إخوان الجزائر يركبون موجة الهوية لتحصين مواقعهم

مشروع قانون للتضييق على اللغة الفرنسية يغذي التجاذبات.
السبت 2020/05/23
توظيف الوتر الحساس

تسعى الأحزاب الإسلامية في الجزائر إلى توظيف قضية الهوية المثيرة للجدل من أجل تحصين مواقعها في الخارطة السياسية المستقبلية خاصة وأن البلاد على أعتاب انتخابات محلية وتشريعية قد تدفع بها إلى الهامش.

الجزائر – تحاول أكبر الأحزاب الإخوانية في الجزائر ركوب موجة السجال الهوياتي واللغوي في المشهد الجزائري، عبر دغدغة مشاعر قطاع عريض من الجزائريين، من خلال تبني مقترح يناهض ويجرم التيار الموالي لفرنسا عبر التضييق على ممارسة اللغة الفرنسية في المؤسسات الرسمية للدولة.

ودعت حركة مجتمع السلم “لتجريم استعمال اللغة الفرنسية كلغة تداول في المؤسسات الرسمية وكلغة تعامل في الوثائق الرسمية في الدستور”، في رد على مغازلة السلطة للشارع الأمازيغي، بتأكيد أحد المقترحات الدستورية، على جعل مسألة “المكون الأمازيغي غير قابلة للمراجعة أو التعديل في المستقبل”.

وأفرز الفتيل الهوياتي واللغوي الذي أثاره مشروع الدستور الجديد، ولاءات سياسية وأيديولوجية تهدد بتفكيك المجتمع الجزائري، في ظل غياب المناخ المناسب من الحريات والاستقرار السياسي في البلاد، للدخول في نقاشات حول هوية الجزائريين.

ويقود الإسلاميون والمحافظون حملة دفاع قوية على اللغة العربية وما يعرف بـ”الثوابت التقليدية للمجتمع”، لكن ذلك لم يمنع من ظهور بوادر استغلال للوضع من طرف المتربصين السياسيين، وعلى رأسهم تيار الإخوان الذي لا يتوانى في التلون مع مختلف وضعيات وأشكال الصراعات القائمة.

وأكدت حركة مجتمع السلم، التي دعمت المسار الدستوري لكن انتقدته بشدة تمسكها بمسار “مناقشة مشروع الدستور الذي أعدته لجنة الخبراء وأفرجت عنه مصالح رئاسة الجمهورية قبل أيام من خلال وضع مرجعية بيان أول نوفمبر ضمن المواد الصماء التي لا يجب المساس بها”.

وشددت على اعتبار “الشريعة الإسلامية والمقاصد الشرعية مصدرا من مصادر التشريع، وأن تعميم استعمال اللغة العربية كلغة وطنية ورسمية وتجريم استعمال اللغة الفرنسية في المؤسسات والوثائق الرسمية، واعتبار العربية والأمازيغية لغتين تنتميان عبر قرون من الزمن إلى بعد حضاري واحد في ديباجة الدستور”.

الدخول في نقاشات حول الهوية في غياب الاستقرار السياسي ومناخ معاد للحريات يهدد بتفكك المجتمع الجزائري

وقررت حركة حمس في هذا الشأن “إشراك هياكل الحركة ومؤسساتها في مناقشة المشروع من خلال ندوات داخلية وتنظيم ندوات موضوعاتية بإشراك خبراء ومختصين، فضلا عن تنظيم مشاورات ثنائية مع الشخصيات والأحزاب”، وهو ما يوحي بأن الحركة تنوي الذهاب بعيدا في استغلال المسألة لصالح أجندتها السياسية.

وكما حاول الإخوان الظهور في ثوب القاطرة التي كانت تقود المعارضة السياسية قبل العهدة الرئاسية الرابعة للرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة (2014)، فإن حركة مجتمع السلم، تريد الآن العودة إلى ممارسة دور مماثل عبر فتح نقاش هوياتي مع الطبقة السياسية تظهر من خلاله رائدة التيار المدافع عن هوية وثوابت المجتمع، وفي طليعة الجبهة المناهضة للتيار الفرنكفوني (الفرنسي).

ومنذ بداية الأزمة السياسية التي تعيشها الجزائر ومنذ بداية الاحتجاجات الشعبية في فبراير 2019، ظهر تيار يناوئ بقوة المد الفرنكفوني في البلاد، ويعرف بـ”الباديسية النوفمبرية”، المشتقة من شخصية عبدالحميد بن باديس الذي تزعم مشروع الإصلاح خلال حقبة الاستعمار الفرنسي، ومن ثورة التحرير التي تفجرت في شهر نوفمبر 1954.

ويبدو أن التيار الباديسي النوفمبري بات مادة دسمة للاستغلال والتوظيف السياسي، فبعد استعماله من طرف المؤسسات الانتقالية التي أدارت شؤون البلاد خلال فترة الفراغ المؤسساتي، وخاصة منها المؤسسة العسكرية، لتمرير أجندة رسكلة النظام السياسي في البلاد وإعادة تأهيله بوجوه وآليات جديدة كالانتخابات الرئاسية الأخيرة، هو الآن محط أطماع قاطرة التيار الإخواني، التي تريد إعادة اللعب على أوتار الثوابت الوطنية واستقطاب الوعاء المذكور الذي استطاع تمرير الانتخابات الرئاسية وأضفى نوعا من الشرعية على قرارات السلطة. وأكد رئيس حركة حمس عبدالرزاق مقري أن “مطلب تجريم استعمال اللغة الفرنسية في مؤسسات الدولة والوثائق الرسمية، والذي تم تبنيه من طرف مؤسسة حمس الأولى، قد أعاد المعركة إلى نصابها وحقيقتها”.

وقال مقري في تغريدة له على حسابه الشخصي إن “أولاد فرنسا شعروا بالألم بخصوص تجريم استعمال اللغة الفرنسية في المؤسسات والوثائق الرسمية، لأن قضيتهم الحقيقية هي الدفاع عن الفرنسية وعن مصالح فرنسا”.

وتابع “الضرة الحقيقية التي تزاحم العربية هي الفرنسية، هم يستعملون صراعاتنا ليمكنوا للفرنسية والثقافة الفرنسية والمصالح الفرنسية، هم لوبيات تشتغل لصالح دولة أجنبية، وليس لشيء آخر”.

ويبدو أن مسألة توظيف الهوية قد أخذت أبعادا مختلفة في الجزائر، فإذا كان التيار الإسلامي والمحافظ، قد أعلنها في الظاهر حربا على التيار الفرنكفوني، وفي الباطن أجندة سياسية لاستمالة أنصار الثوابت الوطنية، تتجه السلطة إلى مغازلة العملاق الصيني بفتح المجال أمام اللغة الصينية.

وقال رئيس الوزراء عبدالعزيز جراد، على هامش تدشين قناة “المعرفة” التلفزيونية الحكومية، بأن “هذه القناة الجديدة التي تضاف إلى باقة القنوات العمومية، ستساهم في تلقين المعارف وتقديم الدروس لفائدة الطلبة والتلاميذ في كل الأطوار، لاسيما الأقسام النهائية وتساهم في رفع المستوى للالتحاق بالجامعة”.

وأضاف “ستكون مفتوحة على العالم لتكون فضاء تتمحور فيه الثقافات العالمية، وستعمل على تعزيز تعليم اللغات الأجنبية وليس الاكتفاء باللغة العربية والفرنسية، بل تعزيز دور اللغة الإنجليزية والصينية”.

وبرر ذلك بكون “الصين دولة رائدة وقد برهنت على ذلك خلال أزمة كورونا، ومن شأن هذه القناة أن تقارب بيننا وبين الحضارات البعيدة، وأن علاقتنا بالصين وطيدة والقناة فرصة لتعلم قواعد اللغة الصينية لفهم الثقافة والحضارة الصينية وكيف يفكر الإنسان الصيني”.

4