ارتفاع الإنفاق العام يفاقم حاجات التمويل في تونس

سقف الدين العام يبلغ 75 في المئة من إجمالي الديون.
الثلاثاء 2021/02/23
أموال قليلة لا تسد الحاجة

تسبب اختلال المالية العمومية في تونس في ظل اعتماد الدولة على الإنفاق أكثر من طاقتها في تفاقم الحاجة إلى التمويل، وبالتالي زيادة حجم الدين العام ومراكمة القروض في ظل إسراف الحكومات في توفير الحلول السهلة وشراء السلم الاجتماعي دون دعم الاستثمار وخلق الثروات.

تونس - ارتفعت نسبة المديونية في تونس إلى مستويات غير مسبوقة، بسبب عجز اقتصاد البلاد عن إنتاج الثروة والإفراط في سياسة الاقتراض الخارجي الذي اتبعته الحكومات المتعاقبة منذ 2011.

وبلغت المديونية الخارجية لتونس 75 في المئة من مجموع الدين العام، وفق ما بيّنته المعطيات المنشورة حول المديونية العمومية.

وذكرت بيانات وتقارير، أن “المديونية في تونس، بلغت مستويات قياسية، وارتفعت من 9.45 مليار دولار سنة 2010 إلى نحو 33 مليار دولار سنة 2020، نتيجة عجز اقتصاد البلاد عن إنتاج الثروة والإفراط في سياسة الاقتراض”.

واعتبرت أن “الوضع المتردي للاقتصاد التونسي، يخدم مصلحة اللوبيات المتنفذة النشطة في التجارة الموازية، وشركات المناولة الأوروبية التي تعزز قدرتها التنافسية في تونس جرّاء الامتيازات والتسهيلات التي تحصل عليها”.

وأفاد الخبير الاقتصادي وليد بن صالح أن “مأزق المديونية هو نتاج للجوء إلى الاقتراض الخارجي نتيجة اختلال ميزانية الدولة التي علينا معالجته”.

وليد بن صالح: تونس تنفق أكثر من طاقتها مما فاقم حاجة الاقتراض
وليد بن صالح: تونس تنفق أكثر من طاقتها مما فاقم حاجة الاقتراض

وأضاف بن صالح في تصريح لـ”العرب”، “المداخيل الجبائية تتطور من 6 إلى 7 بالمئة سنويا، والنفقات المتأتية من كتلة الأجور والصناديق الاجتماعية تبلغ 12 في المئة”.

وأشار إلى أن “الدولة التونسية تنفق أكثر من طاقتها لذلك لجأت إلى الاقتراض، فضلا عن تطور خدمة الدين العمومي إلى 14 في المئة في السنوات العشر الأخيرة”.

ويرى خبراء أن إسراف الدولة في سياسة شراء السلم الاجتماعي لامتصاص غضب المحتجين طيلة عشر سنوات عبر توفير فرص عمل وهمية وتوفير دعم مالي دون إنتاجية زاد في اختلال الموازنة العامة، حيث لم تراهن الحكومات على الاستثمار لخلق الثروة.

وبخصوص الحلول العاجلة لمعالجة الأزمة وإصلاح المنظومة المالية للدولة، قال الخبير الاقتصادي، إن “الإصلاح ينطلق من طريقة إعداد الميزانية وتنفيذها عبر الموارد الجبائية وتطوير النمو الاقتصادي من خلال دفع الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال”.

وتابع “لا بدّ من تطوير الموارد الجبائية والتوجه نحو نظام العدالة الجبائية، مع تقسيط الإجراءات والتخفيف في العبء الجبائي، بالإضافة إلى عودة الإنتاج الوطني (الفوسفات والنفط) والتوجه نحو استثمارات جديدة”.

وقال “علينا أن نصلح مؤسسات الدولة ونتصدى للتهرب الجبائي (أكثر من 10 مليارات دينار)، وإيجاد الرغبة والآليات لاستخلاص هذه الأموال”.

ولم يخف محدثنا وجود ثغرات في منظومة الدعم من فساد وتهريب، وكلّها تراكمات للأزمة بتغيير الحكومات وتطورات المشهد السياسي.

 واستطرد “الآن حان الوقت لبعث رسائل إيجابية للمستثمرين وفق توجه سياسي يضمن الاستقرار وتحرير المبادرة الذاتية، علاوة عن التقليص من الإجراءات الإدارية”.

ويرى خبراء الاقتصاد أن الوضعية الحالية تكشف عن عمق انخرام الوضع المالي وشح مصادر التمويل، بسبب الضربات المتتالية وفي مقدمتها توقف نشاط مواقع الإنتاج وانعكاسات وباء كورونا.

Thumbnail

وأفاد الخبير الاقتصادي الصادق جبنون في تصريح لـ”العرب”، أن “الاقتصاد التونسي الآن ليس استثناء بالنسبة إلى دول العالم الثالث، مدفوعا بتداعيات جائحة كورونا”.

وأضاف “مختلف القطاعات لا تحظى بدعم مالي على غرار الفلاحة والصناعة وتفتقر للاستثمارات الخارجية التي تراجعت إلى 40 في المئة”.

وأشار إلى أن “تونس تبرمج اقتراض 3 مليون دولار من الخارج حاليا، وأن الدين الخارجي تجاوز نسبة 100 في المئة من الناتج المحلي الخام”.

وتابع “الاقتراض الخارجي الذي يُمنح بضمانات جعل الاقتصاد التونسي في أزمة في ظل الضغط الاجتماعي وارتفاع البطالة إلى 17.4 في المئة وإغلاق المؤسسات”.

ودعا جبنون إلى “ضرورة إعادة جدولة الدين وإيجاد منوال تنموي جديد وإلغاء البيروقراطية، لأن الوضعية الآن على درجة من الخطورة”.

وستحتاج تونس في 2021 قروضا بنحو 19.5 مليار دينار، تشمل قروضا أجنبية بحوالي خمسة مليارات دولار.

وستصل مدفوعات الديون المستحقة هذا العام إلى 16 مليار دينار، وهو مستوى قياسي، ارتفاعا من 11 مليار دينار العام الماضي و8 مليارات في 2019. وكانت لا تتجاوز ثلاثة مليارات في 2010.

الصادق جبنون: هذا الوضع المالي خطير وندعو إلى إعادة جدولة الدين
الصادق جبنون: هذا الوضع المالي خطير وندعو إلى إعادة جدولة الدين

واستطاعت تونس تعبئة 460 مليون دولار من البنوك الداخلية أخيرا، بهدف جدولة ديونها، وليس لتمويل عجز الميزانية.

ووفق تقرير لصحيفة محلية فإن “الاتفاق الأخير المبرم بين وزارة الاقتصاد والمالية ودعم الاستثمار و 14 بنكا محليا، كان بهدف تعبئة موارد لخلاص ديون بنكية سابقة”.

وأشارت إلى أن تونس دخلت في “حلقة مفرغة من الاقتراض لتسديد الديون”.

وكان تقرير نشره البنك المركزي التونسي، قال إن “93 في المئة من القروض التي تحصلت عليها تونس في العام 2019، تم توجيهها لخلاص الديون المستوجب سدادها في تلك السنة”.

وفي ظل عجز مالي بلغ 11.5 في المئة العام الماضي، ودين عام تجاوز 90 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، تخطط تونس لإصلاحات عاجلة لمعالجة فاتورة الأجور العامة، التي تقول إنها مرتفعة للغاية، وخفض الدعم وإعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة ذات الأداء الضعيف.

وتبلغ الأجور العامة في تونس أكثر من 20 مليار دينار هذا العام، من إجمالي ميزانية البلاد البالغة 52 مليار دينار.

وسبق أن دعا صندوق النقد إلى احتواء الأجور والتحويلات المخصصة للشركات العامة وخفض الدعم، محذرا من أن النكوص عن هذه الإجراءات قد يوسع العجز المالي إلى نحو تسعة في المئة من الناتج الإجمالي هذا العام.

ونشر البنك الدولي موفى ديسمبر الماضي تقريرا خاصا بتونس رجح فيه تراجع النمو وارتفاع الدين العام من 72.2 في المئة من إجمالي الناتج المحلي سنة 2019 إلى الذروة بنسبة 86.6 في المئة من إجمالي الناتج المحلي سنة 2020، وهو “مستوى أعلى بكثير من المعيار القياسي لعبء الديون البالغ 70 في المئة من إجمالي الناتج المحلي”.

ولم تسترجع حتى الآن القطاعات الاستخراجية والصناعات غير المعملية في الفوسفات والبترول والغاز، نشاطها المعهود، نظرا لتعدد الاعتصامات وغلق مواقع الإنتاج خلال الفترة الأخيرة.

10