استمرار الزواج الفاشل لأجل الأبناء يؤسس لتعاسة الأسرة

تظاهر الزوجين بالحب غير الصادق ترضية للأبناء لا ينطلي عليهم.
الاثنين 2021/10/11
انفصال الزوجين قد يكون مفيدا للأبناء أكثر من العيش في أجواء مشحونة

يؤكد مستشارو العلاقات الأسرية وخبراء علم النفس أن استمرار العلاقة الزوجية الفاشلة بُغْية الحفاظ على استقرار الأبناء لا يصب في مصلحتهم. ويرون أنه من الممكن أن يزيد في تدهور معنوياتهم، ذلك أن الشريك الذي يعيش حياة تعيسة يصعب عليه أن يوفر الحب والعاطفة والاحتواء للأبناء. ويفضل الخبراء الطلاق على الاستمرار في علاقة فاشلة وميؤوس من إصلاحها.

القاهرة- يتجنب بعض الأزواج وصول العلاقة الزوجية إلى حد الانفصال حفاظا على مستقبل أولادهم ليس أكثر، وقد يعيش الشريكان حياة تعيسة لا يتقبل فيها كليْهما الآخر، وينعكس ذلك على الأبناء الذين تمت التضحية لأجلهم، في حين يشعر الطرفان بأن قرارهما يصب في صالح الأطفال لمجرد أنهما يعيشان تحت سقف واحد.

وقد يصارح الطرفان بعضهما البعض بأن الاستمرار في العلاقة نابع من الخوف على الأولاد فقط، أيّ أنهما اتخذا قرار الانفصال الجسدي والعاطفي بالإجماع، ما يحول دون محاولة أي طرف إثناء الآخر عن قراره والتفكير معا في وضع حلول للمشكلات القائمة بينهما لترميم العلاقة داخل كيان الأسرة.

ومهما بلغت تضحية الزوجين اللذين يعيشان مع بعضهما البعض بشكل صوري لأجل أولادهما، فمن المستحيل أن تؤسس هذه العلاقة لتربية سوية، فالشريك الذي يعيش حياة تعيسة يصعب عليه أن يوفر الحب والعاطفة والاحتواء للابن أو الابنة، لأنه شخصيا يفتقد الحد الأدنى من المشاعر التي يفترض أن يمنحها لصغاره.

صحيح أن قرار الطلاق ليس بالأمر السهل على أي من الزوجين، لكن الاستمرار في علاقة فاشلة وميؤوس من إصلاحها لا يكون دائما خيارا مناسبا، إذ تتحول حياة الأسرة بكامل أفرادها إلى سجن يخيم عليه الكبت وانعدام العاطفة والجمود والنفور، باعتبار أن أهم عنصرين، وهما الأب والأم، يعيشان بالطلاق الصامت والخرس الزوجي.

أزمة الكثير من الأزواج الذين يقررون استمرار العلاقة السيئة تكمن في أنهما لا يدركان الآثار السلبية على حياة الأبناء وصحتهم ونفسيتهم، لأن الطفل مهما كان صغيرا يستطيع بسهولة أن يفهم ما يدور من حوله بين أبويه، ولو حاولا إخفاء البغض والكراهية وتظاهرا بأنهما يبادلان أنفسهما المشاعر الطيبة، فالصغار دائما بارعون في قراءة العواطف ومعرفة ما إذا كانت صادقة أم كاذبة.

تقول مروة مختار، وهي زوجة وأم لطفلين أكبرهما عمره عشر سنوات، إنها عندما وصلت علاقتها بزوجها إلى طريق مسدود تدخل الوسطاء من العائلتين وتم الاتفاق على تجنب الطلاق واستمرار الزواج لمصلحة الولدين ليس أكثر، على أن يتجنبا بعضهما البعض في المنزل ولا يحاول أيّ منهما إثارة غضب الآخر بأي تصرف، ويعيش كل واحد غريبا عن الآخر.

عنان حجازي: الانفصال العاطفي يدخل الزوجين في دوامة البرود والفتور

أمام رفض مروة الزواج مرة أخرى من أيّ رجل لأنها كرهت كل أصناف الرجال، كما تحدثت لـ”العرب”، وافقت على الصيغة التي اقترحها وسطاء من العائلتين، وفضّلت أن تعيش غريبة مع زوجها أفضل من حملها لقب مطلقة، المهم أن يكون أولادها سعداء ولا تتم تربيتهم بعيدا عن أب يتولى الإنفاق عليهم ويمثل سندا لهم.

وتضيف الأم “كثيرا ما نتظاهر بالوفاق أمام طفلينا، لكننا نتبادل نظرات توحي بأننا وصلنا إلى مرحلة تجاوزت الكراهية لا أحد فينا يطيق الآخر، وكلانا يتعمد استفزاز الآخر، وللأسف انعكس ذلك سلبا على نفسية الطفلين، واكتشفت أنهما يفهمان جيدا إلى أيّ درجة وصلت علاقتنا، وما يزعجني أنهما يشعران بكونهما السبب حتى أصبحا يريدان العيش مع الجد والجدة”.

ونادرا ما تتحدث مروة مع زوجها، وإذا حدث يكون ذلك بطريقة جافة، ولا تنكر أنهما في أحيان كثيرة يوجهان غضبهما ناحية الأبناء بالأذى اللفظي والجسدي. وتقول لـ”العرب” إن “الزوجيْن المنفصلين جسديا وعاطفيا يعيشان حالة من الخرس الزوجي بالغة السوء، ولا يمكن وصف حياة الشريكين تحت سقف واحد ولا يتحدثان ولا يبتسمان ولا يتشاركان في أي شيء، فهذا أشبه بالاعتقال التعسفي”.

في هذه الحالة تضحية الزوجين من أجل الأبناء تترتب عليها بعض الأضرار البالغة لكل الأطراف، فالأب والأم تعيسان ومحبطان معنويا، والأولاد يدفعون الثمن بتعرضهم للأذى اللفظي والجسدي باعتبارهم الحلقة الأضعف في العلاقة، إذ غالبا ما يبحث كل شريك عن وسيلة لتفريغ شحنات غضبه فيكون الهدف هو الابن أو الابنة.

وحتى لو حاول أيّ من الشريكين الحصول على الحب والعاطفة من أولاده ولم يجد ذلك كنوع من تعويضه على تضحيته، ولأنه محروم من أي مشاعر إيجابية ولا يجد أمامه سوى الأبناء ليمنحوه هذه المشاعر، فإنه يعيش ضررا نفسيا مضاعفا (الأب أو الأم)، لأن الطرف الذي ضحى من أجله بسعادته لا يمنحه مكافأة على ذلك، ولو بالامتنان له.

ثمة معضلة أخرى ترتبط بأن الزوجين اللذين قررا التضحية وعدم الطلاق لأجل الأبناء يحاول كلاهما كسب الأولاد إلى صفه وإبعادهم عن الطرف الآخر، كأحد أشكال الصراع الخفي الدائر بينهما، وهو ما يجعل الصغار تائهين بين تفضيل الأب على الأم، أو العكس، وينعكس ذلك بشكل سلبي على نظرة الأبناء لوالديهما.

وخلصت دراسة حديثة أنجزتها مؤسسة “كوم ريس” بالشراكة مع منظمة “ريزوليوشن” في المملكة المتحدة إلى أن 82 في المئة من الأبناء الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و22 عاما في العالم يفضلون أن ينفصل آباؤهم على البقاء سويا لأجلهم، لأن الحياة الأسرية لا يمكن أن تكون سعيدة بين زوجين يتظاهران بالحب غير الصادق ترضية للأبناء.وقالت عنان حجازي استشارية العلاقات الأسرية وتقويم السلوك بالقاهرة إن “الانفصال العاطفي بين الزوجين يدخلهما دوامة البرود والفتور الذي ينعكس على الأبناء، فاستماع الصغار إلى أبوين غير متفاهمين ويفتعلان المشكلات أو يتشاجران لأسباب واهية من المستحيل أن يسهم في تنشئة أطفال أسوياء، بل يصبحون معقدين وفاقدين للإحساس بالأمان.

وأشارت لـ”العرب” إلى أن الأطفال بطبْعهم يتأثرون سلبا بغياب التعايش الإنساني والوجداني والعاطفي بين الأبوين، وإن لم يعبروا عن غضبهم صراحة فإنهم يواجهون صراعات داخلية بين تفضيل عدم انفصال والديهما أو طلاقهما هربا من أجواء الاكتئاب التي تسيطر على المنزل، ما يؤثر على شخصياتهم في المستقبل عندما يصبحون أزواجا وزوجات.

تضحية الزوجين اللذين يعيشان مع بعضهما  بشكل صوري لأجل أولادهما من المستحيل أن تؤسس لتربية سوية

سوف تنمو السلوكيات التي يتعرض لها الطفل في المنزل وتعيش معه طوال حياته، ويكمن الخطر في أن تتشكل نظرته للزواج بناء على تجربة والديه. ولأنه يعيش داخل أسرة تسيطر عليها النزاعات والخلافات في الرأي طوال الوقت، فمن الطبيعي أن يكون لديه مخزون سلبي من العواطف تجاه شريك المستقبل أو دائرة علاقاته بشكل عام.

يقود ذلك إلى أن تجنب الزوجين حدوث الطلاق بسبب الأبناء ليس قرارا سليما دائما، لأن الآباء غير السعداء بطبْعهم لا يملكون أدوات تربية أطفال سعداء، ففاقد الشيء لا يعطيه، وإذا لم تفلح محاولات ترميم العلاقة يصبح الانفصال الخيار الأفضل شريطة أن يتم بطريقة متحضرة خالية من الصراعات ومحاولات انتقام كل طرف من الآخر.

21