اتحاد الشغل في تونس يبدي ليونة في التفاوض مع حكومة المشيشي

نورالدين الطبوبي: يد الاتحاد ممدودة لمساعدة الحكومة.
الخميس 2020/09/17
الاتحاد رقم وازن بالمشهد التونسي

أبدى الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر منظمة نقابية في البلاد، ليونة في أول جلسة تفاوضية مع حكومة هشام المشيشي حديثة التنصيب. ويتوقع محللون أن يتجنب الاتحاد التصعيد أو التصادم في ظل وجود شخصيات مقرّبة منه ضمن الفريق الجديد. ويصب هذا التقارب في مصلحة المشيشي الذي تواجه حكومته صعوبات اقتصادية واجتماعية حادة.

تونس - اتجهت الأنظار في تونس إلى أولى جلسات الحوار بين الحكومة التونسية التي نصبت حديثا والاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر منظمة نقابية في البلاد ذات التأثير السياسي والاجتماعي القوي، وسط تساؤلات عن منحى العلاقة بين الطرف الحكومي والنقابي وما إذا كان الاتحاد سيضغط مجددا على الفريق الحكومي الجديد أم سيتخذ شكلا سلميا في التفاوض من أجل مطالب العمال.

وانطلقت أولى جلسات الحوار بين رئيس الحكومة هشام المشيشي ورئيس الاتحاد العام التونسي للشغل نورالدين الطبوبي مساء الثلاثاء، وتطرقت إلى الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالبلاد والتي زادت حدتها في أعقاب ظهور وباء كورونا المستجد وعودة تفشيه بقوة.

وشدّد المشيشي على الدور التاريخي لاتحاد الشغل، معتبرا أنه شريك أساسي وفاعل في كل المشاريع التي تطرحها الحكومة.

ومن جهته أكد الطبوبي أن “المنظمة الشغيلة تمثل قوة اقتراح للحكومة ويدها مفتوحة من أجل مد يد المساعدة لها في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة على البلاد وعلى المواطن”.

واعتبر أن “عدة ملفات مطروحة الآن على طاولة الحكومة لعل أهمها التفاهم حول القسط الثالث من الزيادة في أجور الوظيفة العمومية والتشغيل الهش والزيادة في الأجر الأدنى المضمون”.

وفي أعقاب أول جلسة تفاوضية، أعلن الاتحاد عن اتفاق مع الحكومة يقضي بصرف القسط الثالث من الزيادات في أجور الوظيفة العمومية.

وبيّن الاتحاد على صفحته الرسمية على فيسبوك نقلا عن أمينه العام المساعد حفيظ حفيظ، أنه تم “إثر اجتماع بقصر القصبة بين الحكومة واتحاد الشغل الاتفاق على صرف القسط الثالث من الزيادات في الوظيفة العمومية على أن يصدر القرار في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية موفى هذا الأسبوع”.

وأضاف حفيظ أنه تم الاتفاق كذلك على “الترفيع في الأجر الأدنى المضمون لعمال القطاع الخاص وسيتم الإعلان عن ذلك خلال الأيام القليلة القادمة”.

عبدالواحد المكني: تركيبة الحكومة لا تتصادم مع توجهات اتحاد الشغل
عبدالواحد المكني: تركيبة الحكومة لا تتصادم مع توجهات اتحاد الشغل

وعلى الرغم من أن حكومة المشيشي مسنودة سياسيا إلا أنها بحاجة إلى دعم المنظمات الوطنية الوازنة في مواجهة الضغوط الاجتماعية مع استمرار الاحتجاجات جنوب البلاد المطالبة بالتشغيل ونصيب عادل من التنمية.

ويعتقد متابعون أن الاتحاد سيبدي ليونة في التعامل مع حكومة المشيشي وسيختار الحوار والتهدئة بدل التصعيد، خاصة وأنه لم يبد تحفظا على أعضاء فريقها رغم الحرب الكلامية التي رافقت تكوين الحكومة الحالية.

وحسب هؤلاء تستند حكومة المشيشي إلى دعم المنظمات الوطنية وخاصة الاتحاد العام للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (اتحاد أرباب العمل).

وعلى غرار ما تفرضه الأزمة الاقتصادية وحالة الطوارئ الصحية من ضرورة تجنب التصعيد، يستبعد متابعون دخول الحكومة واتحاد الشغل في صدام جديد لوجود شخصيات مقربة من المنظمة النقابية في فريق المشيشي.

وتوقع المحلل السياسي عبدالواحد المكني في حديثه لـ”العرب” أن “تسير علاقة الاتحاد والحكومة في اتجاه إيجابي نظرا لأن تركيبة الحكومة نفسها لا تتصادم مع توجهات اتحاد الشغل بل أكثر من ذلك هناك عناصر فيها قريبة من فكر الاتحاد”.

وتتكون حكومة المشيشي من 25 وزيرا و3 كتاب دولة (ما يشبه نائب وزير) في حين كانت حكومة إلياس الفخفاخ تتألف من 31 وزيرا وكاتبي دولة.

وسبق أن أشار الباحث في الفلسفة السياسية المعاصرة رياض الشعيبي في تصريحات صحافية أن “هذه الحكومة حاولت استمالة اتحاد الشغل من خلال تعيين أحد أعضاء مكتبه التنفيذي السابقين، محمد الطرابلسي، في وزارة الشؤون الاجتماعية من أجل خلق نوع من التوازن تجاه الأحزاب السياسية”.

ويراهن المشيشي الذي لن يكون طريقه مفروشا بالورود بسبب الأزمة السياسية غير الخافية بين مؤسستي الرئاسة والبرلمان، على دعم قوي من الاتحاد لتطبيق أولويات برنامجه الحكومي.

ويشير المحللون إلى أن الاتحاد، الذي يبدو متفهما للمهمة الشاقة التي في انتظار الحكومة، سيكون محرجا أمام قواعده الشعبية في حال استمر ضغط الشارع الذي يرفض تقديم تضحيات جديدة على حساب أوضاعه المعيشية.

واعتبر المحلل السياسي منذر ثابت في حديثه لـ”العرب” أن “أهم تحد بالنسبة للمشيشي هو ضمان استقرار الساحة الاجتماعية نظرا لصعوبة الأوضاع الاقتصادية والمالية”.

وسيكون من الضروري الحد من العجز من الميزانية وهو يتضارب مع انهيار المقدرة الشرائية للمواطن وخاصة مشكلة البطالة، ونتيجة لذلك يحتاج المشيشي لاتحاد الشغل كقوة إسناد اجتماعي لتمرير الإصلاحات ذات الصلة بالمؤسسات العمومية، حسب ما ذهب إليه ثابت.

ويعتقد ثابت أن الاتحاد من جهة ثانية له هامش مناورة محدود، كما أنه تحت الضغط مع اتساع رقعة الفاقة والبطالة.

ومن شأن تردي الأوضاع الاجتماعية أن يحرج اتحاد الشغل، ففيما ترى الحكومة أنه لا حل لإنقاذ الاقتصاد إلا بإجراء إصلاحات قاسية التي تتطلب على سبيل المثال تسريح موظفين بالمؤسسات العمومية، يرفض الموظفون من جهتهم تقديم المزيد من التضحيات.

ومع ذلك لن تكون العلاقة سيئة بين الاتحاد والحكومة، حسب منذر ثابت، وستكون علاقة تواصل وهو تواصل ضروري برأيه لتجاوز هذه المرحلة الدقيقة.

وستكون الحكومة الجديدة أمام مهمة الإنقاذ، في وقت يواجه فيه الاقتصاد أزمة خانقة مع توقعات بنسبة انكماش في حدود 7 في المئة العام الجاري وبطالة تفوق 20 في المئة ومعدل اقتراض سنوي يصل إلى 15 مليار دينار (5.5 مليار دولار).

وكان المشيشي حدد خمس أولويات رئيسية في برنامج عمل حكومته من بينها إنعاش المالية العمومية عبر استعادة الإنتاج المتعثر، خاصة في قطاعات حيوية مثل الطاقة والفوسفات.

كما ينوي المشيشي بدء حوار مع المانحين الدوليين ضمن خططه لتعبئة الموارد المالية لدعم موازنة الدولة، ومراجعة الإنفاق العام للدولة، ودعم المؤسسات المتضررة من جائحة كورونا، وإصلاح الإدارة وتعزيز نظام العمل عن بعد.

4