احتفاء باليوم العالمي للفلسفة.. هل مازال الإنسان في حاجة إليها

الفلاسفة المحدثون أعادوا إلى الفلسفة صفاءها.
الجمعة 2020/11/20
الفلسفة ضرورة فكرية (لوحة للفنان فؤاد حمدي)

سنويا وفي كل ثالث يوم خميس من شهر نوفمبر يحتفل أهل الفلسفة وهواتها بيومها العالمي. وقد جعلته اليونسكو هذه المرة فرصة للتأمل في معنى جائحة كورونا، تأكيدا على دور التأمل الفلسفي في مواجهة الأزمات التي تمرّ بها البشرية، وتحفيزا للفكر النقدي على تلمّس أسباب المشكلات القائمة وتحليلها واقتراح حلول لها.

اقترنت الفلسفة في أذهان الناس بالتعقيد والغموض، حتى أنهم يقولون عمّن يتكلم بغير بيان بأنه يتفلسف، أي يقول كلاما كالحِجاء لا يفهمه إلا خاصّة الخاصّة، فقد ظلت الفلسفة حتى في أنظار المتعلمين مادّة عسيرة، شبيهة بكتلة مجرّدة، تستعمل رموزا ومصطلحات بعيدة عن الحياة الفعلية والتجربة الحسّية، تتعاطاها فئة متعالية تنظر إلى العالم نظرة مختلفة وتعيش منغلقة على نفسها.

بل إن ثمة من يدرجها ويدرج أعلامها في عداد ماض تولّى، لا يرتاده إلا طلاب الجامعات حيث يدرسون تاريخها أكثر من دراسة مدى ملاءمتها لواقعنا الحالي، وثمة من يرى أن علوما أخرى، إنسانية أو صلبة، استولت على جانب كبير من حقولها فكانت أقرب إلى الناس وأكثر فائدة.

فهل يعني ذلك أن الفلسفة انتهى دورها، وأننا صرنا في غنى عنها؟

قراءة الفلسفة

بعض المدافعين عن الفلسفة اليوم يوهمون بأن في قراءتها سُلوانًا يُذهب الغمّ والهمّ، ووسيلة لتخفيف ضغط الحياة اليومية، وتهدئة الرعب الذي يصيب إنسان هذا العصر، ويتناسون أن الفلاسفة، على مرّ العصور، لم يقدّموا وصفاتِ “سعادة”، ولا نصائح لتحقيق نجاح ما أو حلّ مشاكل نفسانية، ولم يقترحوا هداية إلى معالم “حقيقة” تخلّص الفرد من عناء الوجود.

فقد كانت الفلسفة منذ اليونانيين القدامى تعبيرا عن الدهشة أمام الظواهر والموجودات، بشكل يدفع الإنسان إلى التوقف أمام معنى أو لا معنى ما ينتأ على سطح العالم، للغوص في كنهه ومساءلة حقيقته.

وكان سقراط يجوب شوارع أثينا يسأل الناس عمّا يتوهمون معرفته والحال أنهم يجهلونه، وعن أفكارهم الجاهزة وقناعاتهم التي لم تتأسس على نظر وتفكير، ولا ينفكّ يعبّر عن حيرته التي تفوق حيرة مناقشيه بقولته الشهيرة “كلّ ما أعرفه هو أنّي لا أعرف شيئًا”.

 

الاهتمام بالفلسفة تراجع في عصر الثورة الرقمية التي صارت تستقطب الدهشة، ولكنها باقية ما بقيت الحياة

كما أن الدعوة إلى قراءة الفلاسفة لا تعني التعامل مع تاريخ الفلسفة كمادة جامعية يتدارسها المتخصصون في الكليات.

صحيح أن بعض الفلاسفة، رغم أنهم فكروا وألّفوا في زمن غير زمننا، لا يزالون يخاطبوننا، ولا تزال أفكارهم تجد صداها في راهننا الحارق، ولكن ليست الغاية إضاءة فكرهم من خلال سيرتهم لأن السيرة لا تنبئ إلا قليلا عن الأسئلة التي أثاروها، وإنما الغاية الوقوف عند تلك الأسئلة وتلك المحطات الكبرى التي شكّلت تحولا في الفكر الإنساني، ومدى ارتباطها بعضها ببعض. وحسب المرء أن يقرأ كتبا مبسطة تساعد على الفهم قبل أن يتجه إلى الأصول.

هذا البولندي فيتولد غمبروفيتش (1904-1969) مثلا سعى إلى إعادة بناء نوع من جينيالوجيا الوجوديّة، بتخيّل رسم لـ”شجرة جينيالوجية” جذعها كيركيغارد، حصر فيها الفلاسفة الذين لا غنًى عنهم لفهم الفلسفة الوجودية، حيث كتب في يومياته: “بالنسبة إلى ماركس وكذلك كيركيغارد نحتاج إلى هيغل. ولا يمكن أن ندخل إلى هيغل دون أن نعرف “نقد العقل المحض”، الذي مصدره هيومْ في جانب منه، وبركلي.

وإذا عدنا أبعد من ذلك، يصبح لزامًا علينا أن نقرأ على الأقلّ أرسطو وشيئا من أفلاطون، دون أن ننسى ديكارت، أبا الفكر الحديث، هذه القراءات تفيد كمقدمات لفينومينولوجيا هوسّرل التي من دونها لا يمكن أن نقرأ “الكينونة والعدم” لإيمانويل كانْت ولا “الكينونة والزمان” لسارتر.

فعل ذلك قبل أن يخصص دروسا موجزة دوّنها صديقه الفرنسي دومينيك دو رو في كتاب “دروس في الفلسفة في ست ساعات وربع” لا يكتفي فيها بتلخيص أفكار أعلام الفكر الفلسفي الحديث، بل يحلل أفكارهم ويبسّطها بالأمثلة الحسية وينقدها ويردّها إلى مصادرها أحيانا، أو يساهم في رفع المظلمة عن هذا الفيلسوف أو ذاك لأنه لم يُفهم على حقيقته (شوبنهاور مثلا).

منه نفهم بسهولة كيف سارت الفلسفة في عصر حداثتها، فبعد تراجع الميتافيزيقا، واختفاء المعالم المتصلة بالتسامي، ظهرت الاستقلالية الفردية مع ديكارت، الذي جعل الكوجيتو (أنا أفكّر، إذن أنا موجود) نقطة انطلاق تجربة باتّة قاطعة وشهادة عن حرية تتبدى عن طريق الشّكّ.

ولو أن قوة مضلِّلة بسطت هيمنتها على الفرد فإنه يقبل المجازفة بالرفض أو القبول بحرية في الحالين، غير أن حريته هذه لا تؤكد لنا حقيقة العالَم، لأنه يبقى في حاجة إلى أن يمنحه الرّبّ ضمانه.

وعندما أراد كانْت أن يجعل من الحرية حجر الزاوية في منظومته، راهن على إعادة الميتافيزيقا، أي التساؤل عن قدرتنا على المعرفة وحدود العقل، فصارت الحرية الإنسانية، كما عند روسو ولو بطريقة مغايرة، الشرط الأساس للفكر والفعل. والحرية هنا هي الاستقلالية الذاتية بالدرجة الأولى، أي قدرة الإنسان على الحكم بنفسه دون اللجوء إلى تقاليد أو سلطة، وذلك بالامتثال للقانون الذي نضعه لأنفسنا وليس الخضوع لمعيارية نظام مفروض من الخارج.

ولكن هل أن تلك الحرية روحانية أم أخلاقية أم سياسية؟ وهل هي تعبير عن طغيان أولوية الفرد أم أن العلاقة بالآخرين هي التي تمنحها صفتها العامّة والكونية؟ وكان السؤال المطروح هو كيف يمكن وضع تمفصل بين الحرية والإكراه، الحرية والسلطة، الحرية والأمن؟

أما هيغل فقد رأى أن الحرية تتحقق في التاريخ، وأن تطبيقها، الذي يخص صيرورة الإنسانية أكثر مما يخص الفرد، يتم عبر فكرة تطوّر العقل. فكيف نقرأه اليوم، بعد أن انهار اليقين العميق بأن الإنسانية تسير نحو آفاق أفضل؟ هل نتخلّى عن فكرة التحرر أو نعيد التفكير فيها؟ إن قراءة هيغل ترغمنا على أن ننظر إلى عمق هذه القطيعة ونأخذها بعين الاعتبار.

الفلاسفة ضد التعقيد

 

إيمانويل كانْت أراد أن يجعل من الحرية حجر الزاوية في منظومته، راهن على إعادة الميتافيزيقا فصارت الحرية الإنسانية الشرط الأساس للفكر والفعل

لئن انشغل كانْت بمسألة الحاضر والزمن الذي يعيش فيه، وفرادة اللحظة التي يكتب فيها، ومدى أحقية ما يحدث بإعمال الفكر فيه، فإن فوكو جعل من فكر كانْت منطلقا مؤسسا للحداثة، لأنه يؤكد على الريبة والشك والمسافة التأمّلية. فمن الذي يجرؤ اليوم على القول إن هذا المسعى صار غير راهن، ونحن نغرق في دوامة الحاضر ونجهد في إطار اقتصاد الميديا لإبراز ما يمكن أن يشكل حدثا والحال أنه مجرد مساهمة في ترويج الرداءة واللامعنى؟

قد يكون الاهتمام بالفلسفة تراجع في عصر الثورة الرقمية التي صارت تستقطب الدهشة، ولكن الفلسفة كأساس للفكر النقدي المستقل باقية ما بقيت الحياة. ولئن شابها تعقيد مع أعلام المدرسة الألمانية (هيغل، كانْت، هوسرل، هايدغر) ومن سار على أسلوبهم في المدرسة الفرنسية (دريدا، لاكان، ألتوسير، دولوز)، فإن الفلاسفة المحدثين في عمومهم أعادوا إليها صفاءها فعادت تنطق بلسان مبين، يفهمه كل راغب.كل تلك الأسئلة لا تزال تطرح علينا. كذلك القدماء في سعيهم للوصول إلى الحقيقة، وعلاقة الإنسان بالإله، ومكانة اللغة وطبيعة المجتمع المثالي. فبين أفلاطون وأرسطو مثلا رهانات أساسية لا تزال تجد صداها في مجتمعاتنا، كالعلاقة بين السياسة والمعرفة، ومدى حضور العدل في المدينة الفاضلة.

يقول بول ريكور “كل الفلاسفة يعيشون معنا في الحاضر، وكل الكتب مفتوحة على موائدنا في وقت واحد، فلمَ لا نجري معهم حوارا دائما قد يساعدنا على الإقامة بشكل أفضل في العالم الذي نعيش فيه؟”.

14