اختلاف الذائقة بين الأزواج يقوّض نظرية تجاذب الأضداد

التشابه في الصفات يجعل شركاء الحياة أكثر إحساسا بالسعادة.
الأحد 2020/11/29
الطيور على أشكالها تقع

من المعتقدات الشائعة أن الأضداد تتجاذب، ولكن هذه القاعدة العامة لا تنطبق على العلاقات الزوجية، فليس من السهل أن يبدي الأزواج تقبلا لفكرة الاختلاف في الميول والطباع ويقيمون حدودا فاصلة بين ما يجمعهم ويفرق بينهم من صفات، ولحسن الحظ أنه من الممكن أن يتطبع الزوجان بالخصال الشخصية لبعضهما على مرّ الزمن ويصيران متشابهين قلبا وقالبا، ومن المؤكد أن الأمر يبدو كذلك عندما نشاهد زوجين يأكلان نفس الأطباق ويرتديان ملابس متشابهة وكأنهما توأمان وليسا زوجين.

يمثل الاختلاف في الذائقة مشكلة تؤرق الكثير من الأزواج الذي ينظرون إلى هذه المسألة على أنها تباعد بينهم وبين شركاء حياتهم وتجعلهم يدخلون في نقاشات وخلافات حادة تصل في بعض الأحيان إلى التجريح والتقليل من الاحترام، وقد تنتهي الخلافات الناتجة عن عدم تماثل الأذواق، إلى الكثير من التحديات الصعبة التي يتحملها الشريكان داخل وخارج علاقاتهما، بما في ذلك التعليقات المهينة من العائلة والأصدقاء، والتي يمكن أن تجعل البعض من الأزواج ينفرون من بعضهم البعض، بينما تحدّد في معظم الأحيان شخصيات الأزواج كيفية التعامل مع هذه المواقف.

ويتفق خبراء في علم النفس على أن المعتقد الشائع بأن “الأضداد تتجاذب” كما هو الحال في الأقطاب المغناطيسية المتنافرة، فيه شيء من الصحة، لكن هذه القاعدة لا تنطبق على الجميع. ومن المهم أن يختار الناس عندما يفكرون في الزواج من هو متوافق معهم في الأفكار والعادات ليكون شريك حياتهم.

وبالرغم من أنه ليس هناك قالب ذوقي واحد ينطبق على جميع الناس ويجعلهم يفضلون نفس الملبس والمأكل والمشرب ويتصرفون بشكل متطابق في كل شيء، ومع ذلك فإن التشابه في بعض الصفات يلعب دورا كبيرا في جعل الأزواج يشعرون بأنهم أسعد الناس، وخصوصا عندما يشعرون بالتوافق في الخيارات والميول، فكلما ازداد مستوى التشابه مع الزوج في هذه السمات كان الوضع مثاليا من حيث الشعور بالرضا والسعادة في العلاقة.

بسام عورتاني: كلما كان الزوجان على  وعي بطباع بعضهما  يصبح تجاوز أي خلاف سهلا
بسام عورتاني: كلما كان الزوجان على  وعي بطباع بعضهما  يصبح تجاوز أي خلاف سهلا

لكن ثمة نظرية تفسر زيادة حب الذات بين الأزواج، يطلق عليها علماء النفس “حركة الاعتداد بالنفس”، وتشير هذه النظرية إلى انتشار الشعور بالتميز عن الآخر، نتيجة تراجع الكثير من الصفات المحمودة، مثل الثقة وحسن الظن في الغير والود وسماحة الخلق، ما يجعل نمط الحياة الزوجية العصري يلتقي في قواسم مشتركة كثيرة، لعل أهمها العنف المادي والمعنوي والانتهاكات المالية والاقتصادية التي تمارس بأبشع الوسائل والأشكال بين الشريكين، إلى أن يصل صداها إلى أروقة المحاكم، فيرسم نهايات حزينة لقصص حب كانت متوهجة.

ويكره هادي، وهو تونسي متزوج فضّل عدم ذكر لقبه العائلي، موقف زوجته من هيئته وتصرفاته الذي طالما عايشه مرارا، وينظر هو إلى هذا الأمر على أنه تافه ولا يستحق العناء، وممّا تقوله زوجته له بالحرف الواحد “أعتقد أنه حان الوقت بأن نعترف بأننا مختلفان تماما وأنت لا تتصرف مثلي ولا تظهر بالمظهر الذي أريدك أن تكون عليه أمام أصدقائي وعائلتي، إنك تشعرني بالخجل أمامهم، ولذلك دعنا ننفصل عن بعضنا البعض”.

ومثل هذا الحوار كان يشعره بالإهانة، لكنه كان يحاول إيجاد حلول للعيش معها وإقناعها بضرورة تقبله على هيئته التي عرفته عليها، وأحيانا يستشيط غضبا صارخا في وجهها “كم أنت متكبرة حقا! فلتبقي لوحدك!”.

 بينما عبرت المدرّسة سامية ماني العيوني عن شعورها بالفخر لثقة زوجها في ذوقها ومرافقتها الدائمة له لشراء ما يحتاجه من ثياب بقولها في تصريح لـ”العرب”، “من أروع الأشياء أنني وزوجي متفقان ومتشابهان في الكثير من الأشياء حتى أنني أختار له في معظم الأحيان ملابسه وكل ما أشتريه له يروق له ويعجبه”.

وأضافت العيوني “كم تكون فرحتي عارمة عندما يمدح زوجي ذوقي الرفيع وخياراتي التي يعتبرها تتماشى مع خطوط الموضة، ولكن مع ذلك أرفض بشدة أن يفرض عليّ زوجي لباسا لست مقتنعة به أو لا يتماشى مع خياراتي”.

وتبدو العيوني محقة إلى حد ما، فلأمد طويل شدد علماء النفس على فائدة التشابه بين الزوجين، والمشاطرة في الذائقة الجمالية ونفس الهوايات، والقيم، ومساعي الحياة عموما.

وأظهرت الدراسات ارتفاع معدلات الشكاوى والخلافات بسبب اختلاف الذائقة الجمالية بين الأزواج وتباينها، والتي انتهت بالانفصال النهائي بين الزوجين ووضع حد للعلاقة الزوجية بسبب عجز نسبة كبيرة عن مجاراة المعايير المجتمعية السائدة.

وسبق أن ذكرت دار الإفتاء المصرية أن 90 في المئة من حالات الطلاق في مصر ترجع بالأساس إلى المشاكل الاقتصادية واختلاف الأذواق بين الأزواج، إضافة إلى تدخل الأهل في حياة الزوجين، وعدم الإنجاب في بعض الأحيان.

وكشف البحث الذي أجراه المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في عام 2019، وجاء تحت عنوان “الطلاق المبكر ظاهرة تؤرق المجتمع”، أن المشاكل الاقتصادية تتصدر قائمة الأسباب التي تؤدي إلى الطلاق في مصر، إضافة إلى الاختلاف الحاد في الذائقة والميول والطباع.

ويقيم البعض من الأزواج في أحيان كثيرة صلات بين ذوق شريك الحياة في ملابسه وهندامه وصفاته الأخرى بشكل لا إرادي وغير مقصود، ما يعني أن هناك خطا رفيعا بين الذائقة الجيدة والحفاظ على الحب.

"الأضداد تتجاذب"
"الأضداد تتجاذب"

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن التشابه بين الأزواج له عدة فوائد حقيقية، وبالأخص في ما يتعلق بسمة قبول الطرف الآخر، لكن الأهم من مجرد التشابه في الصفات هو مدى نجاح الزوجين في تشكيل “هوية مشتركة”، بمعنى الوثوق بالطرف الآخر والتعاطف أكثر معه، والمرونة وسهولة التكيف والقدرة على التأقلم مع طباع الشريك المختلفة.

ومن المفيد ألا يقارن الأزواج شركاء حياتهم بأشخاص آخرين يعيشون في نفس المكان حتى لا يشعرون بالإحباط. ويتفق هذا مع رأي الدكتور بسام عورتاني، الباحث الفلسطيني المختص في علم الاجتماع، الذي يرى أن طبيعة العلاقة الزوجية والسمات الشخصية للزوجين هما اللتين تنبئان بمدى نجاح الزواج أو فشله.

وقال عورتاني “في علاقة الشراكة الزوجية ينبغي على الطرفين إيجاد مساحة للتفاهم مع بعضهما البعض، فلا يمكن أن يكون هناك تطابق بين الأشخاص تماماً”.

وأضاف لـ”العرب”، “عندما يكون لديهما قناعة بذلك يصبح الحوار مجديا وهادفا، ويصبح الاتفاق على الاختلافات في الأذواق مقبولا. بالتالي هذا ينعكس مباشرة على صورتهما أمام الآخرين، مهما كانت التدخلات العائلية تصبح أقل أثرا على علاقة الزوجين ببعضهما البعض”.

وأكد عورتاني أنه كلما كان الزوجان على وعي بأهمية احترام طباعهما والتعامل معها والتأقلم في ظل وجود اختلاف، يصبح تجاوز أي خلاف أو أي إحراج أمام الآخرين سهلا جدا.

21