استقالة وزير الصحة التونسي: خطوة مسؤولة أم هروب من مواجهة الفساد

غياب الثقة بين الشارع  التونسي وحكومة يوسف الشاهد ينزع المصداقية عن أي اعتراف بالخطأ.
الجمعة 2019/03/15
حادثة هزت الشارع التونسي

تعيش تونس منذ أسبوع على وقع الصدمة ومشاعر الغضب عقب وفاة حوالي 14 رضيعا بمركز التوليد وطب الرضيع في مستشفى الرابطة بالعاصمة. وعلى إثر هذه الحادثة التي تأتي ضمن سلسلة من الأخطاء وعمليات فساد تضرب قطاع الصحة العمومية منذ سنوات، يشتبه في أن سببها وجود حالة تعفن بأحد المستحضرات الطبية، قدم وزير الصحة عبدالرؤوف الشريف استقالته، في خطوة فتحت باب جدل واسع بين من ثمنها وبين من يرى أنها هروب من المسؤولية الثقيلة لهذا الملف ومن يعتبرها خطوة غير موفقة من الحكومة، التي يعتقد أنها دفعت الوزير إلى الاستقالة لامتصاص الغضب الشعبي.

تونس - هزت حادثة وفاة عدد من المواليد الجدد في مستشفى عمومي في تونس الرأي العام المحلي، وأثارت مشاعر الغضب والحزن لدى عموم التونسيين الذين يعانون من ترهل البنية التحتية لقطاع الصحة العمومية.

أعادت هذه الحادثة الجديدة، التي تأتي قبل أسبوعين فقط من إحياء تونس لليوم الوطني للطفولة يوم 22 مارس الجاري، فتح سجلات الوعود الحكومية الحالية برئاسة يوسف الشاهد التي ركزت كل شعاراتها منذ عام 2016 حول مكافحة الفساد في أهم القطاعات الحيوية التي تمس بصفة مباشرة التونسيين ومنها قطاع الصحة الذي ظل رهين تجاذبات سياسية.

عند الإعلان عن الخبر، تداخلت المشاعر وتضاربت بين غضب وحزن وحنق ضاعفتها صور تبادلها رواد مواقع التواصل الاجتماعي تظهر كيف أن المسؤولين عن المواليد الضحايا ضاعفوا من المأساة حين وضعوا جثث الرضع في صناديق كارتونية.

ولم تمض ساعات على هذه الصدمة، حتى قدم وزير الصحة عبدالرؤوف الشريف استقالته التي قبلها رئيس الحكومة يوسف الشاهد بسرعة أججت من غضب عائلات الضحايا وكل التونسيين المنهكين من ضعف المنظومة الصحية العمومية ومن حالة الفساد المتفشية فيها.

ربما في مواقف أخرى، كانت الاستقالة ستكون محل ترحيب وتأييد، لكن في هذه القضية تحديدا مالت الكفة نحو انتقادها ورفضها، بل إنها أججت الغضب وسط الشارع الذي يتساءل ماذا سيفيد مثل هذا الإجراء في قضية معقدة مثل هذه، وهي قضية ليست معزولة عن تاريخ طويل من الفساد وسوء الإدارة في هذا القطاع الحيوي.

ورغم أن وزارة الصحة فتحت تحقيقا لكشف ملابسات الحادثة، إلا أن أغلب التونسيين يشككون في جدية الأمر. ويتوقعون مصيرا مشابها لتحقيقات كثيرة أخرى تم تكوين لجان من أجل التحقيق فيها دون أن يتم تحقيق أي خطوة، خاصة في محاربة الفساد التي يتذكر التونسيون أنها كانت شعار يوسف الشاهد في الفترة الأولى لتوليه رئاسة الحكومة.

ورصدت “العرب” آراء سياسيين ومراقبين تونسيين حول هذه الحادثة وحول رأيهم في قرار استقالة وزير الصحة، خاصة أنها سابقة في البلد، إن كانت خطوة ايجابية ستحمل معها مرحلة جدية من الإصلاحات لقطاع الصحة وغيره من القطاعات الحيوية بالبلاد أم أنها إجراء شكلي لإغلاق أفواه المعارضين وامتصاص غضب الشارع ومجرد استعراض سياسي لا ينفصل عن حسابات السباق الرئاسي والتشريعي القادم.

استقالة الوزير

لم تبد الحكومة الحالية ومن سبقتها من حكومات عملا جديا في النهوض بقطاعات حساسة كالصحة ولم تعد الوعود بالإصلاح تغري التونسيين الذين يجدون أنفسهم بين مطرقة منظومة عمومية متردية وسندان قطاع خاص لا يمكن تحمل تكاليف العلاح فيه
لم تبد الحكومة الحالية ومن سبقتها من حكومات عملا جديا في النهوض بقطاعات حساسة كالصحة ولم تعد الوعود بالإصلاح تغري التونسيين الذين يجدون أنفسهم بين مطرقة منظومة عمومية متردية وسندان قطاع خاص لا يمكن تحمل تكاليف العلاح فيه

لا شك في أن استقالة وزير الصحة عبدالرؤوف الشريف تعد حدثا تاريخيا باعتبارها أول استقالة لمسؤول بالدولة بشكل إرادي وطوعي، أقر بالفشل والتقصير رغم أنه حديث العهد بالمنصب. لكن، إقرار الوزير الطبيب بالخطأ لا يبرر ما حصل ولا يهدئ الشارع الذي يجد نفسه أمام قطاع صحة عمومي مترد يدفعه نحو  قطاع خاص لا يقدر على تكاليفه.

وينظر بعض السياسيين إلى استقالة الشريف بمنظور إيجابي يعكس المناخ الديمقراطي الذي تتمتع به تونس رغم المخاض الانتقالي الصعب الذي تمر به منذ اندلاع انتفاضة يناير 2011. ويرى هؤلاء أن قطاع الصحة يعاني كغيره من القطاعات من صعوبات ويكافح لاسترجاع إشعاعه خاصة وأن تونس تحظى بصيت جيد في ما يخص كفاءاتها الطبية.

خطوة غير كافية
خطوة غير كافية

ويرى محمد بن سالم، القيادي في حركة النهضة، أن استقالة الوزير أدخلت تقاليد جديدة في نظام ديمقراطي. ويقول في تصريح لـ”العرب” “عند حدوث كارثة من هذا القبيل طبيعي أن يتحمل الوزير المسؤولية رغم أنها مسؤولية أخلاقية وليست مباشرة”.

ويعتقد بن سالم أنها خطوة إيجابية لكنها غير كافية إذ يجب محاسبة المسؤولين المباشرين. ويجب أن يأخذ التحقيق مجراه ومحاسبة من استهتر بأرواح الرضع. ويضيف “نحن أمام جريمة يجب أن نحدد من قام بالفعل”.

ويشير أنيس معزون القيادي بحركة نداء تونس إلى أن استقالة وزير الصحة سابقة في تاريخ البلاد رغم حجم المشكلات الخطرة التي سبق وأن تعرضت لها. ويلفت معزون في حديثه مع “العرب” إلى أن “متاعب قطاع الصحة أعمق من قرار الاستقالة ولا يجب أن تختزل في منصب الوزير”.

وفي ذات السياق، يذهب محمد الحامدي القيادي بحزب التيار الديمقراطي، معتبرا أن استقالة وزير الصحة رسالة إيجابية لأنه تقليد غير معمول به في تونس. ومع ذلك يستطرد مشيرا في تصريح لـ”العرب” إلى أن هذه الخطوة لن تحل مشكلات القطاع وحالة الفساد والبيروقراطية المستشرية والتي تتطلب حلولا حقيقية وجذرية.

لكن، يعتبر صابر بن عمار رئيس الجمعية التونسية لضحايا الأخطاء الطبية، أن المسؤولية مشتركة وعلى عاتق العديد من الوزارات. ويشير بن عمار في تصريح لـ”العرب” إلى أن وزارة الصحة ليست الوحيدة النافذة في القطاع الصحي في تونس فهناك وزارة أخرى مثل وزارة التجارة التي تمنح تراخيص دولية ووطنية لتوريد بعض المنتجات الصحية من الخارج وعندها تأثير مباشر على صحة المواطن. وتساءل “لماذا لم تقع إقالة وزير التجارة مثلا؟”.

ولئن ثمّن بعض السياسيين خطوة الاستقالة كبداية للحل، يشكك آخرون والشارع التونسي في نوايا الحكومة خاصة مع إطلاق وزيرة الصحة بالنيابة تصريحات ارتجالية كشفت عن حجم الارتباك الحكومي في إدارة الأزمة وأوضاع الصحة العمومية. وتبرر المعارضة اتهامها للحكومة لعدم اتخاذها خطوات جدية في ملفات الفساد كما أن لجان التحقيق يبقى دورها شكليا.

وما يدعم هذا الموقف إعفاء مديرة المخبر الوطني لمراقبة الأدوية سندة البحري من عضوية  لجنة التحقيق على خلفية تضارب مصالح، باعتبار أنّ والدتها صاحبة شركة مختصة في توزيع المستحضرات الطبية وتتعامل معها وزارة الصحّة.

ويعرب أنيس معزون عن أمله في ألا تكون لجنة التحقيق هذه المرة صورية وتعمل بمصداقية على استقصاء حقيقة الحادثة. فيما يؤكد جمال مسلم رئيس رابطة حقوق الإنسان لـ”العرب” أن المجتمع المدني سيتابع كل إصدارات اللجنة عبر مختصين ولن يسمح بالتجاوزات.

انتقدت أحزاب معارضة تصريحات وزيرة الصحة بالنيابة سنية بالشيخ التي بدت مرتبكة ومتشنجة أثناء الندوة الصحافية التي خصصت لنقل خبايا الحادثة للرأي العام. ويشير عمار عروسية النائب عن الجبهة الشعبية، الذي طالب كل الحكومة بالاستقالة على إثر هذه الحادثة دون الاكتفاء بإقالة الوزير، إلى أن “بالشيخ برّأت أوّل شيء مصانع الأدوية وحملت المسؤولية للمستشفى مغلقة بذلك أبواب التحقيق”، في خطوة يقول البعض إنها تكشف عن مساعي الحكومة للتنصل من مسؤوليتها المباشرة.

ويذهب الصحبي بن فرج النائب عن كتلة الائتلاف الوطني، في تعليقه في ذات السياق المنتقد، معتبرا في تصريحات لـ”العرب” أن “استقالة وزير الصحة هي شكل من أشكال الشعبوية التي بتنا نعيشها في البلاد مع اقتراب الانتخابات”. وفي مناسبات كثيرة، في تونس، وفي تجارب عربية أخرى، غالبا ما يتحمل وزير أو مسؤول آخر وزر حادثة ما، لامتصاص الضغط الشعبي، لكن بن فرج يؤكد أن مشكلات الدولة لا تحل بهذه الطريقة.

إصلاحات على الورق

دولة عاجزة حتى عن حماية مستقبلها
دولة عاجزة حتى عن حماية مستقبلها

شهدت تونس في السنوات الأخيرة هجرة كثيفة للأطباء والكوادر الطبية نحو دول أوروبية وخليجية بحثا عن ظروف عمل أفضل. ووفقا لإحصائيات رسمية، عام 2017 هاجر نحو 300 طبيب. وتنتشر في تونس أيضا ظاهرة نقص الأدوية وفقدانها أحيانا من الصيدليات ما أثار انتقادات واسعة من التونسيين ومن عمادة الأطباء خصوصا في منتصف العام 2018.

ولم تبد الحكومة الحالية وما سبقها من حكومات عملا جديا في النهوض بقطاعات حساسة كالصحة ومازالت خططها الإصلاحية مجرد وعود لم تعد تغري التونسيين. ويلفت خالد عبيد، المحلل السياسي، إلى أن استقالة الوزير غير كافية ولن تجمّل حقيقة ما تعانيه كل القطاعات من نقائص وصعوبات. ويشدد قائلا في تصريحات لـ”العرب”، “بتنا نشعر أن هناك استهدافا ممنهجا لكل المكتسبات الإيجابية التي وفرتها دولة الاستقلال لكننا اليوم نرى كيف تتهاوى أمام أعيننا دون أن نتمكن من إنقاذها”.

ويعتبر قطاع الصحة في تونس من أهم الإنجازات والأولويات في البلاد منذ الاستقلال عام 1956، ووفقا لإحصائيات رسمية، في تونس 166 مستشفى و2100 مركز صحي.

وكشف تقرير نشر في 2016 شاركت في إنجازه الجامعة العامة للصحة (نقابة) أن “خدمات الصحة العمومية تشهد تراجعا منذ العام 1990”. ويعتبر عبيد أن العلة تكمن في الضعف الكبير في الدولة المركزية واعتماد نظام سياسي قد يزيد من تشتيت هذه الدولة إذا لم يقع تدارك الأمر سريعا.

اتهمت المعارضة الحكومة بوجود إهمال وتقصير وفساد في القطاع الصحي. وفي استطلاعات رأي سابقة أجراها معهد الإحصاء كشفت أن قطاعي الصحة والأمن يتصدران قائمة القطاعات الأكثر فسادا في تونس.

وتعاني المستشفيات التونسية العمومية من نقص فادح في الأدوية نتيجة احتكار بعض المزودين وبسبب التهريب، بالإضافة إلى نقص في عدد أطباء الاختصاص بالجهات الداخلية، حيث شهدت البلاد مغادرة 320 طبيبا مختصا سنة 2018.

حملة فساد شكلية

Thumbnail

رفعت العديد من الملفات المتعلقة بالفساد في القطاع الصحي إلى القضاء، ومن أبرزها ملف “البنج الفاسد” الذي تسبب في وفاة ثلاثة مرضى، وملف صفقة لوالب قلبية اصطناعية غير صالحة للاستخدام.

ويشير غازي الشواشي الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي (معارض) لـ”العرب” إلى أن “حادثة الرابطة هي نتيجة طبيعية لمنظومة فساد مستشرية بالبلاد وبسبب التقصي والتهميش المتواصلين”.

ويحمّل الشواشي الحكومة المسؤولية حيث كان على الحكومة الأخيرة معالجتها بجدية الفساد بقطاع الصحة، مشيرا إلى أنه من واجب الأطراف المعارضة أن تدفع بالحكومة للمحاسبة وتحمل مسؤوليتها.

ويرى أن استقالة الوزير هي أقل ما يمكن القيام به وهي ليست الحل، مستبعدا أن تكون للحكومة رغبة وإرادة في إصلاح قطاع الصحة مع تواصل الفساد الذي تقف وراءه لوبيات “الحكومة أضعف من أن تكون قادرة على مواجهتها”.

شهدت تونس في السنوات الأخيرة هجرة كثيفة للأطباء والكوادر الطبية بحثا عن ظروف عمل أفضل. ووفقا لإحصائيات رسمية، عام 2017 هاجر نحو 300 طبيب ما أثار انتقادات واسعة من التونسيين

ولا يعتقد غالبية التونسيين أنه بمجرد استقالة وزير الصحة سيهدأ الغضب الشعبي، المستاء من أوضاعه المعيشية المتردية، أو أنها ستعيد الثقة في منظومة الصحة العمومية المهترئة أمام توغل الفساد، وقد بات الكثير من التونسيين يعولون على الخدمات الصحية للقطاع الخاص وقاية من الأخطاء الطبية المتزايدة في المستشفيات العامة.

ولم تطفئ استقالة وزير الصحة نيران الغضب في صدور التونسيين ولم تجنب الحكومة التشكيك في مصداقيتها وعدم قدرتها على ضبط حركة الكثير من المرافق التي أصبحت عرضة لأزمات متعاقبة. فمع تكرّر الحوادث التي تستهدف قطاعات عمومية حيوية، لم تعد للتونسيين ثقة في خطابات السلطة الحاكمة التي تتسلح عند حدوث أي أزمة من هذا القبيل بفتح لجان تحقيق تكون مهمتها الأساسية الحد من الغضب الشعبي وإخماد الفواجع بإجراءات ترقيعية لا تذهب إلى عمق الأزمة ولا تضع الإصبع على أصل الداء.

ومما زاد في حدة الجدل في الشارع التونسي، أن كل الحكومات التي أعقبت ثورة يناير 2011، أقدمت كلها عند كل أزمة على تركيز لجان برلمانية أو حكومية للبت والتحقيق في مثل هذه الحوادث إلا أنه سرعان ما يتم قبرها دون الوصول إلى الحقيقة أو الكشف عن ملابسات القضايا والجناة الحقيقيين في قضايا رأي عام تهم حياة التونسيين بشكل مباشر.

12