إدارة بايدن تهرب من أفغانستان… إلى مصر!

لا يمكن تفسير تصرفات إدارة جو بايدن سوى بأنها تعبير عن إدارة حائرة وما يزيد من المخاوف حيال المستقبل أن الإدارة تبدو وكأنها لا تمتلك ردا واضحا على التصعيد الإيراني.
الجمعة 2021/09/17
التغطية على الملف الحقيقي بإثارة قضايا هامشية

تثير إدارة الرئيس جو بايدن في ضوء الانسحاب من أفغانستان، والطريقة التي تم بها هذا الانسحاب، مخاوف كثيرة وكبيرة في آن. تذكّر تصرّفات الإدارة الأميركيّة الحاليّة بكثير من قصر النظر والضعف اللذين اتسمت بهما إدارة جيمي كارتر وكمّية الحقد التي كانت تكنّها إدارة باراك أوباما لكلّ من يقف في وجه المشروع التوسّعي الإيراني.

وصل الأمر بإدارة أوباما إلى توقيع اتفاق في شأن الملفّ النووي الإيراني من دون سؤال أو جواب عن نشاطها التخريبي خارج حدودها عبر ميليشياتها المذهبيّة المعروفة. أكثر من ذلك، وفّرت إدارة أوباما لـ"الجمهورية الإسلامية" ما يكفي من الأموال كي تستمرّ في دعم ميليشياتها التي نشطت في العراق وسوريا واليمن ودمرّت بلدا اسمه لبنان عن بكرة أبيه.

تبدو إدارة بايدن حاليا مهتمة بحقوق الإنسان في مصر. جمّدت قسما من المساعدة الأميركية لمصر، تقدّر قيمته بـ130 مليون دولار، وذلك بحجّة انتظار تحقيق تقدّم في قضيّة حقوق الإنسان. قد لا تكون مصر بلدا مثاليا في ما يتعلّق بحقوق الإنسان، لكنّ الظروف التي مرّت بها غابت عن إدارة أميركية لا تدرك طبيعة هذه الظروف والخطر الذي يشكّله الإخوان المسلمون على مستقبل مصر وعلى حقوق الإنسان فيها، بما في ذلك حقوق المرأة.

المشكلة في طالبان نفسها التي لا تحترم حقوق الإنسان وتريد إعادة الشعب الأفغاني إلى عصر لا وجود فيه لأيّ نوع من القيم الحضاريّة، بما في ذلك الغناء والموسيقى، وأيّ احترام لحقوق المرأة والإنسان عموما

تبحث إدارة بايدن عن أعذار لتبرير سقوط كابول في يد طالبان. حمّل زلماي خليل زاد، الدبلوماسي الأميركي من أصل أفغاني الذي فاوض طالبان منذ العام 2018 عندما كان دونالد ترامب لا يزال رئيسا، الرئيس الأفغاني أشرف غني مسؤولية تسريع عملية سقوط كابول. قال زلماي خليل زاد في حديث نشرته صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانيّة إن فرار غني من العاصمة عجّل في استيلاء طالبان على كابول في الخامس عشر من آب - أغسطس الماضي. كان يتوقع أن تؤدي مفاوضاته مع طالبان إلى تأخير دخول هؤلاء العاصمة الأفغانيّة خمسة عشر يوما. لا يدري الدبلوماسي الأميركي -الأفغاني الأصل أن المشكلة لم تكن يوما في تأخير سقوط كابول أو عدمه. المشكلة في طالبان نفسها التي لا تحترم حقوق الإنسان وتريد إعادة الشعب الأفغاني إلى عصر لا وجود فيه لأيّ نوع من القيم الحضاريّة، بما في ذلك الغناء والموسيقى، وأيّ احترام لحقوق المرأة والإنسان عموما.

لا يمكن الهرب من الواقع الأفغاني الذي تسببت به الإدارات الأميركية منذ العام 2001 عن طريق التركيز على حقوق الإنسان في مصر. يكفي أن يقرأ أيّ مسؤول أميركي يمتلك حدّا أدنى من الوعي السياسي ما ذكرته ظريفة غفاري، أول امرأة تشغل منصب رئيس بلديّة في بلدها، للتأكد من أنّ الهرب إلى مصر وإلى محاولة استرضاء بشّار الأسد، المسؤول عن قتل نصف مليون سوري وتهجير نحو عشرة ملايين من مواطنيه، لا ينفعان في شيء. قالت غفاري في مجلّة المرأة التابعة لصحيفة "لو فيغارو" الفرنسيّة "إن رجال طالبان يحاولون محو هوية المرأة، بل إزالة المرأة من المجتمع. إنّهم يزيلون أي صورة لأيّ امرأة في الشارع ويغطون وجهها في الملصقات. يرفضون أن تعمل المرأة أو أن تتعلّم وحتّى أن تخرج من بيتها". أين إدارة بايدن من ذلك كلّه؟

يظهر بكلّ وضوح أن ثمّة مشكلة في العمق تعاني منها الإدارة الأميركية التي ترفض الاعتراف بسلسلة الأخطاء التي ارتكبتها أخيرا. لا يختلف عاقلان على أنّه لم يكن مفرّ من الانسحاب العسكري من أفغانستان. لكنّه لا يختلف عاقلان أيضا على أن طريقة تنفيذ الانسحاب مهمّة نظرا إلى انعكاساتها على حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة في وقت تمارس إيران التصعيد.

لا يمكن تفسير تصرّفات إدارة بايدن سوى بأنه تنقصها الخبرة في السياسة الخارجيّة. لم يدرك جيمي كارتر في العام 1979 معنى السماح للنظام الإيراني الجديد باحتجاز 52 دبلوماسيا ومواطنا أميركيا كانوا يعملون في سفارة طهران رهائن طوال 444 يوما. مهّد الاحتجاز، الذي تخللته محاولة فاشلة لإنقاذ الدبلوماسيين والمواطنين الأميركيين المحتجزين، لانكشاف أميركي أمام إيران. يظلّ أفضل تعبير عن هذا الانكشاف نسف مقر المارينز قرب مطار بيروت في الثالث عشر من تشرين الأوّل - أكتوبر 1983. ردّت إدارة الرئيس دونالد ريغان على مقتل نحو 250 عسكريا أميركيا دفعة واحدة بانسحاب عسكري من لبنان. وقتذاك، برّر ريغان في اتصال مع الرئيس أمين الجميّل الانسحاب الأميركي بقوله إن القوات الأميركية "ستعيد انتشارها على السفن في البحر". لم يكن ذلك سوى إشارة إلى مغادرة أميركية للبنان الذي تحوّل مع حلول العام 2021 إلى مجرّد جرم يدور في الفلك الإيراني… فيما الإدارة الأميركية تتفرّج!

الأكيد أن تصرّفات إدارة بايدن لا تدعو إلى الاطمئنان، بل تطرح سؤالا في غاية البساطة، خصوصا بعد الذي حصل في لبنان أخيرا وطريقة تشكيل الحكومة فيه. السؤال هل صار الاستسلام أمام إيران خيارا أميركيا؟

لا يمكن تفسير تصرّفات إدارة بايدن هذه الأيّام سوى بأنّها تعبير عن إدارة حائرة بكلّ ما في كلمة الحيرة من معنى. ما يزيد من المخاوف حيال المستقبل أن الإدارة تبدو وكأنّها لا تمتلك ردّا واضحا على التصعيد الإيراني. بات مشروعا التساؤل هل إدارة بايدن مزيج من إدارتي كارتر وأوباما؟

كان مضحكا في عهد إدارة كارتر الحملات غير المباشرة التي شنتها على الملك حسين بحجة أنّه كان لديه تعاط مع وكالة الاستخبارات المركزيّة الأميركيّة (سي.آي.إي). هل سرّ عسكري أن الأجهزة الأمنيّة في بلد مثل الأردن كان يتعرّض لتهديدات من جهات مختلفة، في عزّ الحرب الباردة، أن تكون لدى قيادته علاقة بالاستخبارات الأميركيّة؟

كانت المهزلة في عهد أوباما في اختزال الرئيس الأميركي، وقتذاك، كلّ مشاكل الشرق الأوسط في الملفّ النووي الإيراني. صيف العام 2013 تغاضى أوباما عن استخدام بشّار الأسد السلاح الكيمياوي في حربه على السوريين… كي لا تنزعج إيران وتوقف المفاوضات السرّية الدائرة مع الإدارة الأميركية في سلطنة عُمان في شأن ملفّها النووي.

الأكيد أن تصرّفات إدارة بايدن لا تدعو إلى الاطمئنان، بل تطرح سؤالا في غاية البساطة، خصوصا بعد الذي حصل في لبنان أخيرا وطريقة تشكيل الحكومة فيه. السؤال هل صار الاستسلام أمام إيران خيارا أميركيّا؟

9