إرنست ينقل الفن المديني من الشارع إلى أروقة الفنون

الرسم في تصوّر إرنست كشف عن واقع المكان، فبفعل آثار واقع الرسم فقط ينتج التفاعل بين المكان وما يريد التعبير عنه.
الاثنين 2021/05/17
إرنست يوظف فن الشارع للدفاع عن الضعفاء والمظلومين

"أوراق جدران" عنوان لمعرض يقام في غاليري غرونيار بضاحية رويل مالميزون الباريسية لرائد فن الشارع الفرنسي إرنست بينيون إرنست، الذي حاز شهرة عالمية بفضل أعمال ملتزمة تلتحم بالمكان الذي توضع فيه.

ولد إرنست بينيون إرنست عام 1942 بمدينة نيس (جنوب فرنسا)، لأسرة متواضعة، واكتشف شظف العيش من صغره، حين أرغم والداه على مغادرة البيت. وبعد أن قام بإنجاز رسوم في الهندسة المعمارية استقر بمحافظة فوكلوز قرب مدينة أفينيون.

ولما كان من عشاق بيكاسو ولوغريكو وفرنسيس بيكون أحسّ ما في الرسم الفني من إمكانيات تعبير، ولكنه اختار أسلوبا خاصا، توسّل به في الدفاع عن الضعفاء والمظلومين، قبل أن يعتنق قضايا إنسانية كبرى أولاها إدانته للسلاح النووي، عندما لاحظ تنصيب ترسانة نووية في محافظة الفوكلوز جنوب فرنسا، في أواسط الستينات، حيث رسم صورة ضخمة لرجل أحرقته صاعقة نووية في هيروشيما، ومضى يلصق نسخا منها على جدران البيوت والصخور.

وبذلك أعلن عن التزامه سياسيا واجتماعيا وتوخّى فنا غايته زعزعة القناعات وفتح البصائر على ما يجري في العالم. ومنذ السبعينات أعلن عبر رسومه عن إدانة حرب الجزائر وسياسة الأبارتايد في جنوب أفريقيا ووضع المهاجرين في أوروبا والجدار العازل في فلسطين، ليسلط الضوء على ضحايا تلك الأحداث، وإخراجها من دائرة الصمت المفروض عليها.

من ذلك مثلا أنه ناهض قرارا اتخذه المجلس البلدي لمدينته نيس بتوأمتها مع مدينة كيب تاون، وكانت حينها عاصمة للميز العنصري الرسمي في جنوب أفريقيا، فأنجز لوحة تصوّر أسرة سوداء معزولة خلف الأسلاك الشائكة، ثم قام بتلصيق مئات منها في شوارع مدينة نيس.

إرنست بينيون إرنست: أنا لا أعرض رسوما في الشارع، بل أثير شيئا ما في الشارع

لم يكن تلصيق الرسوم مسموحا به في ذلك الوقت، بل إن مواقع كثيرة من المدن الفرنسية يتصدّرها تحذير بلدي “التلصيق ممنوع”، ولذلك عُدّ عمل إرنست بينيون خرقا للقانون، يعاقب عليه. ومن الطرائف التي يذكرها في بداياته أن أعوانا من الشرطة قبضوا عليه حين كان يعلّق في أحد شوارع باريس رسما للشاعر رامبو، وحشروه في سيارتهم لنقله إلى المخفر بتهمة تشويه المدينة، ثمّ حصل ما لم يكن يتوقعه، إذ وقع على شرطي يعشق رامبو، ويحفظ بعضا من أشعاره، فلما عرف مسعى الفنان أطلق سراحه.

قبل جي أر، وبانكسي، وسي 215، ابتكر إرنست فنا جديدا هو فن الشارع، أو الستريت آرت، ومؤرخو الفن يعتبرونه رائد هذا الجنس، ولكنه يرفض أن ينظر إلى أعماله كذلك، ويفضل أن يطلق على فنه “الفن المديني” أو “الفن الحضري”، لأن أعماله ليست مجرد غرافيتي يرسم على جدار مبنى أو مستودع مهمل أو نفق مترو، بل هي جزء من المكان الذي توضع فيه، لا تنفصل عنه.

وفي رأيه أن ثمة فرقا بينه وبين فناني الستريت آرت، فهو يستعمل الزمن والفضاء والذاكرة، ويحاول أن يجعل من الشارع عملا فنيا، بينما هم، في معظمهم، يجعلون من الشارع غاليري، مكان عرض.

وإرنست لا يتوخى الطريقة التي يستعملها فنانو الغرافيتي، إذ يرسم لوحاته بقلم الفحم والحجارة السوداء والممحاة المثلومة في مرسمه بضاحية إيفري سور سين، ثم يقوم بتلصيق نسخ منها في المكان الذي يكون قد اختاره مسبقا حسب مقاربة مخصوصة، فالمعروف عنه أنه يقوم باستكشاف المكان أولا، ودراسة تاريخه، ومعرفة خصائصه، قبل أن ينجز العمل الذي سيودِعه فيه.

Thumbnail

من ذلك مثلا أنه اطلع على نحو مئة كتاب قبل إنجاز سلسلته في مدينة نابولي الإيطالية ما بين عامي 1988 و1995. وكان قد انجذب إلى تمثلات الموت في تلك المدينة، بأساطيرها وطقوس جنائزها وأصول أهلها، فقضى أعواما في جمع وثائق عن اتصالها بالأساطير الميثولوجية اليونانية والرومانية والمسيحية، وفق منطق يُخضعه للتاريخ والذاكرة، للإمساك بواقع الأمكنة المعقّد، وكان يقضّي الساعات الطوال في تأمل لون جدار وضوئه وفروقه ورمزيته.

وهو يقول في هذا الشأن “عندما أهم بالعمل في مكان ما ألاحظ أوّلا كيف يمكن لي أن أقاربه، وأطلع على طبيعة الجدار ولونه وخصائص موقعه، لأن عملي يهدف، حتى وإن تناول ثيمات معاصرة، إلى خلق أصداء مع التاريخ والأساطير الكبرى التي تؤسّسنا”.

ذلك أن الرسم في تصوّره هو نوع من الكشف عن واقع المكان، فبفعل آثار واقع الرسم فقط ينتج التفاعل بين المكان وما يريد التعبير عنه. إنه ثمرة تأمل يأخذ في الحسبان كل ما لا يُرى لأول وهلة، ولكنه حاضر، أي الفضاء والضوء وطبيعة الجدار. وهو في الوقت نفسه كل ما ينتمي إلى التاريخ والذاكرة وما يخلّفه الوجود البشري. وتلك طريقته في استنطاق الجدران، لكي يحيي تاريخ أحداث معيشة قبل أن يطمرها النسيان.

يقول إرنست “عندما أتدخل في مكان ما أُدرج فيه علامة بشرية. أنا لا أعرض رسوما في الشارع، بل أثير شيئا ما في الشارع. فما أقترحه ليس مجرد صورة شخص، كبيرة كانت أم صغيرة، بل المكان نفسه وذاكرته”.

وبما أن أعماله منذورة للتلف والزوال فقد دأب على الاحتفاظ بأصولها، أو نسخ منها أو صور فوتوغرافية عنها، وهي التي يشارك بها في المعارض الفرنسية والعالمية.

16