تعد كما هي، وبدت أنها غير قادرة على إقناع المجتمع الدولي بهذا الخطاب لأن هناك أطرافا أمنية في السلطة متورطة في الصراع.

وتوالت التقارير المحذرة من اشتعال الأوضاع في دارفور، إذ طلب الأمين العام للأمم المتحدة الأسبوع الماضي مساعدة مجلس الأمن في مواجهة تهديدات ضد المدنيين في دارفور، لافتا إلى أن سحب مهمة حفظ السلام (يوناميد) بداية العام الجاري وإنشاء البعثة الأممية المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (يونيتامس) جاء مصحوبا بعنف طائفي متكرر.

نصرالدين يوسف: خروج “اليوناميد” كشف حالة الهشاشة الأمنية في الإقليم
نصرالدين يوسف: خروج “اليوناميد” كشف حالة الهشاشة الأمنية في الإقليم

وتقول المعلومات إن أكثر من 26 ألف شخص نزحوا من 38 قرية بولاية شمال دارفور تحت وقع هجمات تشنها ميليشيات مسلحة منذ أغسطس الماضي وصاحبتها انتهاكات جسيمة في وحدة تارني الإدارية جنوب شرق محلية طويلة بشمال دارفور.

وأدت الاشتباكات القبلية التي اندلعت بين قبيلتي البني هلبة والشرفة ووقعت يومي الجمعة والسبت الماضيين بمنطقة وجقي في محلية مكجر بولاية وسط دارفور إلى مقتل 15 شخصًا والعشرات من الجرحى والمفقودين.

وأوضح عضو هيئة محامي دارفور نصرالدين يوسف أن العقوبات الأممية من المتوقع أن تستمر طالما ظلت تقاطعات ومصالح النظام السابق مسيطرة على الأوضاع في دارفور، وأن هؤلاء يؤثرون سلبًا على استقرار الأوضاع الأمنية، بل إن الكثير من الأحداث التي وقعت أعادت إلى الأذهان أوضاع الإقليم قبل سقوط البشير.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن خروج “اليوناميد” كشف حالة الهشاشة الأمنية في الإقليم، على الرغم من أن أدوار البعثة الأممية كانت قاصرة ولم تكن لديها القدرة على التعامل بفاعلية مع الاشتباكات المتتالية إلا أنها تركت فراغاً لم تتمكن السلطة الانتقالية حتى الآن من سده، ما جعل هناك إدراكا دوليا بأن ثمة ثغرة يجب التعامل معها لتحسين استقرار الأوضاع والوصول إلى اتفاق سلام شامل ونهائي.

ويرى مراقبون أن الأمم المتحدة تنظر إلى الحكومة على أنها تعاملت مع السلام بصورة سطحية ولم تخاطب جذور الأزمات التي نص عليها اتفاق جوبا ولم تتخذ إجراءات من شأنها ضبط الأوضاع الأمنية على مستوى تنفيذ ملف الترتيبات الأمنية أو عبر محاسبة المتورطين في جرائم عديدة بالإقليم، وتركت المواطنين كفريسة لمؤامرات قوى سياسية وحركات مسلحة تتصارع على السلطة.

وعلى السودان القبول بما تذهب إليه الأمم المتحدة باعتباره جزءاً من المنظومة وعليه الالتزام بمواثيقها وقوانينها وأن مواقفه التي بناها على أساس القرارات الأخيرة في غير محلها، لأنه ما زال في مرحلة تثبيت دعائم انفتاحه على قوى إقليمية عديدة.

وتعتبر دوائر أمنية أن حظر بيع السلاح للسودان يقوض قدرته في التعامل مع التهديدات المتصاعدة التي يواجهها جراء انفلات الأوضاع في دارفور، وهناك مرحلة جديدة تمر بها البلاد بحاجة إلى دعم لوجستي أممي ودولي لإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وتدريب عناصرها على التعامل مع التحديات التي تجابهها في مناطق الهامش.

وتتعامل هذه الدوائر مع توجهات الأمم المتحدة على أنها ضغوط تمارسها عليها لتحقيق شروط السلام، في حين أن البعثة الأممية المنوط بها دعم الانتقال الديمقراطي لم تقم بواجباتها التي تدعم السلطة الانتقالية ما يؤثر سلبًا على قدرة الأخيرة على تشكيل القوة المشتركة التي تشكل أولى خطوات الترتيبات الأمنية.

وكان من المقرر أن تبدأ مهام القوات المشكلة من الجيش وحركات مسلحة فعليا الاثنين، غير أن الجبهة الثورية أشارت إلى تأجيل تنفيذ بنود الترتيبات الأمنية إلى السادس والعشرين من سبتمبر الجاري، واتهمت الحكومة الانتقالية بالمماطلة في تنفيذ البرتوكول.

وذهب متابعون للتأكيد على أن الحركات المنضوية تحت لواء الجبهة الثورية ستوظف المواقف الأممية للضغط على الخرطوم لتنفيذ بنود الاتفاق، لأنها المتضرر الأول من جمود تنفيذه ومتهمة بالتواطؤ مع أطراف حكومية بحثًا عن السلطة، وستجد الحركات غير الموقعة على السلام الفرصة سانحة لتمرير رؤاها بشأن أي تفاهمات مستقبلية مع السلطة الحاكمة.

6