إلى آخر الأرض

درس غوغان صعب بل هو أشبه بالانتحار. ولكنه درس ضروري. فمن أجل أن يكون المرء رساما حقيقيا عليه أن يستبعد من حياته كل الخيارات والحلول المتاحة.
الاثنين 2021/04/19
رحلة غوغان نحو تاهيتي غيّرت مسار الرسم

صعُب على الفرنسي بول غوغان (1848 ــ 1903) أن يستمر رساما وأبا لعائلة كبيرة ومصرفيا في الوقت نفسه، فاختار أن يتخلى عن وظيفته وعائلته ليذهب وراء شبح الرسام.

لم يتعلم الرسم على أصوله المدرسية ولم يرغب في أن يلتحق متأخرا بالانطباعيين الذين كانوا يومها سادة الرسم. من وجهة نظره كانت الانطباعية قد انتهت.

غير أن إعلان تلك الحقيقة في باريس لم يكن متاحا بالنسبة إلى رسام لم يعترف به أحد بعد. لم تعجبه حياة المدينة ولم تهبه أي نوع من الإلهام فقرّر الذهاب بعيدا. ولكن إلى أين؟

عاد إلى طفولته التي قضاها في أقصى الأرض. إلى بيرو. البلد الذي تنتمي إليه أمه. ولكنه اختار هذه المرة أن يذهب أبعد من بيرو. إلى تاهيتي. حيث لا مكان يليها على سطح الكرة الأرضية. ما معنى هذا؟

قبل أن يستقرّ في تاهيتي كان قد هرب إلى بريطانيا ومن بعدها إلى مدينة آرل جنوب فرنسا، هناك حيث أقام صديقه فنسنت فان غوخ منزله الأصفر.

ولأن الاثنين كانا في ذروة بحثهما في الرسم عمّا يميّزهما عن رسامي باريس فقد كان مزاج كل واحد منهما في أشد حالاته توترا. لذلك لم يبقيا معا وكادت صداقتهما أن تنتهي بمأساة.

بمزاج ناري وذاكرة جريحة وشعور عميق بالفقدان ذهب غوغان إلى آخر الأرض من أجل أن يجد نفسه في رسم لا يشبه الرسم عبر العصور. هناك أصبح الرسام الذي نعرفه.

ألهمته الحياة الغريبة التي يعيشها سكان تاهيتي طريقة في النظر إلى الأشياء هي أساس أسلوبه الذي اعتبره البعض الجذر الذي تعود إليه المدرسة الوحوشية.

الحياة التي عاشها هناك أنعشت وجدّدت خياله فتحرّر كليا من عقدة الانطباعية. وهو ما دفعه إلى تحرير علاقته بالطبيعة والبشر.

ما أنجزه غوغان في السنوات العشر الأخيرة من حياته كان صادما بالنسبة إلى فناني باريس الذين كانوا يدركون أن التضحية التي قدّمها غوغان من أجل الرسم لن يجرؤ أحد منهم على تقديمها.

درس غوغان صعب بل هو أشبه بالانتحار. ولكنه درس ضروري. فمن أجل أن يكون المرء رساما حقيقيا عليه أن يستبعد من حياته كل الخيارات والحلول المتاحة.

16