ابتزاز يقترب من الانشقاق بين بطريركية الإسكندرية للروم الأرثوذكس والكنيسة الروسية

التقارب بين الكنيسة والكرملين ضاعف الخلط بين الديني والسياسي وتسبب في أزمات كنسية.
الاثنين 2020/11/23
الحكومات تدس أنفها في شؤون الكنائس

تعكر صفو العلاقة بين بطريركية الإسكندرية للروم الأرثوذكس وسائر أفريقيا والكنيسة الروسية على خلفية انشقاق الكنيسة الأوكرانية وانفصالها عن الوصاية الدينية الروسية عليها المستمرة منذ 332 سنة، وتعمقت الأزمة مؤخرا بعد إعلان الكنيسة الروسية إمكانية ضم مئات الباباوات التابعين للأولى إلى سلطتها، ما أثار لغطا جديدا في الأوساط القبطية بمصر وعمّق الخلاف الديني بين موسكو وكييف.

تواجه بطريركية الإسكندرية للروم الأرثوذكس وسائر أفريقيا، التي لا ينتمي إليها الأقباط ويقتصر نفوذها على الجاليات المقيمة في مصر فقط، فتنة من قبل الكنيسة الروسية التي تدرس ضم مئات الباباوات التابعين للأولى إلى سلطتها، بعدما انقطعت العلاقات بين الكنيستين منذ نحو عام.

وأثار بيان منسوب إلى بطريركية الإسكندرية، نُشر قبل أيام، حالة من الجدل حول ابتزاز كبير تتعرض له من قبل الكنيسة الروسية، عبر تهديد الأخيرة بقبول مئات رجال الدين الأفارقة التابعين للأولى.

وانفجرت مشكلة بين الكنيستين من قبل بعدما اعترفت بطريركية الإسكندرية بكنيسة أوكرانيا المستقلة، بموجب الأزمة السياسية بين موسكو وكييف، ما دفع الكنيسة الروسية إلى مقاطعة بطريرك الإسكندرية البابا ثيودوروس الثاني، وعدم ذكره في القداسات والمراسم الدينية داخل الكنيسة.

وتجددت الأزمة بعد تصريحات من نائب رئيس دائرة العلاقات الكنسية الخارجية بالكنيسة الأرثوذكسية الروسية، المطران ليونيد، خلال حوار إذاعي حول وجود مئات من أبناء بطريركية الإسكندرية غير الموافقين على القرار، لافتا إلى أن الكنيسة الروسية تدرس إمكانية ضمهم لولائها.

واعتبر الأقباط الروم الأرثوذكس في مصر وأفريقيا التصريحات الصادرة من قبل الكنيسة الروسية محاولة لشق صفهم، وبث الفتنة، وهي أزمة سياسية وليست دينية.

ونفي مطران الغربية وطنطا للروم الأرثوذكس، المتحدث الرسمي باسم البطريركية، الأنبا نيقولا، إصدار البطريركية بيانا حول الأزمة مع الكنيسة الروسية، أو حتى محاولة ضم باباوات تابعين للبطريركية.

وأوضح، لـ”العرب”، أن ما تم تداوله لا يعبر عن الكنيسة، فهو مقال رأي نُشر في موقع “الأرثوذكس تايم” في التاريخ ذاته الذي ترجمته فيه الكنيسة ونشرته على موقعها، مصحوبا برابط للمقال الأصلي، أي أنه لا يعبر سوى عن رأي كاتبه.

ورفض المتحدث باسم البطريركية التعليق على الأزمة نفسها، قائلا “سببها معروف، فقد جاءت على خلفية الاعتراف بأوكرانيا وهذا حدث منذ نحو عام، وأي شيء جديد لا يحق لأحد التحدث فيه سوى البطريرك”.

سر الأزمة الجديدة

الكنيسة الروسية تدرس ضم مئات الباباوات التابعين لبطريركية الإسكندرية للروم الأرثوذكس إلى سلطتها
الكنيسة الروسية تدرس ضم مئات الباباوات

وعادت “العرب” إلى المقال الأصلي، وكان عبارة عن خبر قصير يتناول تصريحات مسؤول العلاقات الخارجية في الكنيسة الروسية، وتعليق كاتبه على اعتبار أن الخطوة تهديد غير مباشر لبطريركية الإسكندرية بسبب موقفها من أزمة أوكرانيا.

ولا ينفي رفض الكنيسة الاعتراف بتعرضها لابتزاز من قبل الكنيسة الروسية وجود الأزمة، وحمل إقبال الكنيسة على ترجمة ذلك الخبر وإتاحته عبر موقعها مؤشرا على إقرار ضمنيّ بما ورد فيه، خصوصا أنه لم يُصطحب بتعقيب.

ومع أن بطريركية الروم الأرثوذكس إحدى بطريركتين للإسكندرية، إلا أنه لا سلطة لها على السواد الأعظم من الأقباط الذين يتبعون بطريركية الأقباط الأرثوذكس في الإسكندرية ويترأسها البابا تواضروس الثاني.

وكان بيان الكنيسة الروسية العام الماضي حول قطع علاقتها مع بطريركية الإسكندرية للروم أثار لغطا، وتداولت بعض وسائل الإعلام نبأ أن الكنيسة الروسية قطعت علاقتها مع نظيرتها المصرية، ما دفع الأخيرة إلى إصدار بيان نفي.

جمال أسعد: مسارعة بطريركية القسطنطينية إلى الاعتراف بكنيسة أوكرانيا المستقلة تعكس المواءمات بين الكنيسة والنظام التركي

وشدد القس بولس على أن الكنيسة المصرية القبطية الأرثوذكسية لم تتورط في القضية المثارة بين الكنائس الأرثوذكسية حول كنيسة أوكرانيا، وتربطها علاقات جيدة مع الكنيسة الروسية ويتم تبادل الزيارات بينهما.وقال القس بولس حليم، إن قرار الكنيسة الروسية الخاص بقطع علاقاتها مع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ليس له أساس من الصحة، والقرار الصادر عن المجمع المقدس للكنيسة الروسية خاص بكنيسة الروم الأرثوذكس.

ويرى مراقبون أن هناك فرصا لتفاقم الأزمة، ويعتقدون أن موقف الكنيسة الروسية لا يقتصر على بطريركية الإسكندرية للروم، إنما يحمل تهديدات غير مباشرة لكل من كنيسة اليونان وكنيسة القسطنطينية، حيث سبقتا بطريركية الإسكندرية في الاعتراف باستقلال كنيسة أوكرانيا، ما يعزز سطوة السياسي على الديني.

وأكد الكاتب القبطي جمال أسعد أن الأزمة سياسية، ورد فعل الكنائس عليها مجرد انصياع لموقف الدول، بداية من موقف أوكرانيا التي استقلت عن الكنيسة الروسية انطلاقا من الشعور الوطني ومواجهة تدخلات موسكو في شؤون كييف.

وقال أسعد لـ”العرب”، إن “كنيسة القسطنطينية هي أول من اعترف باستقلال الكنيسة الأوكرانية، وهو ما ينبع من موقف أنقرة الداعم لأوكرانيا في أزمتها مع موسكو، فالكنائس لا تحتاج إلى اعتراف من كنائس أخرى لتسيير استقلالها على عكس الدول التي تحتاج إلى اعتراف دولي بها عند استقلالها، لذا فالأمر برمته سياسي، ولا يسري على العقيدة أو الاختلافات الدينية”.

وكانت كنائس الروم الأرثوذكس أو الكنائس الخلقيدونية تابعة للكنيسة الروسية خلال حقبة الاتحاد السوفييتي، وبعد تفتته استقلت كل كنيسة في الإدارة، لكن ظلت العلاقات قائمة والمرتبة الاعتبارية الدينية مستمرة، وبعد أزمة روسيا وأوكرانيا بدأت الكنائس تتكتل وتتحرك في مواجهة سطوة الكنيسة الروسية، ما عده البعض ثورة على تداخل النفوذ.

واكتسبت الكنيسة الروسية نفوذا واسعا، انطلاقا من دور موسكو والتداخل بين السياسة والكنيسة في العهد القيصري قبل الثورة الشيوعية، وعاد ذلك النفوذ إلى الازدهار في عهد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي يحرص على حضور القداسات وكافة الاحتفالات الدينية، ويشتكي ناشطون روس من نفوذ متزايد للكنيسة في كافة مناحي الحياة، على الرغم من أن دستور روسيا يحض على العلمانية.

وحوكم نشطاء خلال الأعوام الماضية بتهم جرح المشاعر الدينية، أو الإساءة للذات الإلهية، وتعد الكنيسة متكأ رئيسيا في دعم سياسات بوتين وترميم شعبيته وطموحاته.

مواءمات سياسية  

خرجت الأزمة الكنسية الأخيرة من داخل البيت الأرثوذكسي، نتيجة انحياز الكنيسة الروسية إلى خط بوتين وتدخلاته التي وصلت إلى حد احتلال جزيرة القرم في عام 2014، وقررت الكنيسة الأوكرانية الانفصال عن الروسية في أكتوبر من عام 2018.

ولمعرفة مدى تأثير السياسي على الديني وتدخلاته يكفي استحضار مشهد يعود إلى عام 2015، حين تواجه باباوات الكنيسة الأوكرانية المستقلة -والتي نشأت بعد استقلال أوكرانيا عام 1992 ولم يكن معترفا بها في ذلك الوقت من قبل كنائس أخرى- والباباوات التابعين أو الموالين للكنيسة الروسية، في قرية بيتيتشا بغرب أوكرانيا. 

كمال زاخر: الصراع بين الكنائس يدور على خلفية التدخلات الروسية في أوكرانيا وما تبعها من تطورات

ورغم أن موقع القرية بعيد عن الحركات المدعومة من روسيا والحكومة الأوكرانية في الشرق، فإن صدى ما كان يحدث طال الجميع، وعد اختبارا للولاءات.

ووصل الخلاف إلى حد التراشق والمشاجرات بين الجانبين، حتى تمترس الباباوات الموالون لروسيا داخل إحدى الكنائس التي ارتفعت أصوات المواطنين الأوكرانيين وتصاعدت حركاتهم الاحتجاجية من أجل استقلالها عن الكنيسة الروسية.

ورفع الأوكرانيون وقتها شعارات رافضة للولاء لروسيا في الكنائس، وذلك في رد فعل على أن الباباوات الموالين كانوا يرفضون الصلاة على الجنود الأوكران ممن يسقطون في الجبهة خلال مواجهة الفريق المدعوم من موسكو، كما أنهم كانوا يقيمون القداسات باللغة الروسية، في استفزاز واضح لمشاعر المواطنين.

واستقلت الكنيسة الأوكرانية على الروسية، باعتراف أول من المجمع الكنسي للبطريركية المسكونية (القسطنطينية)، تلاها اعتراف من كنيسة اليونان، ثم بطريركية الروم الأرثوذكس في الإسكندرية وسائر أفريقيا، علما بأن الأخيرة لا تمت بصلة للكنيسة القبطية المصرية التي يترأسها البابا تواضروس الثاني، إنما هي تعد طائفة قريبة من حيث العقيدة إلى القبطية المصرية، لكن أتباعها يقتصرون على الجاليات ويمتد نفوذها إلى دول أفريقية عدة.

وقطعت الكنيسة الروسية علاقاتها تباعا بالمعترفين بالكنيسة الأوكرانية المنشقة عنها، وكان آخرهم بطريرك الإسكندرية، لكنها لم تقف عند ذلك، ويتخوف الأقباط الروم الأرثوذكس من ألا تقف الأزمة عند حد التهديد، في ظل ما اشتهرت به الكنيسة الروسية من منح هبات وعطايا لافتتاح مراكز لاهوتية، ما يمكن أن يُغري بعض الدول الأفريقية لإعلان تبعيتها للكنيسة الروسية، وشق الصف بين اتباع بطريركية الروم الأرثوذكس في الإسكندرية.

وقال الباحث القبطي كمال زاخر، إن الصراع بين الكنائس حاليا يدور على خلفية التدخلات الروسية في أوكرانيا وما تبعها من تطورات.

واستبعد في تصريح لـ”العرب”، أن تذهب الأوضاع إلى ما هو أكثر من التراشقات والضغوط، “ستظل في طور المناورات على خلفيات سياسية، من شد وجذب، غير أن ذلك لن ينعكس على الأوضاع الكنسية، لأن كل كنيسة تتمتع بالإدارة الذاتية”.

وأشار إلى عدم وجود تأثير في المطلق على موقف الكنيسة المصرية القبطية الأرثوذكسية، لأن العلاقات بين الكنيسة المصرية برئاسة البابا تواضروس والكنيسة الروسية تقف عند حد الدبلوماسية ومحاولات التقارب عبر مباحثات في مستوى كنسي يماثل مستوى الوزراء لدى الدول، لكن تلك المباحثات لم تفض إلى اختراق حتى الآن، وتظل الخلافات بين الكنيسة المصرية الأرثوذكسية التي ينتمي إليها غالبية الأقباط المصريين، وروسيا من الناحية العقائدية قائمة.

ولفت زاخر إلى أن للكنيسة الروسية تاريخا في الخلط بين الديني والسياسي، مستشهدا بنفوذ الكنيسة داخل روسيا القيصرية، عبر التحالف بين القيصر والبطريرك حتى قامت الثورة الشيوعية، وبدأت الأمور تتغير والارتباط يفك بين الدولة والكنيسة، حتى عهد بوتين، الذي أظهر ارتباطا بالبطريركية، وحرص على المشاركة في القداسات خلال الأعياد وزيارة الكنيسة، ما أعاد الذاكرة إلى التداخل التاريخي السابق، وإن ظل في مراحل دون روسيا القيصرية.

ولا تعزف روسيا منفردة، إذ تبرز تركيا كقوة يمكن أن تستغل هي الأخرى ورقة الكنيسة لمنازعة النفوذ الروسي، في ظل أحلام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التوسعية، وفي الوقت الذي يبرز فيه التداخل بين القصر والكنيسة في روسيا التي تدين بالمسيحية، يُطرح التساؤل عن مدى إمكانية استخدام أردوغان ورقة الكنائس لمنازعة ذلك النفوذ، فيما يحمل مشروعا إسلامويا مضادا؟

وأوضح المفكر القبطي جمال أسعد، أن مسارعة بطريركية القسطنطينية إلى الاعتراف بكنيسة أوكرانيا المستقلة تعكس المواءمات بين الكنيسة والنظام التركي، وتشي بالرغبة في التعايش، خصوصا أن أتباع الكنيسة هناك أقلية.

واشتهر الرئيس التركي بسلوك كافة السبل الممكنة لتحقيق أهدافه، فعلى الرغم من الأزمة التي سببها تحويله متحف آيا صوفيا إلى مسجد وما أثارته الخطوة من غضب في العالم المسيحي في يوليو الماضي، غير أنه وقبل أن يمر الشهر كان أردوغان قد افتتح دير سوميلا المسيحي التاريخي شمال البلاد، وعبر بطريرك القسطنطينية الأرثوذكسية المسكوني برثلماوس الأول، عن امتنانه له لإعادة فتح الدير.

13