إلغاء معرض الدار البيضاء للكتاب يشلّ الموسم الثقافي في المغرب

المعرض "حجّ" ثقافي رسمي وتظاهرة تنعش سوق الكتاب.
الجمعة 2021/03/12
المعرض يمثل شريانا يحيي الحياة الثقافية

عام انقضى دون المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء الذي كان يقام في فبراير من كل سنة، لكن فبراير المنقضي مر دون أن تحتفي المدينة بالكتاب وعشاقه، فقد كسرت الجائحة الزمن الثقافي، وخلقت في جداره هوة لن يشعر بعمقها إلا من اعتاد زيارتها خلال إقامة عرسها الثقافي.

نزهة بولندا
الدار البيضاء –
اعتادت مدنية الدار البيضاء كل سنة، منذ أن أصبح معرضها للكتاب موعدا سنويا قارا، أن تشهد على مدى أسبوعين جلبة وحركة غير اعتيادية تشمل كل فضاءاتها الثقافية والفندقية والتجارية، بل هي دينامية تشمل منظومة كاملة من الخدمات، لاستقبالها أعدادا مهمة من الزوار والعارضين المغاربة والأجانب، فضلا عن سكانها الذين يحجون إلى هذا المزار من مختلف الفئات والأعمار.

الكل افتقد دورة هذه السنة من المعرض التي ألغيت بفعل تداعيات الجائحة تحت مسمى التأجيل، كما ألغيت غيرها من الأنشطة الثقافية والفنية، لتجعل من سنة المدينة سنة كبيسة دون بهجة الإبداع، غير أن وقع إلغاء المعرض كان أكبر.

مصادرة موسم ثقافي

المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء حدث استثنائي بكل المقايس، ويحظى بمتابعة غير عادية، من مواطنين وعارضين وناشرين ومثقفين وطلبة، وحتى التلاميذ الصغار الذين كانوا ينتظرونه بشغف، يرون فيه فرصتهم لتعانق أناملهم الصغيرة أبطال قصصهم المفضلة ضمن فضاء اعتاد أن يجيد استقبالهم بحفاوة كبيرة.

“من الصعب على بلد مثل المغرب، اقتصاد النشر والكتاب فيه هش ضعيف، أن يستغني عن محطة معرض الدار البيضاء للكتاب، ببساطة لأن هذا المعرض يلعب دورا محوريا في إنعاش اقتصاد الكتاب المغربي”، هكذا يعلق الكاتب المغربي ياسين عدنان على عدم تنظيم دورة هذه السنة من المعرض.

ويضيف عدنان، الذي اعتاد عليه زوار المعرض كوجه من الوجوه التي يكون لها حضور قوي ضمن فعاليات المعرض تنشيطا ومشاركة، “لنبدأ بالدخول الثقافي والأدبي، والذي اعتدنا أن يتأجل إلى حين شهر فبراير، لأننا اقتنعنا تماما في السنوات الأخيرة بأن المعرض صار يشكل الدخول الفعلي بالنسبة إلى الساحة الثقافية المغربية، إنه دخول ثقافي رسمي وفعلي. كما أنه حج ثقافي نشيط يؤمه أصدقاء الكتاب من مختلف المدن المغربية”.

المعرض فرصة تجارية أساسية بالنسبة إلى الناشرين لضمان البيع والترويج المباشرين لكتبهم لذا فتأجيله خسارة فادحة

وبرأي صاحب رواية “هوت ماروك” فإن “ضعف آليات توزيع الكتاب لدينا، وانكماش غالبية المكتبات المغربية وتقاعسها عن متابعة الساحة الأدبية والفكرية، كرست المعرض فرصة تجارية أساسية بالنسبة إلى الناشرين لضمان البيع والترويج المباشرين لكتبهم. لذا فالخسارة التجارية فادحة هذه السنة”.

وكمشتغل في مجال الإعلام الثقافي والصحافة الأدبية، يؤكد عدنان أن “معرض الكتاب شكل على الدوام فرصة ممتازة للزملاء الصحافيين لما يوفره لهم بإصداراته وضيوفه وندواته من مادة دسمة، فتتواصل تغطياتهم للندوات والإصدارات وحواراتهم مع مؤلفيها لمدة شهور بعد انقضاء المعرض”.

ويقول “لهذا نحس اليوم كما لو أن الموسم الثقافي المغربي قد صودر منا هذه السنة، وكل المبادرات التي تقوم بها بعض الأطراف من ناشرين وجمعيات هي محاولة لمقاومة هذا الفراغ، وإلا فلا حدث قادر على تحريك المشهد الثقافي الوطني وبعث الروح فيه مثل معرض الدار البيضاء الدولي للنشر والكتاب التي وضعتنا الجائحة مع الأسف أمام خيار تأجيله. تأجيل من المؤكد أنه قد تكرس باعتباره إلغاء هذه المرة مع الأسف”.

ليس هناك أقسى على العاشق من أن تحرمه لقاء معشوقه، لذا فحرمان آلاف الزوار والعارضين والمولعين بالقراءة من معانقة فضاء المعرض بكل أبعاده الثقافية والإبداعية والاقتصادية، لا يعوضه وعد بموعد آخر، ولا معارض افتراضية هنا أو هناك، فوجع الفقد يبقى متقدا لا يخبو بالتعويض، خاصة إن كان سبب الغياب جائحة أتت على الأخضر واليابس.

بعين الصحفي والشاعر المتربص بالتفاصيل، التقط محمد بشكار تراجيدية المشهد، وكيف حول الوباء الساحة الشاسعة التي تحتضن فعاليات معرض الكتاب بالدار البيضاء “من مستشفى يعالج الأرواح ويغذيها بفاكهة الكتب، إلى مستشفى ميداني لاستقبال مرضى كورونا”، ناظرا إلى النصف الآخر من الكأس “أليس من غريب الصدف أن تلعب ساحة معرض الكتاب الغاية نفسها في العلاجين الروحي والجسدي، أي الحصول على الحياة التي تهددها الأعطاب سواء كانت عضوية أو نفسية؟”.

ويشدد الشاعر على أنه في واقعة المعرض “انتصر الوباء واقعيا وافتراضيا وأجّل فرحة اللقاء في عنوان جديد”.

ورغم أن كورونا أربك كل أجنداته اليومية، فالإنسان لم يتوقف عن الحلم والتفكير في بدائل تنعش وسطه الاجتماعي ثقافيا واقتصاديا، فلجأ إلى طرق تكنولوجية تمكنه من التعامل مع واقعه الجديد والمر ولو عن بعد، إلا مع معرض دولي للكتاب، يقر بشكار، فقد انتصر المستحيل على الممكن، فالإغلاق العالمي الشامل يحول دون تنقل الناشرين من أنحاء العالم للحلول بثمرات مطابعهم في المغرب.

ومع أنه ليس ممن يستسلمون بسهولة إلى الواقع، ولو صار بطعم المرارة على ألسنة الجميع، لأنه يؤمن أن هذا الواقع حتى في سلبياته يصلح لتوليد طاقة الحلم، يعتقد المشرف على الملحق الثقافي لجريدة العلم أن هناك فرصة للحلم بأن تخصص ميزانية المعرض لتغطية مشاريع ثقافية أخرى.

الكراسي الفارغة

ما يبدعه الكاتب هو في حالة انتشاء بهذا الحلم يستهوي الكثيرين من هواة القراءة
ما يبدعه الكاتب هو في حالة انتشاء بهذا الحلم يستهوي الكثيرين من هواة القراءة

يقول بشكار إن “ميزانية تنظيم معرض الدار البيضاء، الذي يعتبر من أهم المعارض الدولية، تقدر بحوالي 5 ملايين درهم، فهل سيتم استثمارها في أي من المشاريع الثقافية العالقة منذ سنين وتنتظر من يفك عقدتها؟”.

ويجيب على السؤال الأخير بروح الغيور على الفعل الثقافي في البلاد “سأكون في هذه النقطة افتراضيا وأحلم في يقظتي أن وزارة الثقافة والشباب والرياضة، قررت أن تصرف للكتاب الأدباء والمفكرين وشعراء الأغاني من هذه الملايين حقوق تأليفهم التي لا تصل من الناشرين، وقد أتمادى في مشروع حضاري أقوى من الحلم ولكنه يليق بالموقع الاستراتيجي لبلدنا، ويأتيني بلاغ من الوزارة تعلن فيه أنها قررت بالأموال التي لم تصرف هذه السنة في معرض الكتاب المؤجل، أن تنشئ مؤسسة عالمية للترجمة تنقل الآداب والفنون والعلوم التي تصدر في كتب بالمغرب وتأكلها الأرضة، إلى كل لغات العالم الحية”.

حلم الشاعر أو الكاتب قد يعنيه وحده، لكن ما يبدعه وهو في حالة انتشاء بهذا الحلم يستهوي الكثيرين من هواة القراءة، وعليه فيمكن التكهن بأن وقع الغياب كان أشد على الآلاف من الزوار الذين اعتادوا أن يشدوا الرحال من مختلف الجهات نحو العاصمة الاقتصادية للمملكة، للقاء كاتبهم المفضل، أو حضور حفل توقيع كتاب من صديق، وفي الغالب اقتناء ما تجود به دور النشر والكتاب في هذا المعرض من عناوين يصعب العثور عليها في غير هذا المكان.

رغم أن كورونا أربك كل أجنداته اليومية، فالإنسان لم يتوقف عن الحلم والتفكير في بدائل تنعش وسطه الاجتماعي ثقافيا واقتصاديا

وهو ما تؤكده لطيفة صياغ إحدى المتابعات الوفيّات لمعرض الكتاب، من مدينة الفقيه بن صالح، والتي تبرز أن علاقتها بالمعرض الدولي للكتاب “ابتدأت منذ خمس سنوات حين اضطرتني ظروف صحية لزيارة الدار البيضاء بشكل دوري، حيث كنت في كل زيارة أعرّج على مكتبات بعينها لاقتناء بعض الكتب، فكان المعرض مناسبة لإرضاء فضول الاطلاع على هذه التظاهرة الدولية، ثم أصبح تقليدا لديّ بعد ذلك”.

وتضيف أن حديثها عن المعرض “سيكون ارتباطا بالفعل القرائي بالمدينة التي أنتمي إليها، حيث أن وجود مكتبات تهتم بتسويق الكتب شبه منعدم، بالإضافة إلى الأثمان التي لا تكون في الغالب في متناول القارئ، ثم محدودية الأجناس الكتابية والعناوين أيضا، لذلك فالمعرض يتيح فرص الاختيار في كل ما سلف”.

وأكدت أنها “وقفت على حالات لأشخاص من المناطق التي تعاني الظروف نفسها، شباب على الخصوص في رحلات جماعية إلى المعرض للغرض ذاته، وللقاء كتابهم المفضلين خصوصا مع سهولة التواصل التي توفرها المواقع الاجتماعية على الإنترنت لمعرفة المواعيد وكذا المعروضات”.

وإن كان المعرض قد فقد شيئا من ألقه ووهجه في السنوات الأخيرة، وهو ما كان يبدو جليا في شبه غياب حضور الجمهور للندوات واللقاءات التي كانت تنظم ضمن فعالياته، إلا أنه بالنسبة إلى الزوار من خارج المدينة فإخلاف الموعد هذه السنة ضياع لفرصة ثمينة.

فهذه القارئة العاشقة لكتابة شعر الهايكو، وعلى غرار كثيرين من رواد المعرض، لم تنكر أن عدم تنظيم دورة هذه السنة ترك لديها فراغا كبيرا، وتقول “لأكون صريحة أكثر، فالفراغ ليس من ناحية اقتناء الكتب، ولكن لأن هذا الغياب فوّت عليّ فرصة لقاء أصدقائي وصديقاتي الذين يشاركونني الاهتمامات الشعرية والإبداعية ذاتها”.

هي التي كانت في إحدى الدورات وثقت بلغة ساخرة للإقبال الضعيف على الأنشطة المنظمة ضمن المعرض الدولي للنشر والكتاب، قائلة: “حفل توقيع الكتاب،/ القاعة مكتظة/ بالكراسي الفارغة”.

ويبدو أن عشاق المعرض افتقدوا هذا السنة حتى لذة معانقة الكراسي الفارغة وتفرّس وجوه المشاركين وهم يتطلعون بلهفة إلى باب القاعة في انتظار من يملأ الكراسي الفارغة.
 

14