إصلاحيون ومحافظون.. الإيرانيون في قارب مثقوب واحد

استمر النظام الإيراني في معركته من أجل البقاء والنجاة من العقوبات الاقتصادية الأميركية والدولية.
الخميس 2020/08/06
أزمة خانقة

في موازاة الضائقة المتفاقمة، التي تمر بها إيران، حددت الإدارة الأميركية شروطها لرفع العقوبات، ومن خلال طبيعة هذه الشروط، يتبدى جلياً أن واشنطن، في عهد إدارة دونالد ترامب، ليست مستعدة لرفع العقوبات وتطبيع علاقاتها مع طهران، ما لم يحدث المستحيل، وهو أن يستجيب النظام الإيراني لشرط أميركي، يفتح المجال للمجتمع المدني الإيراني، لكي “يقرر” تغيير طابع النظام في بلاده، من خلال عملية انتخابية، خاضعة للرقابة الدولية.

بالطبع لن يقبل نظام الملالي الرضوخ لشرط مثل هذا، ما يعني أن الإيرانيين سيخوضون معركة ليّ ذراع مع إدارة ترامب، خلال الأشهر الأربعة المتبقية على الانتخابات الرئاسية الأميركية، ويتوقعون أن يكون الخاسر فيها هو الرئيس ترامب.

كان واضحاً أن إدارة ترامب صاغت شروطها النهائية، بعد ظهور جائحة كورونا في العالم. فقد أصيب أكثر من ربع مليون إيراني وفق البيانات الرسمية، توفي منهم ثلاثة عشر ألفاً. وكانت إيران هي البلد الوحيد في العالم، الذي قرر إبقاء بواباته مفتوحة على الصين، في الأسابيع الأولى لانتشار الفايروس في مدينة ووهان، ما جعل المواطنين الإيرانيين، يرون في هذا الاستثناء، مقامرة بصحتهم، وتركهم عرضة للأمراض والانهيار الاقتصادي.

على الرغم من ذلك، استمر النظام الإيراني في معركته، من أجل البقاء والنجاة من العقوبات الاقتصادية الأميركية والدولية. وبتأثير هذه العقوبات، استمر في السنوات الأخيرة الارتفاع في معدلات التضخم والبطالة، ما دفع المواطنين إلى تظاهرات غضب صاخبة، في شهر نوفمبر الماضي، قُتل خلالها نحو 1500 شخص.

ومما زاد الغضب الشعبي، أن تأثيرات جائحة كوفيد ـ 19 التي أضرت باقتصاديات العالم كله، كان تأثيرها على الاقتصاد الإيراني أفدح، فتسببت في ركود اقتصادي كبير، وفي استمرار حال السقوط الحر للريال الإيراني، الذي فقد ربع قيمته أمام الدولار، وأجهز تقريباً على الطبقة الإيرانية الوسطى، التي فقدت مدخراتها.

في هذه الأثناء، عُلم أن أوساط الحكم الإيرانية، تعتقد أن المرشح الديمقراطي الأميركي جو بايدن، هو الذي سيفوز في الانتخابات المقبلة.

ويرى الزعيم الروحي علي خامنئي الذي تخطى سن الثمانين، أن الأشهر الأربعة المتبقية على الانتخابات، قريبة ويأمل أن يشهد بعدها انتخاب الرئيس الأميركي الديمقراطي، الذي يلغي العقوبات، وربما يعود إلى الاتفاق النووي الإيراني الذي أبرمه الرئيس باراك أوباما. بل إن النظام الإيراني، يرى في الانتخابات الأميركية المقبلة، الفرصة الأخيرة للخلاص من العقوبات.

غير أن الشعب الإيراني، يرى أمراً آخر، وهو أن المشكلات تتناسل، وأن خطوط النزف المستمر للمقدرات الإيرانية متعددة، وأن مشروع النظام الإيراني في المشرق العربي، مكلف ولا طائل منه، لاسيما وأن إسرائيل، التي يتوافق الأميركيون والروس على ضمان أمنها، تقف بالمرصاد للوجود الإيراني في المنطقة، وتتخذ من هذا الموقف الصارم، شيفرا للولوج إلى الفضاء العربي، متجاوزة القضية الفلسطينية.

تحسساً لعمق المشكلات التي تواجهها طهران اعتمدت الدبلوماسية الإيرانية التي يقودها إصلاحيون سياسة {الابتسامة} في وجه الغرب ولم يعد النظام الإيراني يملك ترف تبادل الاتهامات بين فريقين داخل النظام الواحد

وتحسساً لعمق المشكلات المعقدة التي تواجهها طهران، اعتمدت الدبلوماسية الإيرانية التي يقودها إصلاحيون سياسة “الابتسامة” في وجه الغرب، ونُقل عن وزير الخارجية جواد ظريف الأسبوع الماضي، قوله في حديث جانبي جرى بينه وبين نواب محافظين داخل مجلس الشورى الإيراني “نحن جميعاً، إصلاحيون ومحافظون، في القارب نفسه في نظر الأميركيين”. النظام الإيراني لم يعد يملك ترف تبادل الاتهامات والسجال بين فريقين داخل النظام الواحد، والتابعية لمرجع أعلى واحد.

أكد ظريف على هذه الحقيقة، عندما فشلت سياسة التودد مع الغرب، ظهرت علامات الصدود الشعبي عن النظام والغليان الاجتماعي، لذا فإن إسرائيل التي تتابع عن قرب، أو تتشاور مباشرة مع دول في الإقليم، بدأت تحث الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إطلاق ما سمّته “مشروع السلام الثاني” وهذه المرة يكون حسب زعمها مع “الشعب الإيراني” تحت عنوان “إعادة الأمل إليه ومساعدته على إحداث تغيير حقيقي في مسار حياته”.

في هذا السياق، يتوقع حزب “الليكود” الإسرائيلي تحديداً، أن تقدم إدارة ترامب للنظام الإيراني، خلال الأشهر المتبقية على الانتخابات، صفقة بصيغة “خذها كلها أو أتركها كلها” تُطالب بموجبها الولايات المتحدة طهران، بإلغاء البرنامج النووي والصاروخي، ووقف تدخل الحرس الثوري الإيراني في الدول الأجنبية، ووقف تمويل ما تصفه بـ”المنظمات الإرهابية”، وبعدئذٍ أن تُجري إيران استفتاءً بإشراف دولي، بشأن مستقبل النظام، ومقابل ذلك، تلغي الولايات المتحدة العقوبات الاقتصادية، وتساعد مع الغرب والمنظمات الدولية على إعادة بناء الاقتصاد الإيراني.

وبالطبع، سيرفض علي خامنئي وسائر رجال الحكم الإيراني، إصلاحيين ومعتدلين، مثل هذه الصفقة التي من شأنها إنهاء نظامهم، تماماً مثلما رفض الفلسطينيون والعرب صفقة ترامب “الأولى” التي من شأنها إنهاء القضية الفلسطينية وتكريس حال الصراع وفقدان السلام.

ويعرف الإسرائيليون والأميركيون، أن الإيرانيين لن يقبلوا نقاش هذه الصفقة أو استلام ورقة بخصوصها، لكنهم في تل أبيب وواشنطن، يريدون الاستفادة الدعائية منها وتطييرها وكأنها خطة إنقاذ للشعب الإيراني.

رهان الإدارة الأميركية وحكومة إسرائيل على الشعب الإيراني، يفترض أن معظم الإيرانيين غير معنيّ بالبرنامج النووي، ولا بالبرنامج الصاروخي، ولا يبالون بانفجارات تحدث في مواقع الحرس الثوري، بل إن هؤلاء الإيرانيين ـ حسب هذا الافتراض ـ سيشعرون بالأمل في حال وجدوا دعما لهم من الغرب. وبناءً على هذه التقديرات، يرى الإسرائيليون أن الفرصة سانحة لإسقاط النظام الإيراني و”لا ينبغي تضييعها” بالتلكؤ وعدم بذل الجهود الحثيثة.

العرض الذي تطالب إسرائيل الولايات المتحدة بتقديمه للإيرانيين، هو نوع من ألعاب العلاقات العامة، لإيهام خصوم إيران في المنطقة، بأن تل أبيب وواشنطن، تعملان لصالحهم. أما الإيرانيون، فإنهم ينتظرون جو بايدن، وسقوط دونالد ترامب، وتوقعاتهم في هذا الشأن، تُعتبر بمثابة تمنيات متطابقة مع دول عدة في الغرب والشرق.

8