ارتجال التجريد الصافي

لقد التقيت بكثيرين ممّن يرسمون تجريديا واكتشفت من غير عناء أنهم لا يجيدون الرسم. الحرفة التي لا غنى عنها بالرغم من أنها لا تصنع وحدها رساما.
الاثنين 2021/10/25
تجريدية غنائية تُسمع إيقاعاتها ألوانا (لوحة لفاسيلي كاندينسكي)

فاسيلي كاندينسكي (1866ــ1944) لا يزال النظر إلى رسومه مفيدا إضافة إلى ما يجلبه من متعة آسرة. ألم تتحوّل إنجازات ذلك الرسام الروسي الذي عاش في ألمانيا ومن ثم في فرنسا مواطنا إلى ما يشبه الأرشيف بالنسبة إلى الحداثة الفنية؟

كان من الممكن أن يحدث ذلك لو أن التجريد قد تجاوزها. لقد حدث ذلك الأمر بالنسبة إلى كازمير مالافيتش (1879ــ1935) وهو روسي من أصول بولندية الذي اشتهر بلوحة “مربع أبيض على مربع أبيض”، وحتى الهولندي بيت موندريان (1972ــ1944) صار في متناول الجميع حين استلهم مصمّمو الأزياء أشكاله الهندسية في صنع أقمشتهم.

ستكون الفضيحة أكبر لو انتقلنا إلى الأميركيين مارك روثكو ووليم دي كوننغ. لقد قلدهما الكثيرون بحيث صارا متاحين في الحياة العادية. هناك تجريديون بالآلاف يقلدونهما. معهما صار التجريد بالنسبة إلى الكثيرين أكثر يسرا وسذاجة.

لقد التقيت بكثيرين ممّن يرسمون تجريديا واكتشفت من غير عناء أنهم لا يجيدون الرسم. الحرفة التي لا غنى عنها بالرغم من أنها لا تصنع وحدها رساما. غير أن غيابها سيفسد العلاقة بين الحوذي والحصان. لن يتمكّن القبطان من العثور على طرقه إذا ما انكسرت البوصلة.

مَن أتيحت له فرصة التعرّف على كاندينسكي من خلال رسومه سيعرف أن ذلك الهارب من روسيا الشيوعية وهي في الوقت نفسه روسيا الواقعية الاشتراكية، هو رسام عرف ما الرسم وصار يبحث في مشكلاته الداخلية التي هي ليست مشكلات تقنية كما لدى التقليديين بل هي مشكلات روحية تعبّر عن خصائصها عن طريق الخط واللون.

“أمير الروح” ذلك كان لقبه بين أصحابه وهو سيّد التجريدية الصافية. غير أن تجريديته لم تكن منقطعة عن الطبيعة وعن الموسيقى في الوقت نفسه. سيكون علينا أن نتحدّث عن الإيقاع. “التجريدية الغنائية” كان ذلك العنوان الذي اتخذته رسومه نقديا.

أعجب بموسيقى فاغنر غير أن صداقته لبول كلي وهو رسام عاشق للموسيقى وعازف كان لها أثر عميق عليه. لم تكن نظريته في الارتجال إلاّ انعكاسا لفهم عميق لما يقوم به الموسيقي حين يرتجل موسيقاه لحظويا من غير كتابة مسبقة.

لا تزال ارتجالات كاندينسكي تتسلّل إلى الروح من غير أن تكشف عن أسرارها.

14